المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هموم أب



فوزيه الخليوى
13-Jun-2007, 04:44
:(


وحيدا تجلس في الظلام أنت .. لا يجد النوم منفذا إليك .. تعد أنفاس طفلك الرتيبة .. نائما يبتسم مطمئنا أنك أبدا إلى جواره .. تتوالى خواطرك متشابكة عاقلة و مجنونة .. مختلطة الألوان .. بمعني و دون معنى .. مصباح احمر يومض داخل عقلك المكدود .. يبدأ حين تبدأ ليلتك و ينطفىء عند الفجر.. كل مغرب شمس دونما توقف .. تنتظر عودة السرطان يرتع بجسد طفلك .. يقول الطبيب لا تجزع .. و كأنما يقول لا تسعل .. انهينا العلاج الآن .. و علينا أن ننتظر و نراقب .. تتنهد .. تمضى الليالي و الشهور.. تعيش خائفا أنت .. ترعبك السعلة و تهتاج إذا سكن طفلك .. تغير جلستك بحذر .. تسمع جارك يتسلل إلى تلفازه و قد دس النوم في شراب عائلته .. دائما بنفس التوقيت .. يتقلب طفلك .. تنظر إليه مغمض العينين .. تحلم أنت .. ماذا لو امتلكت عينين تخترقان جسده تكشفان عن السرطان إن اظهر رأسه .. ماذا لو أن لأصابعك قوى سحرية تسبر أغوار الأبدان لتعرف إن كان هناك سرطانا في مكان ما .. يتربص يتسلل يناور .. تغضب أنت .. أن تجلس بلا حراك تنتظر عدوك أن يضرب .. شامتا انك لا تراه .. لا تحسه .. لا تعرف مكمنه .. تتخيله فقط .. هل هو هناك .. لا تدري أنت .. يبتسم السرطان .. مقتبسا عبارة تسمعها في المسلسلات المملة .. يضحك كثيرا من يضحك أخيرا .. تهز قبضتك في الهواء .. حانقا .. أنا من يضحك أخيرا لا أنت .. يتسرب إليك نقيق جارك عبر جدران الشقة و أصابعه تتقافز بين الفضائيات .. يلعن ساخطا .. تتساءل .. من الذي اخترع لفظ الشقة .. و مم اشتقه .. هل من شقوق الجدران .. أم من الشقاق .. أم من داء الشقيقة .. ترتسم بسمة طفل معلقة في منتصف الغرفة .. تحاول جاهدا أن تتذكر من هو .. تعرف انه طفل مات بالسرطان .. كنت تلاعبه .. و لكنك نسيته .. و قد دفنت مع كل طفل مات جزءا منك .. مخلفا جرحا في قلبك المتعب عبر سنين عمرك الطويلة .. تتلوى إلى جانبك الآخر .. كي تتلاشى الذكرى .. و تلك تقنية تتعلمها في دروس الإسترخاء الإيجابي .. من أطباء مترعون بالسذاجة .. تخيل انك تغير وضعك الجسدي دون أن تتحرك فتتغير خواطرك .. نعم .. نعم .. تخيل انك تجلس على موقد كهربي فتشعر بالدفء .. تتقلب مرة أخرى قبل أن تتشكل صورة الأطباء التي رسمتها عبر السنين .. و لكنها تأبي إلا تتجسد في الفراغ أمامك .. تنفذ إليك نشرة الأخبار عبر الجدران .. مذيعة فرحة بصوت يقطر نعومة .. و فحيح أنوثة متفجرة يخبرك عن وفيات اليوم في انفجارات الغد .. يتأفف جارك .. ينقر إلى فضائية أخرى .. ليتحسس جلدك صوت مذيع رائق جدا .. يتلو برجولة واثقة .. ثلاث ساحرات .. ثلاث أخوات .. يحاربن قوى الشر .. و تنتظر أن تسمعهن يقلن بصوت واحد .. واو .. اغسلوا أدمغتكم بالهراء .. و تنشقوا سعوطا مخدرة قبل النوم .. تنتهي صورة الأطباء في تجسدها .. كهنة يرتدون سرابيل طويلة و برانس لا لون لها .. كهنة العصر الحديث .. مثل أسلافهم بالعصر القديم .. و سحرة قبائل أفريقيا .. بمراتبهم الهرمية و الحدود الشائكة المرسومة بينهم .. جونيور و سينيور .. و مهما كانت مرتبتك العلمية .. كن ما شئت .. في جيبك وسام نوبل أو كنت الشعراوي نفسه .. فنحن الكهنة أفضل البشر .. نحن نمتلك المعرفة بخبايا أجسادكم .. نحن من نعالجكم كائنا ما كنتم .. تستسلمون لنا سيان شئتم أم أبيتم .. و لا حق لكم في مناقشة وصايانا .. و لا التعقيب على قولنا النافذ الذي لا رجعة عنه .. و ماذا تعرفون أنتم؟ هه .. و ليحذر أحدكم أن يدعونا بإسمنا المجرد .. و أي وجوه عابسة سترون منا إن أظهرتم أنكم اكتشفتم أخطاءنا .. تضجر أنت .. أي فخ نصبته المجتمعات للأطباء .. تسمع وجيب إمراتك مقتربة من الباب.. تقفز منطرحا لتبدو نائما.. مذعورا من وابل الأسئلة اللانهائية .. تتعجب كيف أن الدنيا تبدو مختلفة حقا و أنت منطرح أرضا .. تتذكر سؤال البشرية المنهكة منذ الأزل .. كيف يمكن للمرء أن يموت بهدوء دون الم .. دون خوف .. دون أي شيء .. تماما بسهولة النوم الهانيء .. النوم الهانيء ؟ .. هذه مزحة .. يزعق جارك منتهرا إمرأته .. دعيني .. لا أريد النوم و سأضع سماعة الأذن .. نامي أنت .. علىّ اللعنة يوم تغفلت و تزوجت .. و قد نصحني أبي أن أعيش دون عريف فوق رأسي .. تضحك أنت .. تشرق بضحكتك .. تخفيها لاهثا .. حذرا أن توقظ طفلك .. تتحسس صدره .. تشعر برغبة جامحة أن تشعل سيجارتك .. تتسلل إلى الشباك .. الشباك ؟ .. لم يعد لديك شبابيك .. تبيعها خشبا لتشترى أدوية طفلك .. تزيح قطعة الكرتون قليلا .. تنفث دخانك .. تنظر إلى اللهب بيدك .. تذكر نفسك .. لن أتوقف عن التدخين .. لأنني لا أريد أن أعيش .. تسمع أزيز لاقط جارك .. في بحثه المحموم عن الفضائيات .. تتساءل .. لماذا لا يصنعون لواقط و صحون .. تلقطنا و تقذفنا إلى الجانب الآخر من العالم .. لنهرب من أوطاننا .. لا يهم إلى أين .. و لا أن يلتقطنا أحد .. تنهر نفسك.. تنظر إلى الضوء الأحمر يومض بقاعدة دماغك.. أما آن لك أن تنطفيء .. يجيبك بلفحة باردة .. ماذا ستفعل إذا عاد السرطان لطفلك .. ترتعد كطفل عار فوق جبل في يوم عاصف .. تفر إلى الأماني البعيدة .. تحلم أن الحكومة ستدفع ثمن علاج طفلك .. و كأنما الحكومة خُلقت لتخدم أمثالك .. يقول كبير الكهان .. سنضع اسمك برأس القائمة .. القائمة التي مات نصف أطفالها .. و النصف الآخر لن يعيش .. و الحبل على الجرار .. و لن تعالج الحكومة أحدا .. يصفعك صوت مطرب ملسوع من شقة جارك .. تغسل وجهك بلعنات متناثرة .. تهرع لترى طفلك النائم بهدوء .. تصرخ متوسلا بصمت .. سامحني يا بني .. سامحني على كل لحظة نهرتك فيها و أنا عائد للبيت .. و أنت تهلل لرؤيتي .. على كل مرة منعتك عن اللعب .. أو أمرتك أن تنام باكرا .. أو ضربتك لدرجاتك المتدنية .. سامحني .. على صراخي عليك أن تسكت و أنا منهمك في التحديق بفيلم سينمائي تافه .. و أنت تحضنني بيديك و تملأ حياتي بضحكتك.. سامحني .. على كل المال الذي بذرته طوال حياتي .. على متعي .. و سجائري .. و لست ادري أين .. و لم أذخره لك .. لإنقاذك من يوم السرطان .. تتنهد متوسلا أن تنطفيء كل المصابيح المضاءة براسك .. لا مجال .. تقرأ كل أورادك .. تعيدها .. و تعيدها للمرة العاشرة .. لا مجال .. تتوسل لمؤذن الفجر أن يؤذن قبل الأوان .. للشمس أن تشرق في منتصف الليل .. للظلام أن لا يأتي عند الغروب .. لا مجال .. للباعة بأسواق الأرق أن يبيعوك نوما بنصف عمرك .. لا مجيب .. تحضن طفلك بعينيك .. تملأ منه قلبك .. و أنت تعلم في قرارة نفسك .. أنه سيموت .. تقبض بقوة على أمل صغير .. أنه قد ينجو .. يبتسم السرطان هازئا .. لن ينجو مني مهما طال الزمن .. تصرخ .. هراء .. سيعيش رغما عنك .. تبكي أنت .. تتمنى لو أن أمك لم تلدك .. تسمع بين دموعك جارك يلعن .. و هو ينصت إلى ( أوبرا ) تحكى مأساة محظية أمريكية .. تقصفت أظفارها ففقدت وزنها .. بسبب المانكيير المغشوش .. و يبكي جمهورها على الأم التي رفض عشيقها الغادر أن يتزوجها بعد حملها الخامس .. و يرتفع نحيب المحظيات عاليا .. على الجندي الطيب الذي مات ظلما في العراق .. و هو يؤدي واجبه الإنساني في تخليص البشرية من العراقيين البرابرة .. و تخليص النفط من أيديهم المتوحشة .. و تتساءل أوبرا بدموع مفجوعة .. هل تصدقون أن العراقيات يموتون و أظافرهن مطلية بمانكيير فاخر .. ألا يمكنهن الموت بهدوء دون أن نبذر الأموال في قتلهن .. و نحن أحوج لهذه الأموال لتقاعد محظياتنا الأمريكيات ؟ .. صخب هادر ينبعث من جوف الأرض السحيق.. تنصت أنت .. لأرواح ملايين الموتى منذ الآف السنين .. تدمدم ساخطة من قبورها .. و دماؤها تغلي في عروقها الهلامية.. و لكنك أبدا لا تسمع سوى كلمة واحدة .. أتفوووو .. يطلقها جميعهم لاعنين البشرية الراتعة في الحياة .. و يهتف الملعونون منذ أبد الدهر .. إننا نستحي أن نعيش بينكم .. يحتج السرطان حانقا .. هيه .. أنظر إلي .. أنا مشكلتك .. أنا همك .. أنا عدوك .. و ينهر جارك أن يغير الفضائية .. فجأة و من سقف الغرفة تبرز لك الممرضة الحسناء الساحرة .. التي تقيس الحرارة بمجرد النظر .. تعيد قولها متبلا ببحة هامسة .. حرارتك أنت مرتفعة.. لماذا تقلق هكذا و إن مات طفلك فلديك أطفال غيره .. يتكوم لهب بحلقك .. قبل أن تركض صارخا .. أغيثوني بشربة ماء .. قد إنفجر صدري .. تلتفت لطفل ضاحك يسابقك .. انظر عمو .. بتروا ذراعي و تخلصت من الصدأ بيدي .. و أنا أسرع منك .. الحقني إن استطعت .. تضمه لصدرك أنت .. تشم أنفاسه الضاحكة .. يهمس لك .. دعك منهم .. نحن ما يهم .. نحن السعادة .. و تركضان معا .. يضرب جارك الجدار بينكم صائحا.. ما هذا الضجيج عندكم .. هل أنت صاح يا جار .. هل لديك سجائر .. و ما يلبث أن تعتقله مذيعة صاخبة .. تتلو مآثر خارقة غنائية .. و تدعو الملايين الجائعة في بطونها .. لأن تشترك في مسابقات الطرب .. و انتخاب ملكة جمال الأجساد القشدية .. و أفضل راقص شرق أوسطي .. الذي يفتت الأرقام القياسية .. تلتفت مجفلا أنت .. تجيب امرأتك و قد اكتشفت أنك أبدا لا تنام الليل .. هل أتى الفجر .. تقف أمام المرآة الكاذبة .. تحتال على لياليك .. سأرتدي ملابسي كاملة في الليلة القادمة كي أهرول مباشرة إلى المسجد متوسلا أن يتركوني حتى طلوع الشمس .. متجاوزا الطقوس الصباحية و ثرثرة الزوجة اللوامة .. و تصر أن تتجاهل المصباح الأحمر .. القابع برأسك .. و الذي أبدا يومض ما أن تبدأ ليلتك و لا ينطفيء حتى الفجر.. يجلدك بلا توقف .. ماذا ستفعل إذا عاد السرطان لطفلك .. و تجيب أنت .. ليتني أموت قبل أن يعود .. و أموت مرتين .. و لا أعيش الجحيم ثانية .. و الألم الذي لا ينتهي .. و انفطار القلب اليومي .. و رحلات التيه و البحث الملهوف عن الدواء المفقود .. و ذل الإستدانة المرير .. و الوقوف أمام المساجد سائلا القوم المذعورة أن يتبرعوا بالدم .. و سماع المقترحات المرعبة .. و وصفات الأعشاب الخرافية.. و لحوم الأفاعي الشافية .. و نواح الأمهات الثكلى .. و الآباء المفجوعون .. و الأطباء المقهورون .. تصرخ أنت .. ليتني أموت مرارا و لا أتجرع عذاب رؤية ابني يموت بالسرطان .. كما رأيت العشرات من فلذات الأكباد بشق الأنفس يموتون .. و سمعت أمهاتهم يتمنون موتهم بسلام .. بسرعة و هدوء .. و قد فقدوا القدرة على الحياة .. و السرطان يصول ويجول.. تنظر أنت هائما.. إلى قلبك ينحني .. تحت مطارق من حديد .. و روحك تذوي أمام محنة دهماء.. تجعل الحليم حيران .. و الأرض ضيقة و السماء .. و الشجاعة جبنا و قوتك هباء .. تتساءل .. إن كان هذا عذاب بالدنيا .. فكيف هو جحيم دار البقاء .. و تلعن البشرية الحمقاء .. التي تبذر الأموال .. بأرقام فلكية .. في ابتداع أسلحة الموت .. و في الهراء .. و تبقى عاجزة أمام السرطان و قد مضى القرن العشرين .. دون ترياق أو حتى دواء..
منقول " من موقع جمعية آدم للسرطان

ســـعــود الــظــفــيــرى
13-Jun-2007, 04:21
نقل رائع وموفق

دمتى بخير