المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الثقة بالفقراء: المدير التنفيذي لكرامين يؤمن بجعل الفقر أساسا للمسار المقاولاتي



احمد الشريف
27-Mar-2010, 01:59
إن الجميع تقريبا يود تقديم يد العون للفقراء وسط عالم يبحث فيه العديد من الناس عن تحقيق أرباح مقابل استثمار أموالهم بنسب مئوية تتراوح بين ۱۰ ٪ و ۲۰ ٪ و ۳۰ ٪ أو ما يزيد في الوقت الذي يأبى فيه أناس آخرون إلا أن يمنحوا للفقراء رغم أن عائدهم لا يعدو أن يكون "سلبيا بنسبة ۱۰۰ ٪" حسب ما جاء به أليكس كاونتس رئيس مؤسسة كرامين و مديرها التنفيذي الذي يتفانى في الأنشطة الرامية لانتشال الناس من براثن الفقر من خلال تقديم قروض لهم لكي يتمكنوا من إنشاء مشاريع صغرى.

و يبدو أن القليل من الناس يأخذون بعين الاعتبار المسار الوسط الذي يقوده مصرف كرامين٬ المؤسسة التي أحدثت ثورة في أساليب التعاطي مع آفة الفقر من خلال منح قروض للفقراء٬ حيث ساهمت القروض التي قدمها مصرف كرامين في مساعدة الناس و أغلبهم من النساء البنغلادشيات على شراء الحيوانات و افتتاح محلات للأكل و اقتناء هواتف التي يمكن لمالكيها تأجيرها لدر الأرباح. ترى لماذا تركز معظم برامج القضاء على الفقر على الطابع الخيري للمنح أكثر منه على مساعدة المقاولين؟ و يقول كاونتس أن مرد ذلك يكمن في أن الناس الذين يتمتعون بامتياز نسبي يفترضون أن الفقراء يفتقدون للتعليم و التجربة اللازمة لتحقيق النجاح في مجال الأعمال.

و قد أقدم كاونتس لدى حديثه مؤخرا في إحدى المحاضرات التي تلقى في إطار سلسلة من المحاضرات تدعى التأثير الاجتماعي لكولمان٬ على حث الحضور على إعادة النظر في المفاهيم التي تنظر للفقراء على أنهم عاجزين عن إنشاء مشروع ما و إدارته٬ إذ يقول كاونتس إن العيش على دولار أو دولارين في اليوم يعزز من تصميم الفرد و قدرته على الخلق و التدبير٬ و هذه هي المهارات نفسها التي تميز المقاول الجيد. و يمضي قائلا «فأولئك الذين نشئوا منا في بيئة ميسورة يقللون من قدرات الفقراء و ما يتم تعلمه في نموذج البقاء»٬ مضيفا أنه لم يسبق له أن رأى إعلانا يقول "المساعدة مطلوبة" في أفقر قرى العالم٬ فالفقراء إما يشتغلون لأنفسهم أو لا يشتغلون قط.

و غالبا ما يدرج كاونتس هذه القصة في معرض حديثه عن تجربة مصرف كرامين في القطاع التجاري المرتبط بالهواتف النقالة: عندما قرر محمد يونس مساعدة النساء في القرى الفقيرة الصغيرة الواقعة في بنغلاديش على إنشاء المشاريع من خلال إقراضهن أموالا لشراء هواتف خلوية لكي يحاسبوا جيرانهم مقابل خدمة استعمالها٬ و قد قال له العديد من الناس أن هذه السياسة ستأبى بالفشل٬ إذ كانت تسود ظنون مفادها أن هذه النسوة تفتقر للتعليم الذي يسمح لهن بإتقان استعمال هذه الهواتف النقالة في مدة وجيزة. و مع ذلك أطلق يونس هذا المشروع و اضطلع على أحوال النسوة بعد ذلك٬ حيث سأل إحدى النساء كم تطلب منك الأمر لمعرفة كيفية تشغيل الهاتف. و أجابته المرأة قائلة « أحسب أن الهاتف الذي تتوفر عليه بالغ التعقيد» و استطردت قائلة «إن هاتفي لا يتوفر سوى على ۱۰ أرقام و لذلك لم يستغرق الأمر إلا ۱۰ دقائق لكي أستهل تجارتي. أستاذ يونس ينبغي عليك أن تحصل على مثل هذا الهاتف».

