المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من يؤهل الأمهات البديلات ؟



احمد الشريف
09-Feb-2011, 02:24
من يؤهل الأمهات البديلات ؟




دينا درويش -
نقص الكوادر المهنية المدربة من أهم المشكلات التي تواجه المؤسسات الإيوائية فى مصر. بين الإفراط والتفريط وبعض الشفقة وبعض القسوة قد تجد هذه الفئة من الأطفال نفسها. جولة فى كواليس دور الرعاية.

على الرغم من سنوات عمره التى لم تتعد أصابع اليد، بدأ الصغير محمود يعانى الاكتئاب. عيناه التائهتان، ملامح وجهه الحزين، علامات الضرب على جسده، نوبات صمته الطويلة، خوفه من أن يعرب عما بداخله، تبوله اللاإرادى، كلها شواهد على أنه يتعرض لقهر وإرهاب. الصغير هو ضحية لسوء معاملة لأم بديلة فى إحدى دور الرعاية التى يقيم فيها بعد أن فقد ذويه. قد لا تبدو المقارنة بين الطفل وأمه البديلة عادلة.

فهى نفسها تجاوزت منذ أشهر مرحلة الطفولة، عانت أسرتها بدورها الأمرين حتى تتمكن من تعليمها. وها هى اليوم تترك مسقط رأسها بإحدى قرى محافظة الشرقية سعيا وراء الرزق فى انتظار «ابن الحلال». منذ الوهلة الأولى تشعر بأنها تفتقد كثيرا من الأدوات اللازمة لتنشئة الصغير. بل هى تعتقد أن الضرب وسيلة فعالة لتربيته. فهى تؤمن جيدا بالمثل القائل اكسر للطفل ضلعا سوف يستبدله باثنين. ولا غضاضة فى ذلك، فالضرب كان وسيلة تربوية ومكونا أساسيا فى تنشئتها.

فى دراسة نشرت فى مجلة Science technology news عام 2006، يؤكد علماء النفس أن الطفل الذى ينشأ فى مؤسسات إيوائية يتعرض لاضطرابات نفسية أكبر 3.5 مرة من أقرانه فى الأسر العادية. فطفل المؤسسات الإيوائية يحتاج لمعاملة خاصة ونوعية مختلفة من التربية لأنه تعرض خلال هذه الفترة لمجموعة من الصدمات تبدأ بصدمة الانفصال عن أمه بمجرد الولادة ثم الانفصال الثانى عن الأم البديلة التى تولت إرضاعه، ثم التغير المستمر فى هؤلاء الأمهات، الأمر الذى يجعله يشعر بعدم الانتماء لأى شىء وهو شعور قد يولد عنده نوعا من التبلد.

وبالتالى يحتاج هذا الطفل لنوعية معينة من الكوادر التى تتعامل معه. يعتقد سالم، مدير أحد دور الإيواء، أن العناصر البشرية التى تتعامل مع الأطفال تبدو غير مؤهلة على الإطلاق كى تقوم بهذه المهمة. وتعتبر هذه من أهم المشكلات التى تواجه القائمين على دور الرعاية. يقول سالم: «بين الإفراط والتفريط فى الشفقة والقسوة يتأرجح سلوك هؤلاء الأمهات البديلات، بينما تتطلب التربية السليمة نوعا من الاعتدال فى كل شىء».

وهو يضرب مثالا، بأن بعض الأمهات البديلات قد تقدم لأحد الأطفال وجبة الغداء ثلاث مرات، ظنا منها أن ذلك حسن رعاية لها، لكن فى الواقع هى تربى فى البنت دون أن تدرى عادة الجشع، بل إن هذه الأخيرة قد بدأت بالفعل تكذب كى تحصل على المزيد من الطعام. وقد تحوى كواليس نفس الدور وجها آخر للمعاملة.

فقد كانت مشرفة أخرى تضرب بقسوة بعض البنات اللقيطات اللاتى شغلن قاع السلم الاجتماعى لهذه الدار لأنهن مجهولات النسب. لذا فقد كانت الأم البديلة تقسو بشدة على هؤلاء الأطفال لأن ــ على حد تعبيرها ــ «العرق دساس» وأن هذه الطفلة يجب أن تضرب حتى لا تنحرف مثل «من أنجبوها».

وقد تتحول الدور أحيانا أخرى إلى ثكنات عسكرية، كما يصف سالم ويروى هناك صراع قد يحدث أحيانا بين المشرفات فقد تحاول كل منهن أن تستقطب أكبر عدد من البنات كى تضرب زميلاتها بعدد أنصارها. ويستطرد: «شهدت الدور منذ أيام معركة بين الفريقين على صابونة خاصة بأحد العنابر وصلت إلى أن أنصار إحدى الأمهات البديلات قد منعن أنصار المشرفة الثانية من الدخول للعنبر. وكادت المعركة تتحول لتشابك بالأيدى لولا تدخلى الشخصى على الرغم من أن الموضوع أبسط من ذلك. فهؤلاء الأمهات البديلات فى خضم هذا الصراع قد ينسين الدور الأساسى المنوط بهن.

