المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لكي لا يبني المجتمع قلاع عزلته / الإنتماء الى مجتمع التعاون



بن نزار
08-Dec-2006, 04:49
لكي لا يبني المجتمع قلاع عزلته

الإنتماء الى مجتمع التعاون


فؤاد ابراهيم

مدخل:

تتولد مشاعر انتماء الانسان للاشياء من حوله مع لحظة ميلاده، كما تنمو ـ هذه المشاعر ـ وتتعزز وتتسع بنمو مدارك هذا الانسان، ولذا كان الانتماء للاجتماع أو للجماعة ـ كمثال واضح ـ راسخاً في التكوين الانساني، إذ لا يمكن تصوّر انسان بدون جماعة ينضوي تحتها يتبادل معها المنافع، ويشاركها في المصالح العمومية، ويلتزم بقيمها، وهذا لا يتحقق دونما اتصال مباشر بين افراد هذه الجماعة، لاقامة الروابط الضرورية بين أفرادها، وللتفاهم حول المنافع العمومية وبلورة القيم الجماعية والتعاون فيما فيه تحقيق الاهداف المشتركة.

وقد كانت الروابط الانسانية تعتمد حتى وقت قريب على الاتصال المباشر بين الانسان ونظيره الانسان، تلبية لغريزة الانتماء والنزعة الاجتماعية المتأصلة فيه، حتى قيل بأن الانسان حيوان اجتماعي، وليس تبادل المنافع، وتقاسم العمل مع الآخرين، والاشتراك في المصالح والعيش المشترك على أرض واحدة، وفي ظل قوانين متحدة.. سوى تعبيرات دامغة عن ذلك الطبع الانساني المتأصل في بني البشر.

وعلى امتداد التاريخ، شهد الاتصال المباشر بين البشر تطوراً ملحوظاً كما تنوعت وسائله فبعد أن كان الانسان في قديم الزمان يبحث عن الكلأ بجهد فردي، أصبح يشترك مع مجموعة من نظائره في تقاسم العيش في اطار تعاونيات تقسم فيها الادوار والمهمات، وتعضيداً لهذه الروابط الانسية اصبح الزواج اضافة الى كونه يلبي حاجة طبيعة لدى الانسان، فإنه ساهم في تمتين الصلات بين الناس، وتنامت عملية الاتصال لتتحول الى مناشط تجارية وادبية واجتماعية مشتركة واسعة النطاق، خصوصاً حين كان العيش والسلم الاجتماعي يعتمد على ما يحققه افراد المجتمع ذاته من روابط ومنافع عمومية، أي في وقت كان المجتمع يدير نفسه بنفسه، فيما كان شأن السلطة محصوراً في تنظيم تلك العملية الادارية، دون تدخل فيما تسالم المجتمع على الامتثال اليه تحقيقاً لفائدة مشتركة.

كل ذلك كان في وقت، يتحكم المجتمع فيه بعملية الاتصال دون تدخل من قوى أو وسائل اتصال خارجية، تفرض طريقة محددة من التواصل، أو توجه العملية التواصلية باتجاه يتعارض مع ارادة المجتمع، التي كانت تحتفظ بكامل طاقتها وقادرة على ترجمة مواقفها بالطريقة التي تراها مناسبة.

ولكن في هذا العصر الذي تنوعت فيه وسائل الاتصال الجماهيري، أصبحت ثمة متواليات وبدائل اتصالية ساهمت ـ وتساهم الآن بدرجة فعالة ـ في تخفيض مستوى الاتصال المباشر بين البشر، حيث لعبت وسائل الاتصال الجماهيري عن بعد بدءا بالبريد والتلفون، مروراً بالراديو والتلفزيون وانتهاءا بالكمبيوتر والانترنت والشبكات الفضائية، لعبت دوراً خطيراً في اضعاف الاتصال المباشر بين افراد المجتمع، وتسعى للحلول كبديل نشط مكان الاتصال المباشر، وصولاً الى نموذج "مجتمع متشظي داخل قرية كونية"، فالعصر الالكتروني يتيح للمجتمعات البشرية الاتصال ببعضها ولكن عبر وسائل اتصال غير مباشرة.

