المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العمران التعاوني والمسؤولية الاجتماعية



احمد الشريف
08-Aug-2010, 02:36
العمران التعاوني والمسؤولية الاجتماعية



د. مشاري عبدالله النعيم

أثارني خبر توقيع خمسة آلاف من سكان حي شعبي في مكة المكرمة على وثيقة تعاون لتحسين حيهم وتطويره. والحقيقة أن موطن الاثارة هنا هو العودة لروح التعاون التي كانت عليها أحياؤنا السكنية في السابق فقد كانت تلك الروح أكثر ما يميز المدينة القديمة كون المسؤولية العمرانية كانت ملقاة بالكامل على الناس الذين كانوا يعملون على تنظيم وإدارة أحيائهم السكنية. أما موطن الاثارة الأخرى هو أن هذه الفكرة أتت بمبادرة من إمارة مكة وضمن برنامج توعوي يسمى "الحي المعظم"، وبدعم من أمير مكة وإدارة المنطقة، الأمر الذي يعني تحولا عميقا في مفهوم الادارة العمراني على المستوى الرسمي، فهذه المشاركة الجماعية في المسؤولية العمرانية تمثل خطوة أساسية في تفعيل الدور الاجتماعي في عملية اتخاذ القرار العمراني الذي حبسه البعض في دور "المجالس البلدية" بينما دور الناس في تطوير فضاءاتهم العمرانية يجب أن يكون مباشرا ولحظيا ومستمرا لا عن طريق ممثلين فقط كما هو معمول به في المجالس البلدية، فالتمثيل هنا هو من أجل المشاركة في التشريع لكن يجب أن يكون مدعوما من خلال المشاركة اللحظية الدائمة للناس الذين يجب أن يستشعروا أدوارهم المهمة في إدارة العمران. الفكرة جميلة ورائعة وتوقيع خمسة آلاف ساكن للحي على تحويل حيهم إلى حي نموذجي يصنع تحولا في الوعي العمراني العام الذي يجب أن يكون هو الظاهرة المقبلة التي تقود المدينة السعودية إلى بر الأمان وتخلصها من الاتكالية التي جلبت لها كثيراً من الكوارث. المشاركة العامة دون شك لن تبحث في يوم عن شماعة تعلق عليها أخطاؤها لأن الجميع مسؤول وعادة مايساهم "التفكير الجماعي" في إدارة العمران في التخلص أو على الأقل تقليل الكوارث العمرانية.


المشاركة الجماعية في المسؤولية العمرانية تمثل خطوة أساسية في تفعيل الدور الاجتماعي في عملية اتخاذ القرار العمراني الذي حبسه البعض في دور «المجالس البلدية» بينما دور الناس في تطوير فضاءاتهم العمرانية يجب أن يكون مباشرا ولحظيا ومستمرا لا عن طريق ممثلين فقط كما هو معمول به في المجالس البلدية