تشير أرقام وزارة التضامن الاجتماعى إلى أن عدد دور الإيواء فى مصر يقدر بـ316 مؤسسة إيوائية للأطفال من 6 إلى 18 سنة، فضلا عن 180 حضانة إيوائية للمرحلة السنية ما بين يوم وعامين. يبلغ متوسط عدد الأطفال فى هذه الدور قرابة 50 طفلا. ووفقا للمصدر نفسه هناك 7 آلاف أسرة بديلة، (تتولى رعاية هؤلاء الأطفال فى بيوتهم، وسط ذويهم تحت إشراف الوزارة وبدعم منها).

وتؤكد الدراسات الميدانية لجمعية وطنية لتنمية وتطوير المجتمع أن الأطفال اليتامى فى مصر مشكلة معقدة فى أسبابها ونتائجها وفى أسلوب التعامل معها، فالمجتمع أمام فئة لا تستطيع حماية نفسها أو المطالبة بحقوقها لأنها لا تملك زمام أمورها، عاجزة عن إشباع حاجتها الأساسية فقد فقدت الأمن والأمان بل وأعظم هبة فى الحياة وهى العيش فى كنف أسرة. لذا فتعد هذه الجمعية من الجمعيات التى تعمل على تنمية مهارات القائمين على هذه الدور.

تبدى عزة عبدالحميد، العضو المؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية وطنية لتطوير المجتمع قلقا أن يصبح هذا اليتيم، «المنتج النهائى» لدور الرعاية غير سوى على الرغم من اختلاف ظروفها الاقتصادية والاجتماعية مادام العنصر البشرى داخل هذه الدور غير مؤهل.

تشترك الدكتورة ـــــ هناء «م»، مديرة دور للإيواء أخرى فى هذا الرأى وترى أن السواد الأعظم من الأمهات البديلات، نازحات فى الواقع من المجتمعات الريفية شديدة الانغلاق وقد لا يتفهمن ظروف هؤلاء أحيانا. بل قد تعانى هذه الأم البديلة من تشوهات نفسية، فمن المحتمل أن تكون ضربت بقسوة فى طفولتها وبالتالى تعتقد أن العنف وسيلة تربوية سليمة.

منذ أيام قمت بمعاقبة إحدى الأمهات البديلات لأنها كانت فى منتهى القسوة مع الأطفال، لا تتورع أن تعض وتضرب ونظرا لصغر عمرها الذى لم يتعد 18 عاما كنت أستشعر نوعا من الغيرة تجاه الأطفال لأنهم يعيشون فى ظروف حياتية أفضل من تلك أتى نشأت فيها.

ومما يزيد الأمر سوءا أن القطاع الأكبر من اللاتى يعملن فى هذا المجال يرتضين به كعمل مؤقت «ترانزيت» إلى أن تتزوج، وهو ما يكون له أثر سلبى على الأطفال لا سيما أن تلك الأخيرة تمثل جزءا مهما من العالم الضيق لهذا الطفل. فدائرة معارفه أضيق بكثير من نظيره فى الأسر العادية الذى يرى عما وخالا وجدا.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد. ففى إحدى ورش العمل التى أقامتها جمعية وطنية لتنمية وتطوير دور الأيتام، وجدت نتائج الورشة أن فئة كبيرة من هؤلاء الأمهات البديلات يبدون غير راضيات عن تلك الوظيفة سواء بسبب نظرة المجتمع الدونية التى تضعهن فى مصاف الخادمات أو بسبب ضعف الرواتب لا سيما فى بعض الدور الايوائية الفقيرة. «أنا مسئولة عن خمسة أطفال فى نفس الدور، على أن أذاكر لهم وأعد لهم الطعام وأشرف على نظافة ثيابهم مقابل مبلغ لا يتعدى أربعمائة جنيه فى الشهر. مبلغ قليل إذا ما قورن بأجندة يومية مشحونة، فأنا لا أكاد أتوقف عن العمل. هذه المهنة طاردة دون شك».

وهو ما دفع سهام، أم بديلة أخرى، للتخلى عن أخذ أجرها لأنها تستشعر أنها لا تقوم فى الواقع بعملها كما ينبغى. «أشعر أحيانا أننى غير مؤهلة وليس لدى العلم لمواجهة مشكلات هؤلاء الصبية. فأنا أحس أننى كالتائهة ولا أعرف كيف أجد طريقى. مشكلات هذه الفئة من الأطفال معقدة للغاية، فأنا بين طفل يتيم ولقيط وطفل طلاق وآخر قادم من الشارع.. لكل منه تجربة مختلفة وبالتالى معاملة مختلفة حتى ينمو بشكل سوى. قد أستطيع تلبية بعض الخدمات اليومية كإعداد الطعام والمساعدة فى استذكار الدروس، لكن التحديات الأخرى تفوق بكثير خبراتى الشخصية».