المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ثقافة الاعتذار



nouf26
14-Dec-2009, 04:30
ثقافة الاعتذار
مقالة نشرت للكاتب عصام تليمة بمجلة الوعى الاسلامى الكويتية
العدد 529- بتاريخ 11-11-2009



خلق الله الإنسان من عنصرين اثنين: الطين والروح، يقول تعالى: {إنا خلقناهم من طين لازب} (الصافات ـ 11)، ويقول: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} (ص: 72)، فالطين وهو يمثل العنصر الأرضي في الإنسان، فإذا غلب عليه هذا العنصر، هبط الإنسان وارتكس إلى الأرض، وغلب عليه طابعه البشري، الذي أصله الضعف والخطأ. وإذا غلب جانب الروح ـ روح الله ـ سما وارتقى، وحلق في أجواء من الروحانية والسلوك السامي. وقد خلق الله الإنسان ومن طبيعته الخطأ، فهو ليس مخلوقا ملائكيا {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} (التحريم ـ 6)، بل هو بشر ليس معصوما من الخطأ، يقول تعالى: {وخلق الإنسان ضعيفا} (النساء ـ 28)، ويقول (صلى الله عليه وسلم): «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون». ولفظ كل هنا دلالة على أنه ما من أحد يسلم من هذا الأمر، الخطأ، أيا كان نوع الخطأ ودرجته.
كما أن الإسلام يقسم الحقوق إلى نوعين من الحقوق: حق الله تعالى، وحق العباد، فحق الله موكول أمره إلى عفو الله ومغفرته عند خطأ الإنسان، أو تقصيره في جنب الله سبحانه وتعالى، وحق العباد، وهو ما يحدث بين بني البشر من تظالم، وتحاقد، وأخطاء تنتج جراء التعامل، ودخول الشيطان بالوسوسة وإفساد ذات البين بين الناس.


ثقافة الاعتذار في التشريعات
لقد شرع الإسلام عدة تشريعات؛ هي في حقيقتها اعتذارات، ليغرس بذلك في نفس المسلم خلق وثقافة الاعتذار، فالعبادات* مثلا* نجد فيها أموراً من هذا الباب، فإذا صلى المسلم في صلاته، وسها فيها لانشغاله بعرض من أعراض الدنيا ألهاه، وفقد خشوعه وتركيزه في الصلاة بين يدي ربه، فنسي ركوعا، أو سجودا، أو ما يكون من شأن الإنسان من نسيان في الصلاة، سَنَّ الإسلام علاجا لهذا الخلل والخطأ، فشرع (سجود السهو)، وهو اعتذار لله عز وجل من المسلم الذي بدر منه تقصير بنسيان، بزيادة أو نقص، أو تقديم أو تأخير.
والناس في تعاملهم في الحياة العامة كثيرا ما يخطئون، أو يضطرهم أسلوب الحياة الذي أصبح مصبوغا بأسلوب التجارة، وانعدام الثقة بين الناس، فانتشر بين الناس: الإكثار من القسم بالله، رغم نهي الله عزوجل عن الإكثار من القسم فقال: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم} (البقرة ـ 224).
ومن ألوان الاعتذار التي في التشريع الإسلامي: دية القتل الخطأ، فحينما يقوم إنسان بارتكاب حادث طريق* مثلا* ينتج عنه موت إنسان، فعليه تقديم اعتذار لأهل المتوفَّى، وهو اعتذار في صورة تعويض مادي، اعتذارا منه عن خطئه، يقول الله تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا: فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله، إلا أن يصدقوا، فإذا كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة، وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله، وتحرير رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله، وكان الله عليما حكيما} (النساء ـ 92).


نماذج من اعتذارات الأنبياء
ليس هناك أرفع مقاما، وأعلى درجة من رسل الله وأنبيائه، {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} (البقرة ـ 253)، لقد ذكر القرآن الكريم نماذج كثيرة من الاعتذار، وذكر لنا نماذج لاعتذارات من أنبياء الله ورسله، وذلك ليقتدي بهم المسلم في الاعتذار عند الخطأ، أو ارتكاب ما يوجب عليه الاعتذار، وهم خير بشر خلقهم الله تعالى، والذين طلب الله إلينا أن نقتدي بهم، {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} (الأنعام ـ 90)، وقد أردنا بوقوفنا على اعتذاراتهم لكي لا يتعلل أحد بكبر مقامه، ولا بعلو مكانته، ولا برفيع منصبه، ليعتذر عندما يصدر منه الخطأ، فقد اعتذر خير خلق الله جميعا: رسل الله وأنبياؤه.
اعتذار محمد(صلى الله عليه وسلم) وقص علينا القرآن الكريم موقفا لاعتذار النبي (صلى الله عليه وسلم) في موقف مع رجل كفيف هو عبد الله بن أم مكتوم في مكة في أول عشر آيات من سورة عبس.
والمتأمل للآيات الكريمات ويقف أمامها وقفة متأنية يجد عجبا، وهي خير مثال على شفافية الإسلام، ونموذج واضح لعتاب الله لنبيه (صلى الله عليه وسلم)، فـ (عبس) كما بين المفسرون: أي كلح، وهي حركة وجهية، لا يراها إلا المبصر، وابن أم مكتوم كفيف لا يرى، أي أن تحقق الأذى له لم يحدث، ولم يشعر بعبوس وجه النبي (صلى الله عليه وسلم)، فلماذا إذن يتنزل العتاب على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في قرآن يتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؟ وكان يكفي أن يترضى ابن أم مكتوم بكلمة تطيب خاطره على جانب، وفي الخفاء، إلا أن الله يريد للأمة أن تتعلم من هذا الموقف من حياة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الشجاعة الأدبية في الاعتراف بالخطأ، وفي علاج الخطأ بالاعتذار اللائق بمن أخطأنا في حقهم.


ثمرات الاعتذار
إن فضيلة الاعتراف بالخطأ، والاعتذار عنه، لها ثمار يجنيها المسلم، منها:
رضا الله عز وجل، فالله سبحانه يرضى عن عبده الذي يقف بين يديه معتذرا معترفا بخطئه، وتقصيره في جنب الله، بل يفرح الله لتوبته وأوبته.
ـ إنهاء الخصومات التي تحدث بين الناس، فكثيرا ما يدخل الشيطان بين الناس بخطأ شخص منهم، أو طرف في حق الطرف الآخر، وبالاعتذار من الطرف المخطئ تنتهي الخصومة، يقول تعالى: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم} (فصلت: 34ـ 36).
ـ إشاعة روح الإخاء، فالمسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يسلمه، و«مثل المسلمين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، وتآلفهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».


ما يعين على الاعتذار
إن الاعتذار عن الخطأ أمر عسير على النفس، إلا النفس القوية المؤمنة التي تحصنت بقوة إيمانها، ومراقبتها لربها سبحانه وتعالى، ومما يعين المسلم على أن يكون إنسانا شجاعا قويا على مواجهة أخطائه، والاعتذار عما بدر منه، عدة أمور عليه أن يقف عليها، ليقويها حتى تكسبه مناعة وقوة ذاتية تجعله قادرا على أن يبادر بالاعتذار عن خطئه عند وقوعه، منها:
ـ معرفة أجر الاعتذار، فربما منع البعض عن الاعتذار عن الخطأ، عدم معرفته بأجر المعتذر، وأن الله يجب عن المعتذر الذي أخطأ في حق الله ما كان من ذنب، يقول تعالى: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما} (الفرقان ـ 70).
ـ إشاعة ثقافة الاعتذار، في زمن عز على الناس أن يقفوا مع أنفسهم وقفة حساب طويلة، وذلك يكون بذكر قصص الأنبياء والمرسلين في اعتذاراتهم، وفي مواقف الصحابة واعتذار بعضهم لبعض، ومواقف الكبار من السلف الصالح، وقبل ذلك كله، بإشاعة نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة التي تحث على الاعتذار، وتبين أجره، وفضله.
ومما يعين المسلم على الاعتذار: مراقبة الله سبحانه وتعالى، فلو استشعر أن الله مطلع عليه، وعارف ببواطن أموره وظواهرها، لخاف الله، واستحضر عظمته في قلبه، وعلم أن الله المطلع عليه لا يقبل بأن يتمادى في الخطأ سواء في حق ربه الذي خلقه فسواه، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنه.


موانع الاعتذار
إذا وقفنا على ثمرات الاعتذار، وما يعين المسلم عليه، فلا شك هناك موانع وحواجز تقف حائلا بين الإنسان واعتذاره عند الخطأ، من هذه الموانع:
ـ الجهل، وهو آفة خطرة، تجعل ركاما من العناد والمكابرة في عدم الاعتراف بالخطأ، فالخطأ لا يقدح في شخصه، وأن من طبيعته الخطأ، فجهله بطبيعته كبشر وأصله الخطأ، «كل بني آدم خطاء»، وطبيعة الإنسان النسيان، وهذا يترتب عليه الخطأ، والتقصير، مما يستوجب الاعتذار ومعالجة الخطأ بما يتناسب معه، وينهيه، وجهله بدينه الذي يوجب عليه الاعتراف بالخطأ، وجهله بأجر الاعتراف بالخطأ والاعتذار.
ـ الكبر، فهو يغرس في نفس صاحبه الغطرسة، والبطر، وعدم الاعتراف بحقوق الناس في حفظ كرامتهم، وعدم المساس بهم، فهو يرى نفسه فوق الناس، فقد منع الكبر إبليس من إطاعة أمر الله في أن يسجد لآدم، يقول تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس} وكان المانع الذي منعه {أبى واستكبر} (البقرة ـ 34).
ـ الخوف من النقد من الموانع التي تمنع الإنسان من تقديم الاعتذار عند الخطأ: الخوف من النقد، فهو يخشى أن يعتذر فيكون ذلك مدعاة لنقده، بأنه إنسان يخطئ، وينسى هذا المسكين أنه باعترافه يرتفع عن النقد، ويغلق بابا كبيرا من النقد الهدام في شخصه لو بادر واعتذر، وكان السلف الصالح دوما يرفعون هذا الشعار: مرحبا بالناصح أبد الدهر، وهل ينصح الإنسان إلا بما فيك من نقص، وما يبدر منك من خطأ، فقد يمنع الإنسان من الاعتراف بالخطأ، أن يشار إليه بأنه كثير الخطأ، وهو يجهل أن الاعتراف بالخطأ من شيم الشجعان خلقا، الأقوياء دينا، القريبين من ربهم سبحانه وتعالى، الخائفين منه، الطائعين له.


حاجتنا إلى ثقافة الاعتذار
إن حاجتنا إلى ثقافة الاعتذار، وغرسها وتعميقها في مجتمعاتنا وبيوتنا، وهيئاتنا، أمر مُلِح، وأمر نحتاج إليه إن أردنا النهوض، وإن أردنا رضا الله عز وجل، والرفعة لديننا، والنهضة لمجتمعاتنا، فهو يغرس فينا المسؤولية، والوقوف على ما فعلنا من خير فنستمر، وما بدر منا من خطأ فنقيمه، ونقومه، نقيمه بمقياس النقد الذاتي، ونقومه بوسائل العلاج التي رسمها لنا الإسلام، والمجتمع الذي يفقد خلق الاعتذار، ويكابر فيه الجميع، مجتمع يخسر دينه ودنياه.
نحتاج في بيوتنا إلى ثقافة الاعتذار، كم من زوج أخطأ في حق زوجه، وكان يكفي لعلاج خطئه كلمة، بل كليمة، تضمد الجراح، وتقضي على بذرة الشقاق التي يبذرها الشيطان، ونحتاج أن نمارسها كآباء مع أبنائنا، كم من وعد وعدناه لأبنائنا بهدية أو بجائزة، ولم نتمكن من إنجاز الوعد، وكان يكفي الطفل كلمة حلوة تعتذر عن تأخر الوعد، وتعد بإنجازه عند الاستطاعة.
إن الاعتذار كلمة، لكن لها مفعول السحر على النفوس، تلين بها القلوب الغليظة، وتمحو خطأك نحو الناس مهما كان، فكم من كلمة أوقدت حربا ونارا، وكم من كلمة اعتذار قصيرة أطفأت نار حقد وخصام يأكل الأخضر واليابس:MH51:].

أمين محمد الشنقيطي
15-Dec-2009, 12:00
نقل موفق بارك الله فيك.

منال عبد المنعم سالم
15-Dec-2009, 05:26
اهلا مرحبا بك نوف سعداء لوجودك معنا وانضمامك لاسرتنا

بدايتك معنا تعلن عن بزوغ نجم جديد في اسرتنا موضوعك رائع ومميز

ونقلك موفق وطرحك جميل

فعلا الاعتذار يحقق الالفه بين الناس ويزيد الاربتباط

شكرا لك بارك الله فيكي وجزاكي كل الخير