و حسب كاونتس فمصرف كرامين ظل ربحيا منذ سنة ٬۱۹۸۳ غير أنه لا يتبع المنطق المتعارف عليه بخصوص المحاسبة على حد ما سيتحمله السوق٬ حيث أن «الأستاذ يونس يقول عندما تقرض الفقراء فان الأمر الذي ينبغي عليك فعله هو استعادة تكاليفك».

التعلم من خلال النزول إلى الميدان

لقد تعلم كاونتس التمويل الأصغر من يونس الذي أنشأ ما أضحى يسمى بمصرف كرامين سنة ۱۹۷٦ معتقدا أن منح القروض الصغرى إلى أفقر سكان العالم سينتشلهم من وضعية الفقر. كما أن البنك عمل على تشجيع مؤسسة كرامين التي أسسها كاونتس سنة ۱۹۹۷ بتمويل ريعي وصلت قيمته إلى ٦۰۰۰ دولار أمريكي. غير أن المؤسسة و البنك يعتبران جهازين مختلفين٬ حيث تقوم المؤسسة بدعم شبكة من المؤسسات التي تعنى بالقروض الصغرى من خلال توفير برامج تعليمية و مالية و دعم تكنولوجي. و يرعى مصرف كرامين مجموعة من البرامج المماثلة التي تقرض مبالغ مالية بسيطة للمعوزين لإنشاء المشاريع بما في ذلك بيع منتجات الصناعة التقليدية و المنتجات الغذائية و الخدمات. و قد ساعد المقترضين على اقتناء جميع الأشياء من الماعز في بنغلاديش إلى مجففات الشعر بمحلات الحلاقة في منطقة الكوينز بولاية نيويورك. فزبائن البنك يقترضون حوالي ۱۰۰ مليون دولار أمريكي شهريا و سدادها بالكامل يكون بنسبة ۹۹ ٪.

و قد عمق كاونتس دراسته للتمويل الأصغر بعد تحدثه مع آلاف المقترضين. كما عمل بنصيحة يونس عندما كان طالبا في جامعة كورنيل و تعلم اللغة البنغالية لكي يتمكن من فهم الثقافة و السكان على نحو أفضل.

وعقب تخرجه و حصوله على شهادة في علم الاقتصاديات سنة ٬۱۹۸۸ التحق كاونتس ببرنامج فولبرايت كباحث في بنغلاديش التي عمل بها لصالح بنك كرامين. كما تقلد بعد ذلك منصب المدير التشريعي بريزالتس و هي حملة شعبية دولية ضد الجوع٬ و شغل أيضا منصب المدبر الجهوي لمنظمة كاير- بنغلاديش لمدة عامين. و قد أظهرت له تلك التجارب أن النجاح يأتي ببطء و في بعض الأحيان يتطلب الوصول إلى ذلك أكثر من جيل. «و هناك القليل من النجاحات التي تحقق بين عشية وضحاها٬ إذ يعد على الأصابع عدد الأشخاص الذين يبدءون نشاطا تجاريا ما و يتمكنون بعد ستة أشهر من الخروج من دوامة الفقر. بيد أنه نرى بالتأكيد مستويات عيش ترتفع ببطء لكن بثبات بالنسبة لأولئك الذين شملهم التمويل الأصغر». و تدعم العديد من الدراسات المتواجدة في الموقع الالكتروني لمؤسسة كرامين هذا الطرح.

