المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإيواء والرحمة والنسب- حقوق الأيتام على المسلمين(رسالة جامعية)



احمد الشريف
13-Jun-2011, 09:35
الإيواء والرحمة والنسب- حقوق الأيتام على المسلمين(رسالة جامعية)


بقلم : عبد الحق حميش - جامعة الشارقة
تلخيص: أحمد الشريف
أكدت دراسة بحثية صدرت حديثا في الإمارات أن الأيتام والقصّر واللقطاء ومجهولي الأب لهم حقوق عدة على المسلمين تضمن لهم حياة كريمة، واستقراراً نفسيا واجتماعيا.
وذكرت الدراسة التي أعدها الدكتور عبد الحق حميش الأستاذ في كلية الشريعة في جامعة الشارقة بالإمارات أن التشريع الإسلامي اهتم بأمر القُصَّر ومن في حكمهم، وكفل لهم الحق في الحياة والنسب والرضاعة والإيواء والتربية، مشيرا إلى أن كفالة الأيتام والقُصَّر تساهم في بناء مجتمع سليمٍ خالٍ من الحقد والكراهية، وتسود فيه روح المحبة والمودة.

حق الحياة
وفي تفاصيل الدراسة يقول الباحث: إن حق الحياة لليتيم ومن في حكمه تعد من أبرز ما كفله التشريع الإسلامي للطفل؛ حيث كان وأد البنات منتشراً في الجاهلية خشية العار، إضافة إلى قتل الأولاد خوفاً من العيلة والفقر، فحرم الإسلام ذلك وشدد فيه، قال تعالى " :ولا تَقتُلُوا أولادَكُم خَشيَةَ إملاقٍ نحنُ نَرزُقُهُم وإيّاكُم إنّ قَتلَهُم كَانَ خِطئاً كبيراً ( [الإسراء : أية 31 ] ، وسئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أي الذنب أعظم عند الله ؟ قال : " أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم . قلت: ثمّ أي ؟ قال : ثم أن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك. قلت: ثم أي؟ قال: ثم أن تزاني بحليلة جارك ". [ متفق عليه ] وعن المغيرة بن شعبة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: قال النبي- صلى الله عليه وسلم - : " إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات،وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال ". [ متفق عليه ]
وبهذه التوجيهات قرر الإسلام حقاً ثابتاً للطفل وهو حقه في الحياة، لا يحل انتهاكه بأي شكل من الأشكال، وبخاصة للطفل اليتيم أو اللقيط؛ بل هذا الحق متقرر لمن كان مجهول النسب بشكل أكبر .

النسب
وتطرقت الدراسة إلى حق النسب مؤكدة أن التشريع الإسلامي كما ضمن لليتيم الحق في الحياة، ضمن له الحق في النسب والانتساب لأبيه؛ حتى لا يكون عرضة للجهالة، ومن ثمَّ ضياع حقوق أخرى مثل: الإنفاق والإرث، فيقرر الله عز وجل ذلك في قوله: ) ادعوهم لآبَائِهِم هُوَ أَقسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإن لَّم تَعلَمُوا آبَاءهُم فَإخوَانُكُم في الدِينِ وَمَوَالِيكُم ( [الأحزاب : آية 5 ]. كما حرم الإسلام التلاعب بالأنساب، أو محاولة انتساب الطفل لغير أبيه، ورتب على ذلك العقاب الشديد، فلقد ثبت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ( من أدعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام ) [ البخاري ]. وبذلك ضمن الإسلام للطفل - يتيماً كان أو غيره- انتساباً لأب والتصاقاً بفئة ينتمي إليها، ولم يتركه هملاً مجهولاً في المجتمع.

حق الرضاعة
وعن الحق الثالث للطفل يقول حميش: حق الرضاعة هو الحق الثالث للطفل في تسلسله في الحياة، فلقد أوجب الإسلام على الأمهات إرضاع أولادهن، قال تعالى: ) وَالوَالدِاتُ يُرضِعنَ أَولاَدَهُنَّ حَولَينِ كَامِلَينِ لِمَن أَرَادَ أن يُتمَّ الرَّضَاعَة ( [البقرة : آية : 232 ]، ولقد أجمع الفقهاء على وجوب إرضاع الطفل ما دام في حاجة إليه وهو في سن الرضاع، مع اختلاف بين الفقهاء في وجوبه على من يكون.

