المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رمضان في أزقة القدس يحكي قصة مدينة



abuaker
03-Dec-2009, 08:49
رمضان في أزقة القدس يحكي قصة مدينة

2003/11/13

القدس - مها عبد الهادي
http://www.islamonline.net/arabic/adam/2003/11/images/pic07b.jpg
صلاة التراويح في المسجد الأقصى

كان "أبو أنس" يجلس في زاوية مظلمة من زوايا المسجد الأقصى المبارك يقرأ في صفحات من القرآن تحول لونها إلى الأصفر بعد طول السنين التي مرت عليها، وبعد أن تنقل بين أيدي عشرات الآلاف ممن أمّوا المسجد الأقصى طوال العقود الماضية.
في تلك الدقائق القليلة التي كانت تفصلنا عن موعد الإفطار كان "أبو أنس" يستعد لتناول "وجبة شهية"، كانت عبارة عن كأس ماء و3 حبات من التمر وصحن شربة خضار مع صحن من السلطة العربية وكأس لبن. أما العصير فهو شراب "التمر الهندي" الذي لا تكاد تخلو منه أي مائدة فلسطينية خصوصا في رمضان حيث يزيل هذا الشراب الشعور بالعطش بعد يوم طويل من الصيام.

روحانية الأقصى

يقول "أبو أنس" -وهو يستعيد ذكرياته معنا-: إنه اعتاد منذ 5 سنوات على مداومة الإفطار طوال شهر رمضان المبارك في باحات وساحات المسجد الأقصى المبارك لما يجد من أجواء روحانية تبعد الإنسان عن هموم الدنيا وملاهيها -على حد تعبيره-، منوِّها أن فيها ما يغنيه عن فقدان الجو العائلي خلال أيام الشهر الفضيل.
ويضيف الشيخ الجليل الذي جاوز الثامنة والسبعين عاما أن ذكريات الطفولة في رمضان تختلف كلية عما يعيشه الآن، وذهب "أبو أنس" بنظره إلى ذلك الماضي، وقال: إن الأطفال والرجال والنساء كانوا في تلك المدينة المقدسة يحتفون برمضان قبل بدء أيامه بأسبوع؛ حيث كانت التحضيرات وسهرات العائلات والكل في انتظار ذلك الضيف المحبب إلى النفس.
ويتابع أن أجواء رمضان كانت بسيطة، لكنها تجلب السعادة أكثر من هذه الأيام على الرغم من أن كل ما يتمناه الإنسان يجده الآن، ومأكولات رمضان –برأيه- كانت متميزة وبسيطة، ولا يوجد فيها الأرز واللحم إلا النزر اليسير، عندما يكون هناك ضيوف فقط؛ لقلة ذات اليد عند الكثير من العائلات.

سُفرة رمضان
http://www.islamonline.net/arabic/adam/2003/11/images/pic07.jpg
موائد الرحمن في باحة الأقصى

وما يميز سفرة رمضان البسيطة أيام زمان "الشربات" البسيطة مثل العدس والفريكة المعدة في البيت والسلطات العربية والخضار "البعلية" التي تشوى على "الطابون" فيما تحوز "القطائف" (حلوى فلسطينية) منذ عقود على اهتمام الجميع؛ حيث كانت النساء في الماضي تعدها في البيت.
ويأخذ "أبو أنس" على الكثير من العائلات اليوم المبالغة بمأكولات رمضان؛ ففي الماضي كانت الأسرة تكتفي بوجود صنف واحد للأكل يجد الجميع السعادة والبركة في تناوله، أما اليوم فتعج الموائد بشتى الأصناف، لكن السعادة تبقى محاصرة بالهموم الشخصية والهموم العامة.
و"أبو أنس" واحد من حوالي مائتي مسلم اعتادوا على قضاء شهر رمضان في أكناف الأقصى ينتظر بعضهم فيه موائد الرحمن التي يقدمها الموسرون من مختلف الأراضي الفلسطيني لتزيد من صمود الفلسطينيين في تلك المدينة المقدسة، خصوصا أنهم ملاحقون من قبل بلدية القدس بأشكال مختلفة من الضرائب التي لا تبقي ولا تذر.