فقد لاحظ خبراء الاتصال منذ مطلع السبعينيات "أن الجانب المشاع بين الناس من الاتصالات أي المرتبطة بمنظمة أو بنظام اجتماعي مهما يكن شكله والخارج تبعاً لذلك عن علاقة الفرد بالفرد واتصاله به اتصالاً مباشراً قد انحسر فاقتصر على الاتصال الجماهيري (أي وسائل الاتصال الجماهيرية)"1.

ولعل من المفارقات المثيرة للجدل بين طائفة كبيرة من الباحثين والخبراء، الميل الانعزالي لدى كثير من المجتمعات في عصر الاندماج الجلوبالي أو عصر القرية العالمية، فقد اختزلت وسائل الاتصال الجماهيري وخصوصاً التلفزيون الفضائي المسافات والحدود الفاصلة بين الدول والمجتمعات حتى بات الانسان في الشرق يتصل عبر التلفزيون أو الكمبيوتر بنظيره في الغرب، ولكن هذه الثورة الاتصالية أو الثراء التواصلي ساهمت ـ باضافة عوامل اخرى ـ وعلى المستويات المحلية لكل دولة في اضعاف نزعة الانتماء للمجتمع بانحلال تلك الروابط والاتصالات المباشرة والذي انعكس على الانشطة الاجتماعية المشتركة، والذي مهد الطريق للانغماس في "المجتمع العالمي" المؤسس في تكوينه على خصوصيات النموذج المجتمعي الغربي، وهذه العولمة تمثل خيار المجتمعات المصابة بالشلل والعاجزة عن التطور والحركة باتجاه تغيير اوضاعها في المرحلة التاريخية التي تحيا فيها.

على أن ازمة التواصل المباشر داخل المجتمعات ومن ثم غياب الانشطة المشتركة بين فئات هذه المجتمعات، ليست مقتصرة على مكان دون غيره، فهي أزمة عالمية تتفاوت درجة خطورتها من منطقة لأخرى، فقد لاحظ الباحث الاميركي روبرت بوتنام استاذ جامعة هارفرد ومن زواية نظر مختلفة :"ان الحضارة الاميركية تعيش ازمة، فالاميركي يرفض الفريق والجماعة".

وتحدث بوتنام عن انهيار عقلية "الفريق" في امريكا، وعن ضمور العلاقات الاجتماعية والانسانية واندثار الكثير من الجمعيات والاتحادات والنوادي، وانتهى الى توصية جاء فيها :"ما يجب أن يحتل الاولوية في "الاجندة" الاميركية هو السؤال عن كيف يمكن أن نتخلص من ظاهرة "اللاعلاقة" في مجتمعنا، وكيف يمكن لهذا المجتمع أن يستعيد الشعور بالمشاركة المدنية والثقة بهذه المشاركة".

ولا ريب، أن الانفصال عن الجماعة واللجوء الى الوحدة والاعتزال يستبطن احتجاجاً على النظام الاجتماعي، ونظام القيم، والالتزامات الاجتماعية، كما يعكس ضعف مشاعر انتماء الافراد للجماعة.

ولعل من اخطر الظواهر الجديدة التي قد نلحظ ارهاصاتها، في مواجهة الواقع الجديد المملوء بالاحباط والجريمة والسرقة والمخدرات، أن تختفي العلاقات الانسانية والاجتماعية وتتحول المنازل الى قلاع محكمة الابواب، وفي غياب هذه العلاقات تنشط شبكات الاتصال الفضائية (التلفزيون، الانترنت) في اشباع غريزة الانتماء الاجتماعي بصورة مشوّهة، حيث يتمكن الانسان عبر هذه الشبكات من التواصل مع انحاء العالم دون أن يغادر قلعته، أو أن يضطر للخروج كي يتواصل مع الآخرين.