المسألة المهمة من وجهة نظري هي كيفية تفعيل هذه المشاركة، فالمطلوب هنا أن لا تبقى هذه الاتفاقية الجماعية مجرد حبر على ورق، وأن لا يحبس الاتفاق في تنظيف الحي والمشاركة الهامشية التي لا تحدث تغييراً حقيقياً على مستوى العمران وتشريعاته بل يجب أن يكون هذا الميثاق شاملا بحيث يكون هناك تنافس بين الاحياء على مدى فاعلية المشاركة العمرانية وفعاليتها، وبالتالي تتشكل المدينة من خلال شخصيات أحيائها السكنية ومساهمة ساكنيها في صنع هذه الشخصية. ومع ذلك فإن فكرة "الحي المعظم" تعتمد على ثلاثة ضوابط هي تصحيح سلوك السكان أو ما يمكن أن نسميه "المواطنة الصالحة" والاهتمام بنظافة الحي كإطار عملي ضمن المسؤولية الاجتماعية والفردية والجانب الأمني، وهي ضوابط معمول بها في جميع أنحاء العالم، فقد كنا في السابق نمارسها عفويا وباتفاق ضمني لم يوقع عليه أحد في يوم. كما أن فكرة "الحي المسؤول" هي فكرة مطبقة في جميع أنحاء العالم، لكنها لا تغني عن الخدمات البلدية خصوصا في مسألة النظافة التي هي جزء من السلوك العام للحي لكنها يجب أن تكون ضمن إطار عمل بلدي بمشاركة السكان. أما المسألة الأمنية فهي مطبقة عن طريق مجموعات العمل التي تسمى "مراقبة الحي" Neighborhood Watch بحيث يوزع العمل الأمني على مجموعة أفراد داخل الحي، لكن هذا العمل يجب أن يكون ضمن إطار أمني شامل وواضح بحيث لا تتداخل سلطات الحي مع سلطات الأمن العامة، كما يجب أن يكون هناك تنسيق واضح ومباشر بين السلطتين (فكرة العمد كانت تمثل جزءاً من هذه الفكرة في السابق) ويجب هنا أن نتذكر أن إدارة البلديات كانت تابعة لوزارة الداخلية في بدايتها ولا أعلم لماذا انفصلت عن الداخلية كون مفهوم الأمن جزءاً أساسياً من إدارة المدينة. والواضح بالنسبة لنا أن الفكرة جيدة لكنها في بدايتها وسوف تظهر كثير من المشاكل والعوائق التي قد تحد من تطبيق الفكرة خصوصا في ظل الترهل الإداري التي تعيشه مؤسسات الدولة المسؤولة عن إدارة الحي على مستوى الخدمات والأمن.
المفهوم السائد في إدارة المدن هو أن البلدية جهة تشريعية ويمكن أن تكون مرتبطة بالجهة الأمنية (كممثل للحكومة) بينما مجالس الأحياء والتي يرأسها "رئيس الحي" هي المسؤولة عن الخدمات وعن إدارتها وتحديد ميزانيات الحي (وهي التي تمثل سكان المدينة). حتى إعطاء تراخيص فسح البناء غالبا ما تخرج من مجالس الأحياء أولا ثم تصدق بشكل نهائي من البلديات، "فأهل الحي أدرى باحتياجاته" ولا يستطيع أحد أن يحول أراضي سكنية إلى تجارية أو أراضي خدمات (مساجد ومدارس وحدائق) إلى أراضٍ سكنية وبالتالي يظهر مفهوم المسؤولية العمرانية من خلال هذا الترابط العميق بين أولويات الساكنين وبين النظام التشريعي والإداري العام للبلد. ولعل هذا المفهوم يجرنا للحديث عن فكرة "الأمن الحضري" التي تحاول الرياض تطبيقه هذه الأيام، وأذكر هنا أنني تحدثت في بدايات العمليات الإرهابية عن "المدينة والأمن"، وكان حديثا عاما لكنه نابع من هذا المفهوم الإداري المتماسك، فالأمن الحضري لا يتحقق بالحواجز الخرسانية وبالكاميرات وبتكثيف تواجد رجال الأمن فقط، لكنه يتحقق من خلال فكرة التصور الاداري العام للمدينة، الذي يحفز فكرة "المسؤولية العمرانية" والتي يمكن اعتبار مبادرة "الحي المعظم" في مكة بداية مهمة لها، فأغلب المدن لا نجد فيها أي مظاهر أمنية "مادية" واضحة "كاميرات أو رجال أمن أو حواجر خرسانية"، لكن الأمن متواجد ورجاله قريبون من الاحداث والمسؤولية الاجتماعية الأمنية عالية جدا.
الجميل في هذه الفكرة الرائدة هي أنها تحقق فكرة "المواطنة بالممارسة" Citizenship in Action وهي مسألة أساسية في تحقيق الارتباط بالوطن، فعندما يتحول الناس إلى مسؤولين، يتعاظم لديهم الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية العامة التي هي مفتاح المواطنة. ويبدو أننا بحاجة إلى مثل هذه المشاركة المباشرة في كل مناحي الحياة من أجل تحقيق المواطنة "العملية" التي تصنعها حركة الحياة اليومية لأنها تربط الناس بمصالحهم وتعمق لديهم الإحساس بالعدل والمساواة، فهم من يسير أمور حياتهم، وهم المسؤولون عن جودتها أو عن سوئها. في اعتقادي أننا بحاجة إلى أطر عملية يمارسها الناس ويعيشونها لا شعارات وأفكار يصعب تطبيقها، لذلك فنحن في انتظار الإطار العملي الذي سيمارس فيه من وقعوا على ميثاق "الحي المعظم" مسؤوليتهم العمرانية، والتي نتمنى أن لا تجد من يتحداها ومن يقلل من فعاليتها خصوصا من إدارات الخدمات والأمن.