المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المسؤولية الإجتماعية حاجة للفرد وحاجة للمجتمع



احمد الشريف
16-Aug-2010, 08:44
المسؤولية الإجتماعية حاجة للفرد وحاجة للمجتمع
بقلم : د. فيصل غرايبه تحظى المسؤولية بالاهتمام من قبل الأسرة ابتداء، حيث تسعى أن تنشئ أبناءها على الشعور بالمسؤولية والقدرة على تحملها، وهي تبدأ بتدريب أطفالها على المبادرة في تحمل مسؤوليتهم تجاه أنفسهم بأنفسهم، تبدأ في ذلك بالأمور الصغيرة الهينة المحدودة، إلى أن تمضي إلى ما هو أكبر وأعقد وأصعب، وهي تقصد من وراء ذلك أن يشب الطفل ويكبر وهو قادر على تحمل المسؤولية ولا يلجأ إلى الآخرين لمساعدته في تولى هذه المسؤولية نيابة عنه، باعتبارها من خصوصياته وشؤونه لوحده.وتمضي الأسرة إلى إكساب أبنائها مسؤوليات أخرى تجاه الآخرين، وتؤكد عليهم أن يتقنوا القيام بها كما ينبغي أن تكون، وتحاول أن تخرجهم إلى دائرة أوسع من المشاعر ومن الأفعال المرتبطة بالمسؤولية تجاه الحي الذي يعيشون فيه والمجتمع الذي ينتمون إليه.
وتواصل المدرسة المهمة التي بدأتها الأسرة، فتسعى من خلال الدروس والأنشطة والتوجيه المباشر وغير المباشر، أن تعلم طلبتها كيفية تحمل المسؤولية، وأن تنمي فيهم الشعور بالمسؤولية، فتعودهم الاعتماد على أنفسهم في التفكير وفي الإجابة على الأسئلة وفي النقاش وفي أداء أدوار من خلال الأنشطة، ويشدد المعلمون على طلبتهم أن يقوموا بأداء الواجبات البيتية الدراسية بأنفسهم، وتدعوهم إدارة المدرسة إلى الاهتمام بالنظافة والترتيب داخل الصف وفي ساحة المدرسة وفي محيطها الخارجي، وذلك كتدريب على تحمل المسؤولية في مواقف الحياة المختلفة.
ولا تنقطع المواقف التربوية والتدريبية عند ذلك الذي تفعله الأسرة وتفعله المدرسة، بالنسبة إلى خلق الاتجاهات الايجابية عند الناشئة تجاه المسؤولية، شعورا وقدرة، وكذلك استعدادا ورغبة وحماسا، تبدأ في دائرة الذات، وتمتد من الأسرة إلى المجتمع المحلي فالمجتمع الوطني فالقومي فالإنساني . ولتصبح واجبا يحس الإنسان بأنه عليه أن يؤديه، وإن لم يؤديه يشعر بالحرج أو الندم أو الضيق، وهو في نظر الآخرين سلبي أو مقصر ومتخاذل، إذ أنه لم يقم بواجبه ولم يتول مسؤوليته الاجتماعية على النحو المنتظر أو المأمول.
ولكن هذه المسؤولية الاجتماعية لا تقوم كطبيعة في الشخص، ولا تتحقق لمجرد الحث على وجودها لديه، إذ ثمة عناصر مشكلة لها، ومعينة على توافرها، فهي بحاجة إلى اهتمام الفرد بالمجتمع والمحيط الذي يعيش فيه، بحيث يرتبط يهما عاطفيا ومعنويا، وبمبعث من هذا الارتباط فانه يهتم أن يكون هذا المحيط آمنا مستقرا متماسكا يرتبط أعضاؤه ببعضهم بروابط التفاهم والثقة المتبادلة، ويشعر هو كما الجميع أن مصلحة واحدة مشتركة تربطهم بهذا المجتمع وهذا المكان الذي لم يعد حسب مشاعرهم كأي مكان، إذ أن مشاعرهم تدعوهم إلى أداء واجب خدمته وحمايته وتطويره.
ويحتاج الاهتمام إلى عنصر آخر من عناصر المسؤولية الاجتماعية هو الفهم التبادل بين المواطن والمجتمع، لكي يفهم المواطن المجتمع الذي ينتمي إليه، كإطار ثقافي له عاداته وتقاليده وأعرافه ومعتقداته واتجاهات التفكير فيه وآمال الناس العامة وطموحاتهم لمستقبل مجتمعهم، ولكي يفهم المواطن وخاصة وهو في ريعان شبابه، معنى مشاركته في النشاط العام من أجل مصلحة المجتمع، وإدراكه لأهمية هذا الدور، الذي يشكل جزءا مهما من سلوكه، ويعتبره المجتمع واجبا تجاهه من قبل أعضائه، يرتاحون نفسيا لأدائه، ويحرزون مكانة اجتماعية أفضل عند القيام به.
أما العنصر الثالث من عناصر المسؤولية الاجتماعية، فهو المشاركة، التي يقوم الفرد بها للآخرين، بدافع من ذلك الفهم وذاك الاهتمام، لانجاز الأعمال التي تتطلبها مصلحة المجتمع، وهي لن تتحقق إلا بتضافر جهود أعضاء المجتمع، وهم في حالة من التأهب والرغبة والحماس، للقيام بأفعال لصالح المجتمع، وخارج إطار المصلحة الشخصية والكسب الخاص.


لهذا فأن تنمية المسؤولية الاجتماعية، تشكل ركنا أساسيا من أركان تنشئة الأبناء وتربيتهم وإعدادهم للحياة، مثلما تشكل طاقة يتمتع بها الفرد ويوظفها لأداء واجباته وللدفاع عن حقوقه في نفس الوقت، فالإنسان يحاول دائما مهما كانت حياديته وموضوعيته، أن يوزن واجباته وحقوقه بشكل متقابل، ولا يخفف من غلواء ذلك إلا تنامي الشعور بالمسؤولية الاجتماعية، والتي تقتضيها التربية الرشيدة، فيحس بالغبن أحيانا عندما يشعر بأنه يقوم بواجباته، ولكنه لا ينال حقوقه كما يتصور أن تكون، ويحكم على مجتمعه حكما سالبا، ينشىء على أساسه موقفا تجاه مجتمعه، يثنيه وبدافع ذاتي عن أداء المسؤولية الاجتماعية، وربما يعلن عن تخليه عن قناعته بوجوب الشعور بالمسؤولية الاجتماعية.
ولذلك فان تنمية المسؤولية الاجتماعية لن يكتب لها النجاح المستمر المضطرد مع تطور شخصية الإنسان، إلا إذا مثلت القدوة الصالحة أمام أبناء الجيل، من الآباء والأمهات والمعلمين والمعلمات وكل من يشكل مثالا للناشئة، سواء بالتعامل المباشر معهم في حياتهم ومعاشهم، أو بالاتصال غير المباشر عبر وسائل الاتصال والتوجيه والثقافة المختلفة، وعكس ذلك يولد ردة فعل قوية وسريعة، تضر بمدى تمسك وقناعة الأجيال بالمسؤولية الاجتماعية، وتضعف من ثقتهم بمجتمعهم، مما يدفعهم إلى التخلي عن اهتمامهم بشؤونه وبمستقبل الحياة فيه، رغم أنهم جزء من هذا المستقبل، وحياتهم جزء من هذه الحياة.
ولعل أبرز ما يضمن النجاح لعمليات تنمية المسؤولية الاجتماعية هو تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص، لأن اصطدام الشباب في حياتهم اليومية بممارسات تحيد عن هذا المبدأ، ستهز قناعتهم بهذا النوع من المسؤولية، سواء كانت هذه الممارسات تتم في إطار ضيق محدود: بين الأبناء من قبل الأب مثلا، أو بين الطلبة من قبل أحد المعلمين مثلا ثانيا، أو تمت في إطار أوسع على مستوى المجتمع المحلي أو المجتمع الوطني، وأمامنا العديد من الأمثلة من هذا القبيل من خلال العمل الحزبي والحكومي وحتى التطوعي الأهلي، عدا عن ما تتمخض عنه المحسوبية من قرارات على مستويات رسمية متفاوتة، وذلك فيما يخص التعيين والترقية والإيفاد والتكليف وما شابه.
ولذلك، فان على جيل الكبار أن يدرك أن مهمة تنمية المسؤولية الاجتماعية لدى الأبناء، تقع عليه، فهي غرسة تبدأ بذرة في الصغر، وتسقى وترعى وتخصب، حتى تقوى ويشتد عودها، وتصبح ممارسة حياتية، لا تقوى عليها مشاهد الخرق أو الفساد، ولا تزعزعها تداعيات الانتهاك والإهمال من قبل البعض، قل هذا البعض أو كثر، وعلى المجتمع بمؤسساته وتنظيماته الصغيرة والكبيرة، أن يدرك في نفس الوقت أن من مسؤوليته أن يحافظ على تلك الغرسة التي غرست في نفوس أبنائه ويترجمونها سلوكا وممارسة، وذلك بتضييق فرص الاختراق وعدم المساواة ومجافاة العدالة، في مختلف الفعاليات والتنظيمات، والتي تشكل تهديدا لقناعات الشباب بالمسؤولية تجاه المجتمع ونحو حاضره ومستقبله.
أن إتاحة الفرص أمام الشباب للمشاركة، تشكل ميدانا رحبا لتنمية المسؤولية الاجتماعية، تبدأ بإشعار الشاب بأهميته، وتبلغه الاعتراف بدوره الاجتماعي، وتشركه بعملية تبادل وجهات النظر، ومناقشة البدائل المطروحة، وتدخله في عملية التخطيط للعمل الجماعي من أجل المجتمع،
وفي توزيع الأدوار التنفيذية والمتابعة والتقييم، وفي كل عمل يقوم به وفي كل دور مسند إليه، يوضع الشاب في وضعية المتدرب والممارس لمسؤوليته الاجتماعية، وكلما كانت هذه الوضعية مريحة، تلاقي التقدير والتشجيع والدعم والتأييد، وتتم بروح رياضية متسامحة، وبإدارة ديمقراطية عادلة، فان ذلك سيوفر شروط النجاح لتنمية المسؤولية الاجتماعية لدى الشباب ويزيد من إمكانية ممارستها في مختلف المواقف والحالات.
ندرك مما سبق أن استنبات المسؤولية الاجتماعية في شخصية الشاب، وبثها كاتجاه عام في صفوف الشباب، سواء كقناعة أخلاقية، أو كممارسة عملية، ينبغي أن يشكل هدفا للنظم الاجتماعية والمؤسسات العاملة على تحقيق أهدافها وتسهيل أدائها لأدوارها في المجتمع، وذلك من تماسك المجتمع وتقدمه ."الرأي/ملحق الشباب"