ولكن قبل أن نقرأ التاريخ من نهايته نود الوقوف على حركة التحول الداخلي بما انشقت عن مشاعر ومصالح وتيارات جديدة، قبل تلمس الطريق نحو اعادة تأهيل المجتمع وارجاعه الى قواعده وجذوره.

دور التحولات الاقتصادية والاجتماعية:


منذ بدأ تدفق الثروة بعد عام 1973م شهدت مجتمعاتنا طفرة اقتصادية بدّلت كل البنى الاقتصادية والاجتماعية القديمة، التي كانت تقوم على شراكة افراد المجتمع دونما دخالة مباشرة من الدولة في العمل وتقاسم الادوار تحقيقاً للمنافع العمومية، كما كان في الغوص على اللؤلؤ وصيد الاسماك والزراعة وتربية الماشية وبعض الحرف اليدوية التقليدية.

ومع دخول بلادنا عصر البترول متوّجاً بالارتفاع الكبير في اسعار النفط عام 1973م ولجت بلادنا العصر الصناعي، وتحولت الى الاقتصاد الحديث الذي يعتمد على المكننة والتكنولوجيا المتطورة، فيما اندثرت تلك المناشط الاقتصادية التي تتطلب جهداً عضلياً واشتراك اعداد كبيرة من الايدي العاملة. وكان من الطبيعي انخفاض معدل تبادل المنافع بين افراد المجتمع وتالياً انخفاض مستوى التواصل بين افراده، إذ اصبحت الدولة ومن خلال الفوائض المالية الكبيرة والمناشط الاقتصادية الحديثة الموظِّف الأكبر للناس، والذي عبره يضمن الافراد حياة أفضل ودخل أحسن.

وبالتأكيد، فإن هذا الانتقال لم يكن يمضي دون إحداث هزات بنيوية عميقة، وخلخلات اجتماعية، سواء على مستوى القيم أو النظام الاجتماعي الهرمي القائم على أساس الاغنياء والفقراء، حيث كان تبادل المنافع يرتكز في جزء منه على مقدار ما يؤدي الفقراء من خدمات للاغنياء كما في غوص اللؤلؤ والزراعة، كما لعب التوسع العمراني ونشوء المدن الحديثة بما استوعبت من فئات اجتماعية حديثة، في اضعاف مشاعر الانتماء والتواصل.

بيد أن الاخطر في تلك الخلخلات أن الانتماء للجماعة وإن لم يؤسس دائماً على تبادل المصالح المادية، الا أن دخول عوامل أخرى ساهمت في اضعاف تلك الروابط، فانخراط مجموعات كبيرة من الناس في الشركات الحديثة وزيادة مداخيلها، أدى الى تغّيرات جوهرية في منظومة القيم الاجتماعية زائداً التبدلات الكبيرة في المفاهيم والنظرات والتي بالتأكيد ساهمت بدرجة فعّالة في صياغة مواقف جديدة ازاء كل الاشياء بما في ذلك علاقة الفرد بالجماعة.

وما جرى على افراد المجتمع عموماً سرى على القوى الاجتماعية السياسية المؤدلجة، التي ظهرت إبان تصاعد المد القومي الناصري في عقدي الخمسينيات والستينيات، حيث سرعان ما تحطمت بعد أن اجتذبها التحول الاقتصادي بعد 1973.

ويمكن القول مما سبق أن الاحداث الاقتصادية وما أعقبها من تبدّلات في طرق المعيشة وانهيار النظام المراتبي واضمحلال القيم القديمة، ساهمت في ابراز ملامح عامة للنظام الاجتماعي منها:

1 ـ اختفاء القوى الاقتصادية التقليدية لحساب قوة جديدة (=الدولة) وتعززت من خلال برامج التحديث بفعل الزيادة في مداخيلها وتأثيرها في المسرح الاجتماعي.