و رغم المدح المتزايد الذي تحظى به مؤسسة كرامين و مجال التمويل الأصغر بصفة عامة٬ قال كاونتس هذا القطاع لازال في مراحله الأولى و يستطرد قائلا « لقد سمعت الناس يقولون أن أبواب حدود الابتكار في مجال التمويل الأصغر قد صدت».

و يضيف كاونتس قائلا « قطع مجال التمويل الأصغر أشواطا طويلة لكن ينبغي انجاز المزيد». و قبل عدة سنوات قال أحد أساتذة الاقتصاد لطلابه أن نصف ما قد يتعلمونه في المدرسة هو خاطئ٬ لكن لم يعرف أحد أي نصف يقصد. ويقول كاونتس أن مجال التمويل الأصغر يبقى نسبيا فتيا بالمقارنة مع يتم تدريسه في المعاهد الاقتصادية. « يمكنني أن أؤكد لك أن ثلثي ما نعتقد به و يعد ممارسة جيدة يفتقر للصواب لأن التمويل الأصغر يمتد تواجده لعقود فقط».

نسب فائدة مرتفعة

رغم تزايد التنافسية في مجال التمويل الأصغر يقول كاونتس « أن سعر القرض مرتفع جدا لكن نسبا من قبيل ٤۰ إلى ۵۰ ٪ تبقى مألوفة إذا تم التعبير عنها كنسب مئوية سنوية ». و يضيف قائلا أنه رغم أن هذه النسب لازالت تتفوق على أنواع أخرى من القروض الصغرى المتوفرة للفقراء إلا أنه يجب أن تخفض صناعة التمويل الأصغر من مستويات النسب. و هناك مشكل آخر يتمثل في أن كل مؤسسة تستعمل تكنولوجيتها الخاصة بها مما يتسبب في الحيلولة دون تواصل المنظمات التي تعنى بالتمويل الأصغر٬ حيث يقول كاونتس « إن الأمر كما لو أن الجميع يقول نحتاج لوضع برنامج معالجة للنصوص خاص بنا». كما يحتاج المستفيدون من القروض الصغرى إلى أساليب متجانسة لقياس نسبة الأرباح. « يجب أن نقطع طريقا طويلا لمعرفة طبيعة الخط الاحتياطي الحقيقي لقطاع التمويل الأصغر٬ حيث أن الكل كان يقول أن القروض كانت مربحة لكن يستعملون أية وحدة قياس للحصول على هذا المعطى». و يمكن للبيانات المتجانسة أن ترسم صورة أوضح حول ما إذا كانت القروض الصغرى تساهم في الخفض من معدل الفقر وفي حدود أي نسبة. بالإضافة إلى ذلك٬ بدأت الصناعة بالكاد تأخذ بعين الاعتبار أثرها البيئي.

و لقد قارن كاونتس وضع الصناعة بوضع الانترنيت في مراحلها الأولى٬ إذ كلما قام الناس بتطوير أساليب جديدة لاستعمال الانترنيت كلما تزايد عدد الأساليب المربحة غير المتوقعة. «و تعد البنية التحتية الرامية للرفع من أداء التمويل الأصغر ضخمة على نحو تفوق به كل التوقعات في هذا الصدد»٬ إذ تمثل أكبر حافز دولي للفقراء في تاريخ العالم». وتنبأ بأنه خلال عقود من الآن سينظر الناس للنظام التمويل الأصغر و سيعتبرونه بطيء "بشكل سخيف" على غرار الاتصال بشبكة الانترنيت عبر الهاتف الذي تقادم بفعل الزمن.

قال كاونتس أن مؤسسة كرامين شاكتي٬ وهي مصرف فرعي يقوم ببيع أنظمة الطاقة الشمسية للفقراء الذين يقيمون في المجال القروي ببنغلاديش٬ استفادت من نموذج التمويل الأصغر على نحو يتميز بالابتكار. وتقوم كرامين شاكتي بتدريب النساء و توظيفهن كمتخصصات تقنيات لصيانة هذه الأنظمة. في البداية ظن مؤسسو شركة الطاقة أنهم سيعملون عملا جيدا إذا تمكنوا من نصب ۱۰۰ نظام شمسي٬ والآن و قد مرت ۱۰ سنوات يعمل كرامين شاكتي على نصب آلاف من الأنظمة شهريا. و من بين فوائد النظام الشمسي أنه يخفض من نسبة التلوث الهوائي الداخلي و يسمح للأطفال بالدراسة ليلا. و على غرار البنك٬ حققت شاكتي نجاحا بفعل مهارة القرويين الفقراء. و قال كاونتس أن «الأشخاص الذين يديرون كرامين شاكتي ليسوا بمهندسين و لا حتى ببنكيين».

هل أسدد مقابل الاستفادة من الرعاية الصحية "عندما أكون في صحة جيدة؟"

يقتضي التمويل الأصغر الناجح في معظم الحالات أن يخضع للاختبار في إطار نماذج اقتصادية. فعندما حاول مصرف كرامين توفير تأمين صحي للفقراء مقابل مبلغ سنوي بسيط و مبلغ إضافي يؤدى عند زيارة الطبيب٬ لم يكن الفقراء سعداء جدا بذلك٬ حيث قالوا « لماذا يجب علي أداء مبلغ ما في الوقت الذي أكون فيه في صحة جيدة؟»٬ لكن قلنا لهم «حسنا لديك حسابات توفيرية. ماذا عن اقتطاع ۳ دولارات أمريكية كل شهر؟». و كان لهذا التغيير الأثر البالغ في جعل عدد لا بأس به من الناس يشترون التأمين حيث أن البرنامج الآن يستعيد تقريبا كل تكاليفه. و يقول كاونتس أن تجربة كرامين تنسجم مع البحث الاقتصادي٬ إذ تظهر أن الناس يقدمون على الإنفاق عندما تعمل الشركات على إقصاء عملية الأداء الشخصي للمبلغ النقدي.

و بالإضافة إلى مساعدة الفقراء على كسب الأموال يعمل بنك كرامين على جعلهم مالكين٬ إذ يتوفر المستفيدون من القروض البنكية على تسعة مقاعد من مجموع ۱۳ مقعدا الموجودين في مجلس المدراء و يعتبر كل مقترض صاحب أسهم. وقد صرح كاونتس قائلا أن هذا يضفي شعورا بالفخر حيث أن إحدى المقترضات و صاحبات الأسهم وصفت نفسها على أنها حائزة على جائزة نوبل بعد أن فاز المصرف و يونس بهذه الجائزة سنة ۲۰۰٦ على خلفية إنشاء مشروع كرامين.

و تمثل النساء أكثر من ۹۰ ٪ من المقترضين من مصرف كرامين. فعندما بدأ يونس مشروع البنك ظن أن نصف المقترضين يجب أن يكون من النساء لعكس عددهن في المجتمع. غير أنه مع مرور الوقت لاحظ أن النساء كانوا يسددون مبالغهن بانتظام يفوق أداء الرجال؛ كما أن النساء يحرصن على مساعدة عائلاتهن من خلال الأرباح التي يقمن بجنيها؛ لذلك كان بمقدور القروض التي تمنح للنساء اجتثاث ظاهرة الفقر٬ الأمر الذي دفع البنك إلى البحث عن المزيد من النساء لضمهن لقاعدة زبائنه. و قد ساهمت هذه الخطوة في الرفع من شأن المرأة في المجتمع٬ إذ تعيش البنغلادشيات تحت تهديد الطلاق؛ فحين تفشل زيجاتهن يكون عليهن في الغالب العودة لبيت آبائهن و يصعب عليهن الزواج من جديد. غير أنه للحصول على قرض٬ يقول كاونتس يجب على المرأة في معظم الحالات التوفر على بعض الأملاك باسمها٬ إذ عندما تحوز المرأة على حقوق الملكية « يمكن للفرد تخيل التغيير الذي يكون لذلك على ملامح الديناميكية السائدة في البيت