المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : باكستان: من خلف الحجاب إلى المشـاركة لممارسة المسؤولية الاجتماعية



احمد الشريف
15-Feb-2011, 12:18
باكستان: من خلف الحجاب إلى المشـاركة



تبيّن هذه الحالة ما يلي :
- يمكن للنساء أحيانا تقديم حلول أكثر عملية على صعيد إدارة المياه.
- يمكن أن يؤدي إشراك المرأة إلى تفعيل تنمية المجتمع المحلي.
- يمكن التغلّب على معارضة الزعماء التقليديين في المجتمع المحلّي من خلال جهد متأن من أجل إدماج النساء.
- يمكن أن يؤدّي النجاح المعتمد على إشراك النساء إلى إحداث تغييرات على مستوى السلوكيات والمواقف لدى النّساء والرّجال على حد السّواء.

تتبّع النساء شكلا صارما من أشكال فرض النقاب في قرية هوتو من مقاطعة بالتستان. ولا يسمح لهنّ بمقابلة النّاس وخاصة الرجال من خارج المجتمع المحلّي. وعلى الرغم من أنهن يتولّين الجانب الأكبر من المسؤولية في توفير الماء للأسرة وفي بعض أعمال الري إلا أن الرجال ينفردون بصفة تقليدية بمسؤولية اتخاذ القرارات التي تهمّ إدارة الموارد المائية.

وفي قرية هوتو يمتلك المجتمع المحلّي نفسه المياه ويتولّى إدارتها. وإلى غاية العام 1994 كان كبار القرية هم الذين يتولّون مسؤولية إدارة المياه وضمان أن يحصل كافة أفراد المجتمع المحلّي على حصة متساوية. إلا أن هذا التنظيم التقليدي كان يفتقر للتجهيزات اللازمة للتعامل مع إدارة التكنولوجيات الجديدة والهياكل المؤسساتية الضرورية لتحسين إمدادات المياه.

وقد توجّه إلى القرية فريق أبحاث عمل إشراكية(PAR) في العام 1994 وعرض مساعدته على تحسين منظومة القرية في إدارة المياه. وظلّ رجال قرية هوتو سنة كاملة لا يسمحون لأعضاء الفريق بمقابلة النساء. إلا أنه وبعد مسار طويل من الحوار تمّ السّماح للمرأة العضو في فريق أبحاث عمل إشراكية (PAR) بمقابلة النساء. وأمكن للنساء في النهاية المشاركة في الحوار حول مياه الشرب.

وقالت النساء حينئذ: "لا نعلم أي شيء حول الاجتماع". "فالرجال لم يخبرونا عن الاجتماع باستثناء أنهن قالوا لنا أنه يمكننا القدوم. وفي كافة الأحوال فإن ما يفترض أن نقوم به في الاجتماع بل ومشاغلنا كلّها أمور من مشمولات الرجال وليس من مشمولاتنا نحن النساء".

وقد برزت عدة صعوبات. فقرية هوتو ممتدة وشاسعة وتتضمّن تقسيمات داخلية عديدة. إنها قرية تتكون من 180 أسرة وتنقسم إلى خمس محلاّت حسب الانتماء العائلي أو الفئوي. وشرع الزعماء التقليديون في النهاية في كل محلّة في تنظيم لجان مياه على مستوى كل محلة تتولى مسؤولية الاتصال بالأسر على حدة. وأنشئت كذلك لجان نسائية منفصلة في مراكز المحلات.

وأصبح الأعضاء الأصغر سنا والأكثر تعليما في المجتمع المحلّي في النهاية على رأس تلك اللجان إذ أن القيادة التقليدية انتهى بها المطاف إلى أن تعترف بأن الأشخاص الأكثر تعليما هم الأكثر استعدادا لتولّي تلك المسؤوليات.

وقد شكّل ذلك بداية القيادة التقليدية في منح صلاحيات لأشخاص آخرين وهو أمر لم يكن من الهيّن عليها القيام به. وتم بذلك تعيين عضوين من كل لجنة في لجنة "باني كاي" أوسع (من اللغة الأردية وتعني "لجنة المياه") لتنسيق أنشطة المنظمات على مستوى كل محلّة.


الرجال يقبلون مقترحات النساء

سمح الرجال في النهاية لزوجاتهم بالمشاركة في اجتماع مشترك من أجل وضع استراتيجيات لحلّ مشكلة ماء الشرب. واقترح الرجال تمديد قنوات التوزيع الخاصة ببرنامج حكومي قديم للإمداد بالماء لكي تشمل كافة الأسر في المناطق التي لم تبلغها خدمات إمدادات المياه.

ولكنّ النساء قدّمن اقتراحا معارضا. وكان ما يحتجنه هو خزان ماء يشيّد فوق أرض غير مستغلّة يزوّد الماء أوّلا للقنوات العامة غير العاملة في الوقت الراهن وتساءلن عن الجدوى من مدّ قناة جديدة بينما القناة الموجودة لم تستخدم بعد. وكان ذلك الحلّ الذي اقترحته أقلّ كلفة اقتصادية وبالتالي فقد تبنّاه المجتمع المحلّي.

وقد شكّل ذلك الاقتراح تغييرا كبيرا في طريقة التفكير السائدة في القرية. فقد كانت النساء قبل ذلك غير فاعلات في مواقفهن بشأن تحسين وضع إمدادات مياه الشرب بينما كان الرجال لا يبدون أي اهتمام بالمسألة باعتبار أن العمل المتصل بتوفير مياه الشرب للأسرة "ليست مسألة تخصهم". وأصبحت النساء الآن مشاركات أكثر فعالية ولاحظن أنّه حصلت تغييرات كبيرة على طريقة عيشهن.

وقالت إحداهن "لم نعد الآن نتحمل عبء جلب الماء". "يمكننا البقاء في البيت ورعاية أطفالنا". وأصبحن يشعرن كذلك أنهن قادرات على قضاء وقت أكبر للاهتمام بقواعد حفظ الصحة الشخصية. إذ تقول إحدى النساء الأعضاء في لجنة المياه : "نحن نغسل الملابس الآن في الماء بما أن الماء متوفر من منظومة "نولكا" (المياه)".

وأصبحت أولئك النساء الأعضاء يقدّمن طلبات جديدة بالنيابة عن نساء أخريات في المجتمع المحلّي مثل طلب تلقي التعليم حول قواعد حفظ الصحة، ويقمن بأنفسهنّ باختيار المواضيع التي يبدون اهتماما أكبر في تعلّمها. ويولين اهتماما بتخزين الماء وعناية بقواعد حفظ الصحة الشخصية ويشعرن بازدياد معرفتهن وفهمهن حول انتقال الأمراض.

وأخذت نساء لجنة المياه على عاتقهنّ بعدئذ مسؤولية جمع الأموال لإنشاء صندوق تشغيل وصيانة منظومة المياه في مجتمعهن المحلّي. وانتقلن من بيت إلى بيت لتحصيل مبلغ 10 روبية من كل بيت. وقد شكلت تلك الأموال القاعدة لإنشاء الصندوق. واليوم تقوم النساء أعضاء لجنة المياه باستكشاف سبل أخرى لدعم الصندوق بدلا من تحصيل الأموال من كل بيت. وأصبح لديهنّ شعور قوي بأن الأسر في قرية هوتو على درجة كبيرة من الفقر ولا يمكنهن تقديم مساهمات مالية بصفة منتظمة.

وتفسّر رئيسة لجنة المياه المسألة قائلة : "سنجمع كيلوغراما واحدا من نوى المشمش من كل أسرة". "وهذا سيكون من السهل على كل أسرة لأنّ كلّ أسرة تمتلك أشجار المشمش ومن جهتنا نحن (أعضاء اللجنة) فإننا سنبيع نوى المشمش وتذهب عائدات البيع إلى الصندوق".

ولعلّ أهمّ تأثير حاصل يكمن في أنّ النّساء يطالبن بالتّعليم لبناتهنّ
وتقول إحدى النساء أعضاء لجان المياه "تمنيت لو تحصلت بناتي على التعليم" "لكن لم تكن هناك مدارس في القرية عندما كنّ صغيرات. ونحن نعلم أن البنات كبيرات السن لن يستطعن الالتحاق بالمدرسة ولذلك فنحن نرسل الآن بناتنا الصغيرات إلى المدارس. ولا نريد لهنّ أن يلقين نفس مصيرنا بل نريد لهنّ حياة أفضل بكثير من حياتنا نحن".

وفي العام 1998 فتحت مدرسة جديدة أبوابها في قرية "هوتو" وأصبحت ترسل إليها البنات للدراسة.
اعتمـاد المقاربة لقرى أخرى

وجدت النتائج المحققة أثرا قويا لها لدى القيادات التقليدية وعلّق الشيخ علي أحمد وهو القائد التقليدي في قرية هوتو على الأمر قائلا: "إن مشروع مبادرة أبحاث عمل إشراكية ساعد المجتمع المحلّي على حلّ المشكلة الأكبر التي كانت ذات مرة يستحيل التفكير فيها. وقد تعلّمنا كيف ننظّم مواردنا ونجمّعها من أجل إحكام استغلالها".


وعندما زار القرية الشيخ آغا صاحب وهو أحد القيادات التقليدية ويعيش خارج القرية واكتشف أن الأسر تستعمل ماء الحنفية وأن الأهالي أنفسهم قد حلّوا مشكلتهم المتمثلة في الماء قام بتأسيس منظمة تسمى منظمة المنتصر تهدف إلى اعتماد نفس المقاربة لقرى أخرى وتطبيقها على مسائل أخرى في تنمية المجتمعات المحليّة.