2 ـ استتار القوى الاجتماعية والسياسية المؤدلجة وبلوغ المواجهة بين الايديولوجيا والمصلحة، والملكية الخاصة والملكية العامة ، والشأن الفردي والشأن العام.

3 ـ تنامي الاتجاه الانعزالي الذي أخلى الساحة الاجتماعية مستجيباً لرغبات شخصية، تأسيساً على أن الشأن العام مليء بالمتاعب، والنزوع المادي الضاغط.

4 ـ الانشداد للخارج من ذات مغلقة على الداخل، عبر الاتصال بالعالم الخارجي من خلال السفر أو القراءة لنتاجات الخارج واخيراً جاء مارد الصحون الفضائية لتكمل دائرة الانغلاق، وتكمل آخر مرحلة في القلاع الجديدة.

خطر العزلة الجديدة:


نحاول ونحن نعالج خطورة العزلة في مجتمعنا، استحضار المثل الاميركي القائل :"أن السياج الجيد يصنع جاراً جيداً" وهو مثل يعكس الى حد كبير انعدام الثقة والتوتر في شبكة العلاقات الاجتماعية، وانهيار عقلية الجماعة، وهو الآن يمثل فارقاً خطيراً في واقع المجتمع الاميركي يهدده بالتفكك.

فليس مجرد الوجود في محيط اجتماعي وحده الكفيل بتحقق الانتماء للجماعة، ما لم تترجم في اعمال تعاونية وانشطة جماعية، إذ يكون تحفيز مشاعر الانتماء للجماعة عبر وعي الانتماء نفسه. ولذلك يمكن القول بصورة جازمة بأن درجة فعالية الافراد داخل الجماعة تعكس بصورة دقيقة درجة انتماء هؤلاء الافراد للجماعة التي يعيشون فيها، ولذلك ايضاً احتسبت مجموعة الانشطة المشتركة في أي مجتمع مقياساً دقيقاً على مستوى انتماء افراده اليه والعكس صحيح ايضاً.

ومن هنا لم يعد مقبولاً تعريف المجتمع على أنه مجرد افراد ذوي عادات متحدة ويعيشون في ظل قوانين واحدة ولهم فيما بينهم مصالح مشتركة2.

فهذا التعريف ليس كافياً الآن، فضلا عن كونه لا يصدق على مجتمعاتنا فلكل عائلة أصبح لها عادات تختلف عن عادات غيرها وأن منظومة العادات أصبحت عرضة لتبدلات سريعة بفعل الاوضاع الاقتصادية والانفتاح الاعلامي والثقافي على الخارج، كما أن القوانين التي يعيشون فيها هي الاخرى تتعرض للتبدل حسب كل عائلة وكل تجمع أما المصالح المشتركة فباتت هي الاخرى ضعيفة بعد الانتقال الى الاقتصاد الحديث، والتي ساهمت في تأكيد المصلحة الفردية.

فـ "غريزة الجماعة"، التي تحدث عنها مالك بن نبي، أي الانتماء الى اطار اجتماعي معين، تكاد تضمر خصوصاً إذا سلمنا بأن هذه الغريزة وسيلة لانشاء المجتمع وليست سبباً في انشائه3، فنحن اليوم نواجه غزواً اعلامياً وفكرياً خارجياً يترجم نفسه اجتماعياً يفضي الى استلابنا ومسخ هويتنا عبر استجلاب نموذج الحياة الاوروبية أو الاميركية وتمثل القيم المبثوثة عبر الاعلام الغربي والفضائي بوجه خاص.