الإيواء و الرحمة
وأكد الباحث أن للقاصر واليتيم - ومن في حكمهم - حق في الإيواء والرحمة بهم، واستند إلى قول الله تعالى :"ألم يجدك يتيماً فآوى(" [الضحى :6 ] فمما يحتاجه القاصر في هذه الحياة هو: الحضن الذي يضمه، والصدر الذي يغمره بدفئه. والبيت الذي يمرح فيه.فإذا تهيأت هذه الثلاث كان بالإمكان أن يحفظ هذا الطفل المهمل ليقوم بالإنفاق عليه مادياً ومعنوياً. ومن هنا كان لابد من إيجاد المأوى المناسب لكل يتيم أو قاصر .
وقد جاء في الخبر عن النبي -صلى الله عليه وآله- قوله : " خير بيت من المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت من المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه ".
أما حق الرحمة فيستحقه القاصر على أساس أنه صغير لم يرشد بعد، ففي التشريع الإسلامي توجيهات متواصلة برحمة الصغير والعطف عليه والأخذ بيده، والرفق به في التحدث معه، والابتسامة في وجهه لنبعد بذلك عنه الانكسار الذي يشعر به، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: ( من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا فليس منا ) [ الحاكم].
ولقد تعجب الرسول- صلى الله عليه وسلم- من الصحابي الأقرع بن حابس التميمي عندما قال للرسول - صلى الله عليه وسلم- ": إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً"، وذلك عندما رأى الرسول يقبل الحسن بن علي - رضي الله عنه - ، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : "من لا يَرْحَم لا يُرْحم " [ متفق عليه ]. وكل هذه التوجيهات من الإسلام برحمة الصغير، يُهدف من ورائها تعزيز هذا الشعور لديه، وملؤه به ليفيض به عندما يكبر.

حق التربية
ولفت الباحث إلى حق آخر لليتيم هو حق التربية:
يوجه الرسول الكريم أمته لتربية أولادهم على قيم الإسلام ومبادئه منذ الصغر؛ فإن التعلم في الصغر كالنقش على الحجر، كما قيل. ومن ذلك تعليم الصلاة. يقول - صلى الله عليه وسلم - : "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر" [ أبو داود ] ،وليس الضرب مقصوداً لذاته، إنما هو إشعار بجدية الطلب. إن الإسلام لا يريد تنشئة عبيد يساقون بالعصا، بل ينشد تربية أحرار يقادون بالإقناع.قال تعالى ):ووجدك ضالاً فهدى( [الضحى :7]. وبعد أن استوفت الآيات القرآنية الجوانب المعاشية لليتيم ودفعت بالأثرياء لأن يساعدوا الأيتام، ويهيئوا لهم الإيواء المناسب فلا بد من الاتجاه نحو الحث على تربية هؤلاء تربية صالحة؛ لئلا يبقى اليتيم عاطلاً لا تستفيد الأمة من مواهبه.

النفقة
وتحدث حميش في بحثه عن حق النفقة لليتيم مشددا على أن هذا الحق من الحقوق المقررة للأبناء على الآباء في التشريع الإسلامي، وقال: أجـمع الفقهاء على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم؛ لأن ولد الإنسان بعضه، وهو بعض والده، وكما يجب عليه أن ينفق على نفسه وأهله، كذلك على بعضه وأصله، قال تعالى: ) ليُنفِق ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيه رِزقُهُ فَليُنفِق مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكلّفُ اللَّهّ نفساً إلا ما آتَاها سَيَجعلُ اللَّهُ بَعدَ عُسرٍ يُسرا ( [الطلاق : آية 7 ] كما عدَّ الرســـول الكريم النفقة على الأبناء والأهل خير نفقة ينفقها الرجل، فعن ثوبان – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:- "أفضل دينار ينفقه الرجل على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله " [ مسلم ] قال أبو قلابة – أحد رواة الحديث – وبدأ بالعيال، وأي رجل أعظم من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم.
والنفقة الواجبة كما يعرفها الفقهاء هي: كفاية من يمونه خبزاً وإداماً، وكسوة ومسكناً وتوابعها. كما تشمل النفقة الرضاع، والحضانة، والعلاج، والمصاريف المدرسية وغيرها من الأمور اللازمة.
وإذا مات الأب أو كان في حكم المعدم غير القادر على الكسب، فتكون النفقة على كل الذين يرثونه على قدر إرثهم لو مات هو، فإن تعذر ذلك فعلى بيت مال المسلمين بما يقدمه من مساعدات نقدية، أو من خلال الدور الإيوائية والمؤسسات الاجتماعية .

