المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص



هايل القنطار
21-Jul-2010, 05:11
المسؤولية تجاه المجتمع والناس الذين نعيش بينهم شأن وطني عام، وهذه المسؤولية لا تقتصر على قطاع بعينه، بل هي اهتمام مشترك للجهات الخاصة والأهلية والحكومية. ويعتبر موضوع المسؤولية الاجتماعية لشركات القطاع الخاص في اطار الشأن العام الوطني من أهم القضايا المطروحة في أدبيات الادارة والاجتماع والاقتصاد في العقدين الأخيرين على الأقل.
تعني المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص ما يمكن أن تقدمه شركات هذا القطاع من خدمات وبرامج ذات طابع اجتماعي مادي أو معنوي لعدد من قطاعات المجتمع والبيئة والسكان وبشكل طوعي على شكل خدمات ودعم مادي, أو فني بهدف المساهمة في تنمية المجتمع المحلي الذي تعمل وتسوق الشركة نفسها فيه. فهي أنشطة تقوم بها الشركة للوفاء باحتياجات اجتماعية للسكان، أو باحتياجات بيئية تتصل بالسلامة العامة وبصيانة البيئة التي تعمل بها. أو هي تلك الالتزامات التي يفترض بالشركة القيام بها تجاه المجتمع، مثل المساهمة في محاربة الفقر، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، ومساعدة المعوقين والمسنين، وتحسين جمالية المكان ومكافحة التلوث ....الخ، بتخصيص جزء ضئيل من ارباحها للانفاق في مجالات اجتماعية من هذا النوع.
فتستطيع شركات القطاع الخاص الكثيرة المعتبرة إحداث تأثيرات اجتماعية وثقافية إيجابية وفعالة في حياة المجتمع بمبادرات اجتماعية متنوعة، ثقافية وصحية وبيئية وتعليمية وتدريبية، والشركات الناجحة اليوم هي التي تهتم بتطوير محيطها الاجتماعي والطبيعي وتسترشد بمبادئ التنمية المستدامة، وتساهم في دعم البعد الاجتماعي للتنمية الوطنية.
ان مبدأ المسؤولية الاجتماعية للدولة والقطاع العام في هذا الاطار يعتبر بديهيا، بل ربما هو أساس النشأة التاريخية للدولة، وأحد أهم مؤشرات مشروعيتها في "العقد الاجتماعي" العتيد"، فالمسؤولية الاجتماعية للقطاع العام أمر ثابت وبديهي وجوهري، ونحن نفترض أن الدولة بسياساتها التنموية تطبق المسؤولية الاجتماعية في القطاع العام الذي تديره، ويتحقق الأمر بمستويات مختلفة من الانجاز. وفي القطاع الأهلي تأخذ المسؤولية الاجتماعية شكل البر والاحسان وعمل الخير الذي تمارسه الجمعيات الأهلية الخيرية بآليات تقليدية معروفة.
أما في القطاع الخاص، فرغم الاحتفاء الكبير به وبرجاله، وتشجيعه على الاستثمار وتقديم كافة التسهيلات له للعمل والانتاج والربح، فاننا لا نجد لديه آلية واضحة لما نتحدث عنه، وليس هناك عرف ولا قانون يوجه تخصيص قسم من ارباح شركات القطاع الخاص لتحسين الوسط الاجتماعي الذي تعمل وتربح وتنجح منه.
ولئن كنا نركز على المسؤولية الاجتماعية لشركات القطاع الخاص تحديدا، فذلك يأتي من الاعتبارات التالية:
1- تبين من سيرورة التنمية لأكثر من نصف قرن على الأقل أنه مهما كانت الارادات السياسية جادة وحاسمة والخطط محكمة، تبقى هناك حاجات اجتماعية وفئات ومجالات اجتماعية لها متطلبات مختلفة قد لا تمسها هذه الخطط، بل إن خطط التنمية نفسها تفرز مشاكل وتطرح متطلبات اجتماعية وثقافية وبيئية متنوعة، وذلك ليس مقصورا على بلد بعينه أو مجموعة بلدان معروفة، بل يشمل أكثر البلدان غنى وأكثرها تقدما ( التفكك الأسري، التشرد والتسول، المخدرات، العنف، البطالة، الفقر، الجريمة، الانحراف، تلوث البيئة...الخ). وهنا، المراد بالمسؤولية الاجتماعية عموما هو مساهمة القطاع الخاص في التعامل مع مثل هذه القضايا ومعالجتها.
2- ان سيادة الليبرالية (بالمعنى القديم والجديد) في المجال الاقتصادي، والاتجاه الى الخصصة، وسياسات تشجيع القطاع الخاص، الذي يبدو اتجاها شبه وحيد في المدى المنظور، يجعل الاهتمامات التنموية انتقائية غالبا، وخاضعة لأولويات المنافسة والمردود المادي، مما يؤدي غالبا الى اهمال بعض القطاعات والحاجات الاجتماعية والثقافية والبيئية، وذلك يقتضي تحمل القطاع الخاص لمسؤوليات اجتماعية وبيئية محددة تجاه الوسط الذي يعمل فيه، مقابل ما تتيحه له حرية العمل في هذا الوسط من امكانات الانتاج والربح.