فالظرف التاريخي الذي تعيشه مجتمعاتنا يحمل تحدياً حضارياً يستهدف محو شخصية مجتمعنا واخراجنا من التاريخ. واذا فقدت العوامل الطبيعية تأثيرها المباشر ودورها المركزي في المجتمعات وخصوصاً بعد استقرار الخارطة الديمغرافية العالمية، فنحن اليوم نعيش ضمن اطار دولي شبه محكم وخارطة سياسية شبه مستقرة لم يعد فيه للعوامل الطبيعية التأثير الرئيسي والمباشر في تغيير حركة التاريخ وإن كان لها وما يزال دور فاعل في اسناد العوامل الاخرى التي تساهم حالياً في تغيير وجه العالم وحركة التاريخ، بما تقوم به من عملية الحاق ومحو لشخصية مجتمعات ما ومن هذه العوامل: وسائل الاتصال الفضائية، والتحالفات السياسية، وثقافة السوق.

وهذا ينبهنا الى حقيقة، أن المجتمعات اما أن تمارس عملية التغيير الذاتي أو تخضع لعمليات التغيير الخارجية، التي تؤول الى محو شامل لشخصية المجتمع، واستنساخ نماذج مماثلة لشخصية الغازي، دون حاجة لدخول الطبيعة في عملية التغيير. ولذلك قد يحدث أن يحافظ المجتمع على عدد افراده، بل ويحتفظ كل فرد بغريزة العيش في جماعة، وهي الغريزة التي تحدد معالم الانسان ككائن اجتماعي، ولكن يصبح الافراد مجرد انقاض لمجتمع بائد، انقاض مهيأة لأن تدخل في بناء جسد اجتماعي جديد4

الانانية: معوّق الانتماء والنشاط التعاوني


منذ انخراط الافراد في الحياة المهنية اليومية، وضمن مناشط الاقتصاد الحديث وما يوفّره من دخل عال وضمانات صحية واجتماعية ممتازة، كان يعني تنمية الروح الفردية في داخل كل فرد، اذ تغدو الحياة في وعي كل هؤلاء المهنيين هي تماماً ما يتحقق من مصالح منظورة ومباشرة وشخصية. وقد اشبعت الحياة المهنية على فترة طويلة من التربية الهادئة والباطنية بتلك الآمال والتطلعات داخل الافراد، حتى اقامت تلك الحياة وبطريقة مقنعة دليلاً ومبرراً على الاشتغال ببناء مملكة الذات بما يتطلب الانقطاع عن الجماعة التي لا يكاد يشاطرها سوى في المكان، ولعلنا ندرك أن تورّم الذات داخل الافراد يفضي الى تمزيق المجتمع والتضحية بكل انجازاته وتفريغ حماسة افراده، ومصادرة همم رجاله، وحينئذ بدلاً من أن يشتغل المجتمع بايجاد الحلول يفتش عن المبررات لمشكلاته وحسب مالك بن نبي "فالعلاقات الاجتماعية تكون فاسدة عندما تصاب الذوات بالتضخم فيصبح العمل الجماعي المشترك صعباً أو مستحيلاً، إذ يدور النقاش حينئذ لا لايجاد حلول للمشكلات بل للعثور على ادلة وبراهين"5.

وفي الواقع هناك اجواء ومصالح تشجّع الميول الفردية، بدءا من شعور الافراد بعدم الحاجة المباشرة للاشتراك في نشاط اجتماعي، فهو من الناحية المادية مكفول من قبل شركته، وبماله يستطيع تأمين حاجياته الضرورية، وثانياً ليس في الانشطة المشتركة مغريات فهي كما يقال: تكليف وليس تشريفا، وثالثاً: افتقار المجتمع الى آليات يمكن عبرها تنظيم وايجاد الانشطة الاجتماعية المشتركة، ورابعاً يجد في عزلته وفردانيته كامل لذته، مادياً ومعنوياً، فهناك بدائل جديدة عن الانخراط في الشأن العام المحلي، فبالمال قد حقق استقراره النفسي والشخصي، وبالمال يسافر للخارج ويبني قلعته المهيئة لاستيعاب كل المنتجات الخارجية بما في ذلك استيعاب العالم عبر الشاشة الصغيرة على مدار اربع وعشرين ساعة.

