المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شعراء يموتون في المنافي



bode
04-Jul-2007, 06:47
ليظل الجواهري في الشام، ولتنم نازك في القاهرة، حتى ينهض العراق فتعاد شعائر الدفن في القلوب.

وهكذا يموتون في المنافي الواحد تلو الآخر.

يموتون هكذا بلا ضجة.

إنهم كما يقول المثل الصيني "ولدوا فتعذبوا وماتوا."

فالإنسان إذن قصة قصيرة، ويقال إن الشاعر ناظم حكمت جاء إلى حلب، وسرعان ما غادرها لظروف طرأت فقال "ما أن أتينا حتى رحلنا، فليبارك الله حلب."

الموت حق، ولكن الموت غريبا وحيدا يختلف عن الموت بين الأهل والمعارف والأصدقاء، وإن كانت النتيجة واحدة، ومن الصعب على الإنسان ولا سيما الشاعر أن يترك هذه الدنيا المليئة بالمباهج وهو الذي طالما تغنى بجمالها وسحرها ومحطاتها وباقي تفاصيلها، فيترك المباني والمغاني، وهذه الساعات المزدانة بالدقائق والثواني.

مرة أخرى إن الموت حق، وأنه قدر شعراء العراق أن يموتوا بعيدا عن أرضهم وتغسل أجسادهم بغير مياه دجلة والفرات، ولكن العزاء في ذلك بأن شعراء العراق الكبار تخطوا الحدود الوهمية للبلدان ودخلوا إلى العالم الأرحب الأوسع وصاروا معروفين في جميع أنحاء الوطن العربي والعالم.

فهم إن ماتوا فأجسادهم إلى التراب وأما أرواحهم فتعرج إلى السماء ولا جنسية في السماء، وتبقى آثارهم في قلوب المحبين والعارفين في جميع أرجاء المعمورة.

وأنا شخصيا ضد نبش القبور وإعادة الجثامين، فما كان يضر جسد كمال سبتي مثلا الذي مات وحيدا في شقته في إحدى مدن هولندا وطلب أن تعنون رسائله بعده إلى السماء، أن يدفن في تلك الأرض بين أزهار التوليب ويكتب على شاهد قبره "هذا الغريب هو شاعر عراقي عاقر الكلمة ورسم لوحات رائعة بالقلم والقلق المستمر."

فيقف أهل المدينة والسياح دقائق حزن على قبره ثم يودعونه بزهرة برية ملونة وهكذا تتكاثر الأزهار عنده ثم تأتي الأطيار لتنوح عند الغرباء. هكذا نحن شعراء وغير شعراء ندفع الثمن الباهظ للغربة.

وقد روى لي أحد الأصدقاء أنه رأى في أحد مساجد لندن جنازة يُصلى عليها بحضور ثلاث رجال وامراتين وطفل، فسأل عن هذا الغريب المسجى المحفوف بذل الاستخفاف، فقيل إنه عراقي بلا أهل ولا عشيرة.

وقبل فترة أسقطت زوجة أحد العراقيين جنينا لأنثى مكتملة التكوين، فأخبرته الممرضة بأن إدارة المستشفى ستتولى دفن الجنين، فوافق الصديق باعتبار أن الأجنة لا تحتاج إلى غسل وكفن وصلاة جنازة، لكن زوجته رأت جنينها في المنام تعاتبها قائلة بلهجة عراقية أصيلة ونبرة مخنوقة بالعبرة:
"يمه ليش تخلوني وحدي." أو "شلون خليتوني وحدي."

فقام الزوج بعد ذلك بالذهاب إلى المستشفى وأنهى إجراءات استلام الجسد الصغير وتوجه به إلى مقبرة للمسلمين لوحده لولا أن التحق به شخصان فيما بعد ليكونوا ثلاثة لا رابع لهم، وهكذا حتى الأجنة تعيش هاجس الغربة والمنفى وتخاف من لسعات الوحدة.

لتتلقف أيدي الملائكة، نازك الملائكة وباقي الشعراء وكان من المفروض أن تحصل الشاعرة على التكريم اللائق لها في حياتها، ولكن العادة عندنا جرت أن نكرم المبدعين بعد يأوون إلى النسيان في بعض الحفر، كما جاء في إحدى قصائدها.

ليظل الجواهري في الشام، ولتنم نازك في ثرى القاهرة بسلام، حتى ينهض العراق من خرابه ثانية فتعاد شعائر الدفن مرة أخرى في القلوب.

فلنا اليوم شغل شاغل في دفن أحبتنا الذين يسقطون يوميا بفعل مجهول، يا لله وهذا المجهول كم هو جبار وعنيد.

ميدل ايست اونلاين
بقلم: حسين أبو سعود

توتي فروتي
04-Jul-2007, 10:39
من منا لم يصبه الذهول عند سماعه خبر موت الشاعرة نازك الملائكة .. فحقيقة عندما وصلني خبر وفاتها انصدمت لأني كنت أعتقد بأنها ميتة أصلاً .. !!! .. وعندما قرأت عنها علمت بأنها مرضت في آخر أيامها لذلك غابت عن الساحة وأُذيعت إشاعات مغلطة عن وفاتها بالجرائد المصرية حيث أقامت في آخر حياتها ..

رحم الله فقيدتنا رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته .. وأسعدنا بعودة العراق آمناً مطمئنا .. فكل مصيبة تهون أمام مصيبة فقد العراق .. إنا لله وإنا إليه راجعون ..

وأحببت أن أشارككم مقتطفات من أروع قصائدها:


الليلُ يسألُ من أنا

أنا سرُّه القلق العميق الأسود


والريح تسأل من أنا

أنا روحُها الحيران أنكرني الزمانْ

أنا مثلها في لا مكان


والدهر يسأل من أنا

أنا مثله جبّارة أطوي عُصورْ

وأعودُ أمنحها النشورْ



تعال لنحلم , ان المساء الجميـــل دنا

ولين الدجى وخدود النجوم تنادى بنــا

تعال نصيد الرؤى ، ونعـد خيـــوط السّنا

ونشهد منحدرات الرّمــال على حـبّــنا



أسير أسيـر ولا شـيء يـبـدو

أمامي غيـر امتـداد الطريـق

علـى ظمـأ لوجـود عجـيـب

يذوب عليـه النـدى والبـريـق


وأحلـم أحـلـم لا أستفـيـق

إلا لأحـلـم حلـمـا جديـد
_______________________________________________
رحمها الله رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته

لك الشكر بودي على هذه المشاركة الجميلة .. ونتمنى أن لا تكون وحيداً :)

احترامي وتقديري
:cool: