المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرغيف الحديدي‏..‏ بين تحفظات العلماء وجهـــل المستـــهلكين



احمد الشريف
30-May-2007, 05:42
علي مائدة المصريين دون سابق إنذار
الرغيف الحديدي‏..‏ بين تحفظات العلماء وجهـــل المستـــهلكين
منذ عدة أسابيع طرحنا في "إتكلموا" قضية رغيف الخبز المدعوم بالحديد والذي تعتزم وزارة التضامن الاجتماعي في مصر تعميمة ليستخدمة المصريون واليوم نواصل الكلام عن القضية بنشر هذا التحقيق المنشور اليوم في الاهرام والذي أجراة حسن فتحي .

"المصريون هذا الصيف علي موعد مع ضيف جديد علي موائدهم في غفلة منهم‏,‏ حيث تعد له وزارة التضامن العدة الآن من مناقصات لتوريد ماكينات الخلط وتوريد الحديد‏,‏ ألا وهو رغيف الخبز المدعم بالحديد دون سابق إنذار أو توعية من الوزارة المعنية بالخبز‏,‏ المفروض أنها وزارة‏'‏التضامن الاجتماعي‏'‏ يدعمها علميا وزارة الصحة ممثلة في معهد التغذية بالإضافة إلي المركز القومي للبحوث‏,‏ الغرض من المشروع علاج الأنيميا بين المصريين‏,‏

ويبدو أن الجهات المعنية بالمشروع اعتبرت المواطن المصري لم يبلغ سن الرشد وبالتالي ليس من حقه معرفة ما يأكل‏,‏ فوزارة التضامن هي التي رأت أنه مصاب بالأنيميا ولاحل له سوي تدعيم خبزه بالحديد وحمض الفوليك لأغراض أخري‏,‏ دون أن يملك هذا المواطن حق الاختيار ودون توعيته بأن هذا الخبز لا يصلح لكل الناس‏,‏ بل هناك الكثيرون الذين سيتضررون منه‏,‏ مما يعني أن الهدف‏'‏ النبيل‏'‏ الذي سعت الوزارة ومن خلفها لتحقيقه جاء بنتيجة عكسية‏,‏ فبدلا من أن تهتم الوزارة بتحسين جودة الرغيف وضمان وصوله مدعوما إلي مستحقيه‏,‏ ترهق ميزانية الدولة بمزيد من الدعم لرغيف الخبز بإضافة مركبات ستشكل ضررا علي صحة الكثيرين‏.‏

والقضية المهمة التي ينبغي لفت الانتباه إليها أن الجهات المعنية بالتجربة في مصر تري ضرورة تطبيقها استنادا إلي تطبيقها في دول غربية وعربية كثيرة منها الولايات المتحدة والبحرين‏,‏ وتناسوا أن المواطن الأمريكي أو حتي البحريني أو العربي علاقته اليومية محدودة برغيف الخبز وربما لا يتجاوز الجرعات المسموحة من الحديد في الرغيف يوميا‏,‏ في حين أن الخبز يشكل عنصرا مهما علي موائد أكثر من‏90%‏ من المصريين‏,‏ والكثيرون منهم يشكل الخبز غالبية وجباتهم لأسباب اقتصادية‏.‏

وبنظرة اقتصادية نؤكد بداية أنه إذا كانت الدولة تدعم رغيف الخبز سنويا من ميزانية هيئة السلع التموينية بنحو‏8.6‏ مليار جنيه وفقا لإحصائيات‏2005,‏ لإنتاج‏210‏ ملايين رغيف يوميا‏,‏ ارتفعت إلي‏11‏ مليار عام‏2007‏ إنتاج‏285‏ مليون رغيف يوميا‏..‏فكيف لها أن تدبر عدة ملايين أخري لدعم إضافة الحديد وحمض الفوليك إلي الخبز‏!!‏في الوقت الذي تقر فيه وزارة التضامن وخبراء الرغيف بسوء حالة الرغيف وعدم التزام المخابز بالمواصفات الدقيقة لإنتاجه‏..‏

فقد أكد الدكتور علي مصيلحي وزير التضامن في تصريحات سابقة للأهرام بأن تكلفه الخبز لم يتم مراجعتها منذ‏18‏ عاما وتكلفه الطحن لم تراجع منذ‏14‏ عاما وجري العرف علي تعويض المخبز لخسارته من خلال تسريب الدقيق للسوق السوداء وهو تسريب لدعم الحكومة لرغيف الخبز للقضاء علي هذه الظاهرة والعمل علي وصول الدعم لمستحقيه وزيادة قيمه الدعم من الموازنة العامة للدولة تم التنسيق بين وزارات التضامن الاجتماعي والمالية والاستثمار والتجارة والصناعة لتحديد الزيادة المتوقعة في تكلفه إنتاج رغيف الخبز‏..‏كما أكد أحد خبراء صناعه الخبز أن رداءه صناعه رغيف الخبز من أهم الأسباب التي تؤدي إلي فقد جزء كبير من الدعم‏,‏ لذلك لابد من التركيز علي تحسين إنتاج الرغيف‏,‏ حيث انه قد حسبت تكاليف قطعه صغيره من الخبز لا تتجاوز‏8/1‏ رغيف لو ألقي بها كل مواطن لكلف ذلك الدولة أكثر من‏250‏ مليون جنيه سنويا‏!!.‏

معدلات الأكسدة
وعودة إلي قضية إضافة الحديد إلي الخبز‏,‏ نجد أنه في دراسات علمية سابقة ومنشورة أظهرت نتائجها زيادة معدل الحديد في الدم ومعدلات الأكسدة‏'‏ التوتر المؤكسد‏'‏ وترسيب الحديد في الكبد والخصية مع زيادة معدلات التليف مع انخفاض في الحمض النووي دي إن أيه وهرمون الذكورة‏,‏ إن كانت هذه النتائج تستدعي الحذر البالغ‏,‏ خاصة بعد خروج دراسة جديدة من وحدة أبحاث الكيمياء الحيوية بكلية الصيدلة جامعة الزقازيق ـ وتم قبولها ومناقشتها قبل أيام في مؤتمر الجمعية المصرية للكيمياء الحيوية والبيولوجيا الجزيئية بالقاهرةـ للكشف عن تأثير تعاطي البسكويت المدعم بالحديد علي معدل ونشاط الناقلات العصبية في أنسجة مخ الفئران‏,‏

ويطرحها الدكتور عاطف عبدالباقي مدرس الكيمياء الحيوية‏,‏ وأظهرت نتائج البحث الجديد تأثير تعاطي المخبوزات المدعمة بالحديد في إحداث نقص حاد في دوبامين وسيرتونين أنسجة مخ فئران التجارب مع زيادة معدل الزنك والحديد مصحوبا بنقص الكروم في الدم مما يوحي بامتداد تأثير عنصر الحديد في البسكويت إلي عمليات بيولوجية وإنزيمات داخل الجسم ذات صلة بهذه المعادن‏,‏ أما الانخفاض الناشئ في الدوبامين والسيرتونين فيرجع إلي تأثير الحديد وخاصيته المؤكسدة لهذه الناقلات العصبية ومن خلال ارتفاع نسبة الشوارد الحرة بمعدل عالي تأثير منشط

ويوضح الدكتور محمد السويدي أستاذ التحاليل الطبية والمشرف علي الدراسة أن الدوبامين له تأثير منشط وقابض لخلايا القلب والأوعية الدموية وله تأثير انبساطي لشرايين الكلي مع تدفق الدم ومعدل الترشيح الكلوي وبالتالي إدرار الصوديوم من الجسم‏,‏ كما يلعب السيرتونين دورا مؤثرا كمادة كيميائية ناقلة للتيارات العصبية وله وظائف عديدة تجاه الآلام والتصرفات السلوكية‏'‏ طبيعية وغير طبيعية‏'‏ وتنظيم معدلات الغذاء والنوم ودرجة الحرارة وضغط الدم بالإضافة لوظائف الغدد الصماء فهو يثبط إفراز هرمونات النمو والبرولاكتين والغدة الدرقية والجنسية‏.'‏ملحوظة مهمة‏:‏ هذه الأبحاث المصرية تم قبولها وعرضها في المؤتمرات العلمية داخل مصر وسيتم نشرها بالخارج لمن يعتقد أنه لم يستطع الاطلاع عليها‏'.‏

ولأن القضية تعني أكثر من‏20‏ ألف مريض بأنيميا البحر المتوسط‏,‏ والذين يشكل تراكم الحديد في أجسامهم مشكلة صحية‏,‏ تقول الدكتورة آمال البشلاوي أستاذ طب الأطفال وأمراض الدم بطب قصر العيني أن البحوث التي أجريناها تقول مؤشراتها أن نسبة انتشار الأنيميا بين الرضع والأطفال في سن المدرسة في مصر تتراوح بين‏28‏ إلي‏35%‏ تنخفض النسبة إلي‏12%‏ بين طلبة الثانوي‏,‏

وتتساءل أنه كانت هناك تجربة بإضافة الحديد إلي الخبز عام‏1992‏ أين نتائجها‏,‏ كما أن تجربة إضافة الحديد إلي بسكويت المدارس لماذا لم يتم تقييم نتائجها حتي اليوم‏,‏ لكنها ـ علي حد قولهاـ لم تتلقي أي ردود علي هذه التساؤلات حين طرحتها علي مؤيدي دعم الحديد بالخبز‏,‏ وهي تضع شروطا لتطبيق هذا المشروع‏,‏ أولها أن هناك فئات من المرضي لاينبغي أن يتناولوا هذا النوع من الخبز علي الإطلاق‏,‏ ولابد أن يتوفر بديل واضح لهم ضمن خطة توعية متكاملة‏,‏ ثانيا أن يتم تقييم نتائج هذا المشروع بحيث يتوقف بعد‏6‏ أشهر ويتم عمل تقييم علمي له‏,‏ ثالثا لابد أن تكون هناك رقابة شديدة علي عملية تصنيع الحديد وتخزينه ونسب خلطه بالدقيق‏,‏ والقول بأن تطبيق هذه التجربة قد نجح في بعض الدول النامية لايعني تعميمه علي مصر دون أن يتم تقييم نتائج التجارب في مصر ولابد أن نراعي الخصوصية الشديدة في طريقة تعامل المصرين مع الخبز حيث يشكل عنصرا رئيسيا علي مائدة‏90%‏ من المصريين‏.‏

نقطة مهمة جدا أثارتها الدكتورة آمال البشلاوي وهي أن الأطفال الرضع الذين ثبت ارتفاع نسبة الأنيميا لديهم لا يتناولون الخبز في هذه السن نهائيا‏,‏ وبالتالي فإن جزء كبير من الجمهور المستهدف بهذا الخبز المدعم بالحديد خارج دائرة استهلاكه بالمرة‏,‏ فضلا عن أن نسب الأنيميا تقل مع تقدم السن حيث تقدر بـ‏12%‏ لدي طلبة الثانوي‏,‏ وتلفت الانتباه إلي ضرورة توعية المصريين بالمصادر الطبيعية للحديد في طعامهم والتي يمكنها أن تسهم في خفض معدلات الأنيميا بينهم ـ دون الحاجة إلي الخبز الحديدي ـ خاصة وأنه يتوافر في أغذية رخيصة كثيرة أغلبها علي مائدة المصريين بصفة يومية أبرزها البقوليات‏,‏ بالإضافة إلي ضرورة تعديل المصريين لعاداتهم الغذائية السيئة التي تحول دون امتصاص الحديد في الجسم

إضافة لا جدوي منها
من جانبه‏,‏ ينفي الدكتور عبدالباسط الأعسر أستاذ الكيمياء الحيوية الطبية بالمعهد القومي للأورام أي فائدة يمكن أن تتحقق من وراء دعم رغيف الخبز بالحديد وحمض الفوليك‏,‏ موضحا أن الحديد الذي يضاف إلي الخبز يضاف في حالته المختزلة‏,‏ وهي الحديدوز ويضاف إليه حامض الفوليك‏,‏ وهو مادة عضوية حساسة جدا للحرارة‏,‏ وعند طهي الخبز في درجات حرارة مرتفعة في الأفران يتأكسد الحديدوز ويتحول إلي حديديك لايمكن أن يمتص من الأمعاء بل يتخلص منه الجسم في عملية الإخراج‏,‏ أما حمض الفوليك‏,‏ فيتحلل بالحرارة العالية أثناء عملية تسوية الرغيف ولا يمكن أن يظل أبدا في حالته الفعالة لأنه أحد فيتامينات ب المركب‏,‏ ولمنع حدوث هذا عند تعاطي حبوب الحديد في صورة حديدوز دائما ما يفضل إضافة فيتامين سي‏,‏ الذي يساعد علي زيادة امتصاص الحديد من الأمعاء‏.‏ من جانبه‏,‏

يؤكد الدكتور فكري عوض مسعد الأستاذ المتفرغ لخصوبة التربة وتغذية النبات بالمركز القومي للبحوث أن الرغيف الحديدي يكفيه القمح المصري الغني بالحديد‏,‏ موضحا أن الخبز يشكل بين‏60‏ ـ‏90%‏ من غذاء المواطن المصري‏,‏ وكمية الحديد في حبة القمح أعلي من أي محصول نجيلي آخر‏'‏ أربعة أضعاف كميتها في حبة الذرة وثمانية أضعاف كميتها في الأرز‏',‏ وذلك لتميز نباتات العائلة النجيلية‏'‏ خاصة القمح‏'‏ بخاصية زيادة تيسر الحديد في التربة نتيجة إفراز مركبات مخلبية طبيعية يفرزها النبات من جذوره وتحولها للحديد من صورة غير صالحة للامتصاص بالنبات إلي صورة صالحة كذلك زيادة تحركه داخل النبات‏.‏ وأضاف أنه أثناء طحن القمح يفقد جزء كبير من الحديد الصالح للإنسان في القشرة‏'‏ وفي اعتقادنا أن هذا ليس السبب الرئيسي في نقص الحديد في رغيف الخبز‏',‏

وفي هذا الصدد يوضح أن الدول المتقدمة والتي لا تعاني من هذه المشكلة لديها العيش الأسمر‏'‏ الغالي الثمن نسبيا والمصنوع من القمح فقط والمخلوط بقشرة الحبة‏'‏ السن‏'‏ عن العيش الأبيض الخالي من السن‏,‏ اي أن الموضوع اقتصادي تصنيعي‏,‏ وأضاف أن أحدث الأبحاث في هذا المجال تمت في اليابان في بداية الألفية الثالثة تم فيها نقل الجين المسئول عن زيادة تيسر الحديد من التربة وامتصاصه وتحركه داخل النبات من نبات القمح‏'‏ والذي يوجد به بكثرة‏'‏ إلي نبات الأرز‏'‏ الغذاء الرئيسي للشعب الياباني والذي تنفض به كمية هذا الجين ومن ثم انخفاض الحديد بحبة الأرز عن القمح‏'‏ وبالتالي إنتاج حبة أرز تحتوي علي نفس القدر من الحديد مثل القمح‏,‏ والي أن ينصلح حال نسبة خلط القمح بالذرة أجد أن هناك بدائل عديدة طبيعية تعرفها السيدة المصرية البسيطة والفلاح المصري العظيم‏-‏ يمكن بها رفع كمية الحديد في الغذاء المصري بدون إضافة اي مواد كيميائية إلي الدقيق"‏
منقول