ولذلك تتطلب تسوية معضلة الانانية في أي مجتمع، الأخذ بعين الاعتبار حاجتين أساسيتين: احداهما حاجة الانسان الى تأكيد ذاته وثانيهما: حاجته في نفس الوقت للانتماء الى جماعة..فتعنى خدمة الجماعة بتحقيق التوازن الحساس بين الفردية والانتمائية أي بين حاجة الفرد لأن يكون هو ذاته وبين حاجته لأن يكون عضواً في جماعة أو بين الدوافع الفردية وبين النزعات الاجتماعية6.

العمل التطوعي:


أهميته

ابتداء نقول: أن افتقار المجتمع الى "النشاط المشترك"، يعني خروجه عن الحركة التاريخية ومن الحضارة. والنشاط المشترك يعبر عنه في نوعين: معنوي ومادي. فهناك نشاطات أهلية ليست ذات طابع مصلحي مادي مثل (السوق والمصنع) ولكن ذات قيمة ثقافية ورمزية مثل (المسجد، الجمعية الخيرية، الانشطة الاجتماعية مثل كفالة اليتيم وتزويج العزاب، والارشاد الاجتماعي، ومساعدة الفقراء..) وغيرها من النشاطات المشتركة العفوية التي تتحقق فيها الارادة الحرة للافراد دونما مردود مادي.

وكلامنا ليس عن تلك المناشط التي يحقق عبرها الافراد مصالح مادية فهم مجبولون على ادائها دونما حاجة الى محفزات وتوصيات، ولكن الكلام عن الانشطة المشتركة التي يندفع اليها الافراد مع علم مسبق بأن هذه الانشطة ليست ذات مردود مادي، وإنما امتثالاً لمقتضي الانتماء لجماعة، وتعبيراً عن الالتزام الادبي تجاه من يعيش وسطهم، وخدمة لبني قومه، ورغبة في ثواب الله سبحانه وتعالى، الذي يجب أن يسبق ويصبغ كل الاعمال التعاونية.

مقترحات في العمل التطوعي

* للفكاك من العزلة والتمرد السلمي على النظام الاجتماعي وتفعيل غريزة انتماء الفرد للجماعة، لابد من تأسيس فكري لمبدأ الانتماء، إذ يجهل كثير من الناس ماذا يعني كونه منتمياً لجماعة ما، وخصوصاً في مجتمعاتنا التي تضعف فيها تأثير العوامل الطبيعية والتاريخية في اذكاء غريزة الانتماء كما هو الحال في مصر وسوريا والعراق وغيرها، أي تلك الدول والمجتمعات التاريخية التي استقرت في اقليم موحد الى حد كبير ومارست عليه انشطة مشتركة ولم تشهد تبدلات بنيوية جوهرية، بالقياس الى مجتمعاتنا حديثة العهد، والتي كانت عرضة لتبدلات كبيرة، ما جعل الانتماء فيها ضعيفاً، وما فرض حاجة ماسة للقيام بعملية تعريف بمبدأ الانتماء أولاً.

* اذكاء الوعي الاجتماعي والرغبة في العمل المشترك لدى المواطنين7. إذ ليس الانتماء للجماعة سوى الخطوة الاولى فيما التعبير عنه يتحقق بالتلبس بالانشطة الجماعية، ولا شك أن وعي المجتمع بضرورة النشاط المشترك مدخل ضروري لعملية اذابة الحواجز بين افراده، وتنمية مشاعر الانتماء فيما بينهم.

* تنمية روح المبادرة الفردية داخل الجماعة، عبر تقوية الدوافع لدى الفرد للمساهمة في تقدم المجتمع الذي ينتمي اليه، ومساعدته في نفس الوقت على تفهم حقوقه والتزاماته وتقبله لحقوق الآخرين8، ونحن كمسلمين يشكل الدافع الديني أحد أهم المحفزات الرئيسية للعمل والمبادرة نحو الخير، فهناك آيات قرآنية كثيرة تحث على اعمال البر والخير والتعاون، "وتعاونوا على البر والتقوى" و"من يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له" و" أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون" و"والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم الى ربهم راجعون. أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون" ونصوص أخرى مستفيضة في الكتاب والسنة تحث على الانشطة الخيرية ذات الطابع التعاوني الجمعي، وترفع من شأنها، ولذلك تنبّه الباحثون الاجتماعيون الى أن الاعمال والانشطة الاجتماعية التي تتأكد فيها العلاقة بشكل رئيسي بين القيم والاهداف، أو بين معتقدات المجتمع وحاجاته تكتسب مبررات قوية للاستمرار والتقدم، تمثيل ذلك المسجد كإطار للعبادة.

وكمثال عملي على تلك العلاقة بين القيم والاهداف، فهناك قيمة طلب العلم التي أكد عليها الاسلام وقال "اطلبوا العلم من المهد الى اللحد" و"طلب العلم فريضة"، فالعلم إذن قيمة، وقد يكون المجتمع بحاجة الى المساهمة في بناء المدارس فلا بد من الدخول الى هذا الهدف من خلال تلك القيمة وهي طلب العلم.

ولكن ما يجب الفات الانتباه اليه، أن هناك قيماً اجتماعية ومعتقدات دينية لم ترسخ في وعي الجمهور بالقدر الذي تصبح حاضرة ومحفّزة لهمم الافراد، بل قد لا تندرج في سلم أولويات هذا الجمهور، فهناك ضرورة لانبثاثها وتعميمها وتربية الجمهور على اعتناقها.

وإن أخطر تحد يواجه المجتمعات ويهدد بزوالها، حين يتعرض نظام القيم الى صدمة أو عزل أو نبذ، أي بكلمات أخرى ، حين تفقد القيم فاعليتها في النظام الاجتماعي، بحيث تضمحل الروح المسؤولة، فلا قيم رادعة أو دافعة، ويصبح اختراق المقدس والمحترم عملاً عادياً ومألوفاً. وفي الواقع أن ما يصيب نظام القيم من ضعف أو اختراقات يعني فقدان المجتمع الى "دوافع" و"محفزات".

* تشجيع المؤسسات الاجتماعية واسنادها مادياً ومعنوياً. فالمؤسسات الاجتماعية هي قنوات الاتصال المنتظمة بين الافراد ووجودها يشير على ان الافراد باتوا على علم باحتياجات بعضهم وأن العمل المؤسسي يمكنهم من المساهمة بالافكار المطلوبة للتعاون9.

* تشجيع الاعمال التطوعية: فقد كان ـ ولا يزال ـ من اهم أهداف التطوع في المجتمع هو السعي "الى تخطي الحواجز السلبية والانعزالية في المجتمع..وتوثيق العلاقات الاساسية بين الافراد والجماعات لايجاد التفاعل الافضل في الحياة والسعادة الأبقى للانسان"10.

ويمكن الجزم، بأن النشاطات التعاونية المشتركة هي التعبير العلني عن غريزة الانتماء للجماعة، وعليه لا يمكن تنمية وإثارة هذه الغريزة الا بتكثيف المناشط التعاونية التي تجتذب الافراد وتزيد من ارتباطهم بالمجتمع وتالياً الانتماء اليه.

والمجتمعات الحية والفاعلة والقادرة على الاستمرار والبقاء هي التي تملك رصيداً كبيراً من النشاطات الاجتماعية، التي تعبّر عن درجة وعي وفعالية هذا المجتمع وتماسكه وارادته الحرة في البقاء والعيش والتقدم فـ "عندما تنمو حركة التطوع في العمل الاجتماعي حجماً وفاعلية فإنها تعبر عن أن المجتمع قد استطاع أن يجني طاقة ذاتية قادرة على النهوض والتقدم التلقائي..فالتطوع يعبر عن ارادة وطنية نابعة من تصميم المواطنين في المجتمع على النهوض والتقدم والأخذ بزمام المبادرة في مواجهة المشكلات الاجتماعية" ولذلك اعتبرت "عملية التطوع للعمل الاجتماعي ومدى فاعليتها واتساع نطاقها وتعدد صورها ومجالات نشاطها هي المقياس الاساسي لمدى ما يصل اليه المجتمع من نضج وحيوية"11

* اضطلاع وسائل الاعلام والمدارس والمؤسسات الحكومية ببث ثقافة تشجع على الاعمال التطوعية والقيام بحملات توعية بالعمل التطوعي. ونشير هنا الى ضرورة استغلال التلفزيون في تشجيع الانشطة المشتركة والاعمال التعاونية وذلك بتحسين المستوى التربوي والثقافي للجمهور.

* دعوة وتشجيع الاثرياء والوجهاء وذوي النفوذ الاجتماعي والاقتصادي على بناء مؤسسات خيرية ذات طابع جمعي ثقافية واجتماعية.

* عقد المجالس المفتوحة والندوات المنظمة لمعالجة قضية العمل الاجتماعي والغايات التربوية المراد تحقيقها من وراء الانشطة الاجتماعية.

* فتح مكاتب للعمل التطوعي في مجالات مختلفة، فهناك أوقات فراغ عند كثير من الناس يتمنى صرفها في اعمال تطوعية، وهناك كثير من الناس لديه أوقات فراغ كافية ولكن لا يدري أهمية الاعمال التطوعية، فإن مهمة هذه المكاتب بث الوعي بالعمل التطوعي كنشر الملصقات والكتيبات الخفيفة، اضافة الى توفير مجالات التطوع، وبث الوعي الثقافي والاجتماعي.


--------------------------------------------------------------------------------

الهوامش :


1 ـ ابراهام مولس ـ ميشال سوشون ـ التربية والاعلام، ترجمة د.عبد المجيد البدوي، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، تونس 1985 ص 5

2 ـ مالك بن نبي ـ ميلاد مجتمع، الجزء الاول، شبكة العلاقات الاجتماعية، دار الفكر بيروت ص 13

3 ـ المصدر السابق ص 11

4 ـ المصدر السابق ص 11

5 ـ المصدر السابق ص 40

6 ـ د. الفاروق زكي يونس ـ الخدمة الاجتماعية والتغير الاجتماعي، عالم الكتب ـ القاهرة 1978 ص 224 ـ 225

7 ـ د. عبد المنعم شوقي ـ تنمية المجتمع وتنظيمه، دار النهضة العربية، بيروت 1982 ص 184

8 ـ من تعريف الجمعية الوطنية للاخصائيين الاجتماعيين في الولايات المتحدة، أنظر: د. الفاروق زكي يونس ـ الخدمة الاجتماعية والتغير الاجتماعي، عالم الكتب ـ القاهرة 1978 ص 226

9 ـ أنظر: لي.ج.كاري ـ تنمية المجنتمع كعملية، ترجمة أ.د.خميس ميدتو للتنمية والرعاية الصحية، نيقوسيا ـ قبرص 1990

10 ـ راشد محمد الراشد ـ المشاركة بالعمل التطوعي في الامارات العربية المتحدة، الطبعة الاولى 1992 ص 44

11 ـ راشد محمد الراشد ـ المشاركة بالعمل التطوعي في الامارات العربية المتحدة، الطبعة الاولى 1992 ص 42

عاشق البحر
07-May-2007, 01:39
مشكور اخي بن نزار على ما قدمت