3- مع الارتفاع المتزايد لسقف الحاجات والخدمات الاجتماعية للناس، تتزايد الأعباء الملقاة على عاتق الدولة في مجالات الخدمات والرعاية وبرامج الحماية الاجتماعية المختلفة، مما يفترض ضرورة مشاركة القطاع الخاص في تحمل هذه الأعباء.
4- بات واضحا لدى معظم المحللين أن الأزمات الاقتصادية، وخاصة الأزمة العالمية الأخيرة وعواقبها الاجتماعية، كان سببها الرئيس مؤسسات خاصة كانت حريتها في العمل غير محدودة وغير مسؤولة. بينما تحمل الغرم القطاع العام والناس.
5- رغم أن مفهوم التنمية هو مفهوم اجتماعي اقتصادي، الا أننا، مع العولمة والمنافسة والسعي لتحقيق معدلات نمو عالية، غالبا ما نجد تركيز برامج وخطط التنمية ينصب على الجانب الاقتصادي المادي الصرف، مما ولد عواقب اجتماعية وثقافية وبيئية مختلفة، ولابد للقطاع الخاص باعتباره شريكا اقتصاديا عتيدا من تحمل العبء الاجتماعي والبيئي المترتب على شراكته الاقتصادية.
6- اقليميا، تمر مجتمعاتنا بتغيرات سريعة في مختلف المجالات، وتفرز ما يعرف بـ «مشكلات التغير السريع»، وهي مشكلات معيشية وحاجات اجتماعية وثقافية وسكنية وصحية وبيئية، ومن غير العدل اخلاء طرف الشركات الخاصة منها، فهي جزء لا يتجزأ من مسؤولية الشركات الخاصة تجاه المجتمع الذي تحقق أرباحها ونجاحاتها فيه ومنه.
7- ان القيام بالمسؤولية الاجتماعية عدا عن أنه يحقق التوازن بين التقدم الاقتصادي الربحي والتقدم الاجتماعي الانساني، فهو في نفس الوقت، اذا فكرنا عميقا في مآله، استثمار مربح للشركات نفسها لأنه في النتيجة يدعم الاستقرار الاجتماعي اللازم للعمل، ويعزز قدرة المجتمع والناس على الاستهلاك، ويلون صورة الشركة بالخير لدى الناس المستهدفين بالاستهلاك.
فأين شركات القطاع الخاص في بلادنا من هذه المسؤوليات الاجتماعية الأخلاقية الوطنية الهامة؟ وما الذي تخصصه شركة كذا، ومؤسسة فلان، ومصانع زيد وشركاه، من أرباحهم لنظافة وتجميل البيئة في مجال عملهم، أو للنشاط الثقافي أو مساعدة المسنين او الفقراء... الخ في محيطهم؟
نعلم أن هناك قليلاً من الشركات تقوم بنشاطات اجتماعية يمكن ادراجها في نطاق مايقصد بالمسؤولية الاجتماعية، ولكنها نشاطات غير منظمة وغير ممأسسة، فكيف يمكن ترسيخ ثقافة المسؤولية الاجتماعية لشركات القطاع الخاص وجعلها معياراً مؤسساتياً ، وجزءاً من النشاط الاقتصادي الكلي للشركات؟
ألا يمكن التفكير بهيئة مشتركة حكومية وأهلية تضع نوعاً من النظام للمسؤولية الاجتماعية، أو شكلاً من التنسيق بين الشركات والحكومة والجمعيات الخيرية في أداء المسؤولية الاجتماعية تجاه وطننا وبيئتنا وناسنا، وتحديد المجالات والأولويات في هذا الصدد؟ ولم لا؟
لماذا لا نفكر في امكانية وضع ميثاق للمسؤولية الاجتماعية للشركات الخاصة في بلادنا؟ ميثاق يدمج المسؤولية الاجتماعية ضمن استراتيجية عمل الشركات بدلاً من القيام بها كنشاطات منفصلة.
نعلم أن الشركات تفكر في أرباحها وأن تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار يعني اطلاق الحرية والطوعية في العمل، ولكن ثقافة المسؤولية الاجتماعية والوعي الايجابي بها، عدا عن كونها تعبير عن الاحساس العالي بالانتماء الوطني، فانها مفيدة ربحياً للشركة نفسها، اذ انها تجمّل صورة الشركة وأصحابها، بحيث يرتد ما ينفقوه في نشاطات انسانية واجتماعية وثقافية غير ربحية، سمعة طيبة وربحاً أكيداً.

د. سمير ابراهيم حسن


منقول عن إحدى الصحف السورية بتاريخ 18-7-2010

امير المحبة
22-Jul-2010, 11:28
شكراً على هل المشاركة

هايل القنطار
12-Aug-2010, 01:14
أمير المحبة ، شكرا على مرورك0

amani"
19-Aug-2010, 12:24
الله يعطيك العافيـــــــــــة

مشاعل..
30-Aug-2010, 03:52
الله يعطيك العافيه

هايل القنطار
31-Aug-2010, 03:19
أماني ومشاعل شكرا لمروركما