حق الولاية
أما الحق الأخير الذي رصدته الدراسة فهو حق الولاية للأيتام ومن في حكمهم، وينقسم إلى: ولاية الحضانة، وولاية النفس، وولاية المال.
فولاية الحضانة يكون الدور فيها للنساء، وهي تربية الطفل ورعايته في الفترة التي لا يستغني فيها الطفل عن النساء، والنساء أحق بحضانة الطفل، وهذا ما يتفق عليه الفقهاء.
أما ولاية النفس فالمقصود بها التأديب والتربية، والتوجيه، والإرشاد بعد انتهاء فترة الحضانة. وهذه الولاية خاصة بالرجال دون النساء؛ لما جبل الله الرجال عليه من القوة والقدرة والشدة أكثر من النساء، ولقد حث الله - عز وجل - الآباء على القيام بتربية أولادهم في قوله تعالى: ) يا أيُهَا الذِينَ آمنُوا قُوا أنفُسَكُم وأهلِيكُم نَاراً وقُودُهَا النَّاسُ والحِجَارَةُ ( [التحريم : آية : 6 ]، كما ألزم الرسول الكريم كل راعٍ بالعناية بمن تحت يده؛ ففي الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته، والإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية ومسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راعٍ ومسؤول عن رعيته ). وعلى ذلك فإنه يلزم الولي والقائم على أمر الطفل واليتيم أن يتعاهده بالحفظ والصيانة والتعليم والتربية والتأديب والإرشاد .
أما الولاية على المال فتقتضي المحافظة على أموال الطفل اليتيم بخاصة لكونه عديم التجربة في الحياة، ولم يكتمل بعد بناؤه الجسمي، والاجتماعي، والنفسي،والعقلي، فلو تركت له حرية التصرف في ماله فقد يضيعه في شهواته ونزواته وحماقته وجهله، وعندما يبلغ ويصبح رشيداً لا يجده وهو في أمس الحاجة إليه.
والولي الذي له حق القوامة على مال اليتيم، هو الوصي من قبل الأب، وإذا لم يكن ثمة وصي فعلى ولي الأمر أن يعين من يثق في أمانته ودينه وحفظه للمال، حيث يلزمه المحافظة على أموال اليتيم، واستثمارها وإخراج الزكاة عنها، وبعد ذلك إعادتها له عند الرشد .

فضل عظيم
وانتقل عبد الحق حميش إلى فوائد رعاية الأيتام و القُصَّر، مؤكدا أن
الشرع رتب جملة من الفوائد التي تتحقق للفرد وللمجتمع عند أفراد المسلمين بكفالة هؤلاء الأيتام والقصر ورعايتهم ومن هذه الفوائد:
- كفالة اليتيم والقاصر من قبل المسلم تؤدي إلى مصاحبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الجنة، وكفى بذلك شرفاً وفخراً، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً. "
- كفالة القاصر والإنفاق عليه وتربيته والعناية به تدل على طبع سليم، وفطرة نقية، وقلب رحوم.
- كفالة اليتيم والمسح على رأسه وتطييب خاطره تؤدي إلى ترقيق القلب، وتزيل القسوة عنه.
- كفالة الأيتام و القُصَّر تعود على صاحبها بالخير الجزيل والفضل العظيم في الحياة الدنيا فضلاً عن الآخرة قال تعالى:) هَل جَزَاءُ الإِحسَانِ إِلاَّ الإِحسَانَ ( [الرحمن: 60] ، أي هل جزاء من أحسن في عبادة الخالق، ونفع عبيده ، إلا أن يحسن خالقه إليه بالثواب الجزيل، والفوز الكبير، والعيش السليم في الدنيا والآخرة.
- كفالة القُصَّر تساهم في بناء مجتمع سليمٍ خالٍ من الحقد والكراهية، وتسود فيه روح المحبة والمودة قال- صلى الله عليه وسلم - : "ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى" (رواه البخاري (.
- في إكرام القاصر والقيام بأمره ورعايته والعناية به وكفالته إكرام لمن شارك الرسول- صلى الله عليه وسلم- في صفة اليتم، وفي هذا دليل على محبته.
- كفالة اليتيم تزكي مال المسلم وتطهره، وتجعل هذا المال نعم الصاحب للمسلم.
- كفالة اليتيم من الأخلاق الحميدة التي أقرها الإسلام وامتدح أهلها.
- في كفالة اليتيم بركة عظيمة تحل على الكافل، وتزيد في رزقه.
- كفالة اليتيم تجعل البيت الذي فيه اليتيم من خير البيوت كما قال - صلى الله عليه وسلم - :" خير بيتٍ في المسلمين بيتٌ فيه يتيم يُحسَن إليه ".
- في كفالة اليتيم حفظ لذريتنا من بعدنا، وقيام الآخرين بالإحسان إلى أيتامنا، قال تعالى: ) وليَخشَ الّذيِنَ لَو تَركُوا مِن خَلفِهِم ذُرّيّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيهِم فَليَتّقُوا اللَّه وليَقُولُوا قَولاً سَدِيداً ) [النساء:آية 9]، فكافل اليتيم اليوم إنما يعمل لنفسه لو ترك ذرية ضعافاً، فكما تُحسن إلى اليتيم اليوم يُحسن إلى أيتامك في الغد، وكما تدين تدان.
المصدر المركز الدولي للأبحاث والدراسات