اعتكاف العشرة الأخيرة

وعلى مسافة ليست بالبعيدة اعتاد "أبو إبراهيم" الذي تتحدث تجاعيد وجهه عن حياته قبل أن يتكلم عن الاعتكاف في الأيام العشرة الأخيرة من رمضان داخل باحات المسجد الأقصى المبارك، وخصوصا في المسجد المراوني (الجزء الجديد الذي تم ترميمه للأقصى) حيث تقل حركة الناس وأصواتهم.
و"أبو إبراهيم" من قرية "فقوعة" قضاء جنين يقول: إنه رغم عمره الذي جاوز السبعين فإنه يواجه صعوبة في الوصول إلى القدس؛ وهو ما يشجعه على المبيت لتجنب صعوبات التنقل.
ويعيش أبو إبراهيم على الوجبات الجاهزة التي تقدمها العديد من الجهات لصائمي الأقصى والتي تتكون يوميا من الأرز واللحم واللبن والعصائر.
فقد اعتادت العديد من المؤسسات -وعلى رأسها مؤسسة الأقصى لرعاية المقدسات والأوقاف الإسلامية، ومقرها مدينة "أم الفحم" داخل إسرائيل- على تقديم وجبات إفطار ضمن مشروعها "إفطار الصائم" لمختلف المتواجدين في أركان المسجد الأقصى، وخلال العام الماضي فقط قامت المؤسسة بتقديم 14000 وجبة.
وتقديم وجبات الإفطار لا يقتصر على الموسرين المسلمين؛ بل إن هناك أشكالا أخرى لموائد الرحمن هي موائد "إفطار الوحدة الوطنية الفلسطينية الإسلامية المسيحية" كتلك التي أقامها الأرشمندريت "د.عطا الله حنا" الناطق الرسمي باسم الكنيسة الأرثوذكسية في القدس والأراضي المقدسة في ساحات الأقصى على شرف عدد من العلماء والشيوخ والشخصيات الإسلامية المقدسية.
كما اعتادت مؤسسات أخرى على وضع برنامج يومي في ساحات الحرم القدسي الشريف؛ منها "لجنة التراث الإسلامي" التي تقيم برنامجا يوميًّا في ساحات الحرم القدسي، يتخلله إعطاء دروس يومية وإقامة صلاة التراويح، وتقديم وجبات إفطار مجانية يتراوح عددها بين 450-700 وجبة.
ويضيف السيد "ناجح بكيرات" -رئيس اللجنة والمشرف على البرنامج- أن البرنامج ممول من عدد من الجمعيات الإسلامية على رأسها "جمعية الهلال" في دولة الإمارات العربية، مشيرا إلى أنه سيستمر حتى نهاية شهر رمضان.

طرقات القدس العتيقة
http://www.islamonline.net/arabic/adam/2003/11/images/pic07a.jpg
عبق الصمود يغلف طرق القدس

وخلال تجوالنا في باب العامود ومحيطه، وعلى طول شارع السلطان سليمان.. لاحظنا مدى انتشار بسطات الباعة المتجولين الذين نشروا بضائعهم التي تشمل الملابس والسجاد والخضراوات، والفواكه والحلويات، والأدوات المنزلية، والألعاب وغيرها، وكل شيء يمكن أن يجده المواطن في الأسواق داخل البلدة القديمة.
وخلال تجوالنا في طرقات القدس العتيقة نكتشف إلى أي حد فشلت المحاولات الاحتلالية لتغيير الطابع العربي الإسلامي للمدينة المقدسة، وتهويد البلدة القديمة من القدس الشريف.
فالطابع العربي الإسلامي لا يزال طاغيا على أسوار المدينة المقدسة وأسواقها وبيوتها وأحيائها؛ فلا يستطيع زائرها إلا أن يشم عبق التاريخ العربي عند عبوره طرقاتها وأزقتها وزيارة مساجدها وكنائسها.
ويلاحظ الزائر للمدينة المقدسة وجود بعض التقاليد التي اعتاد المقدسيون وغيرهم من الزائرين ممارستها عند زيارتهم للقدس الشريف، خصوصا في رمضان. ومن ذلك توافد أعداد كبيرة من المقدسيين من يسيري الحال وزوار المدينة على تكية "خاصكي سلطان"؛ حيث اعتادوا منذ زمن بعيد تناول شربة "الدشيشة" المصنوعة من القمح المجروش مع الخبز، وهي وجبة يذكرها جميع أبناء المدينة المقدسة وزوارها؛ فهي تربطهم بتاريخهم العريق في المدينة، وتبقي على سمة محببة لديهم لم تستطع مئات السنين أن تغيبها عن المدينة.
وتقف تكية "خاصكي سلطان" في منتصف عقبة التكية من الجهة الجنوبية ما بين رباط "بايرام جاويش" من الشرق وسرايا "الست طنشق" من الغرب ضمن مبنى دار الأيتام بجوار المسجد الأقصى شاهدة على حضارة أنعشت المدينة على مدى تسعة قرون من الخلافة الإسلامية.
وتواصل التكية منذ أن أنشأتها "روكسيلانة" زوجة السلطان سليمان القانوني في العام 1552م تقديم وجبات من الشربة الساخنة واللحم واللبن في بعض الأحيان للفقراء والمحتاجين من أبناء المدينة وزوارها.
يؤكد "عدنان الحسيني" -مدير أوقاف القدس- أن التكية تضاعف ما تقدمه من وجبات خلال شهر رمضان المبارك لخصوصية هذا الشهر الفضيل، وزيادة أعداد الزوار الوافدين للمدينة؛ حيث تقدم الوجبات إلى حوالي 500 عائلة مقدسية يوميا، وما بين 1000 و3000 زائر، وبشكل خاص في ليلة القدر، تقدر كلفتها بنحو 5 آلاف شيكل.
وأضاف أن التكية توفر وجبة إفطار ساخنة مع سحور لكل من يقصدها حتى لا يحس أي من المقدسيين أنه محروم ويحس بآلام القهر والحرمان.
وتجمع تكية "خاصكي سلطان" في معانيها بين التراث والتاريخ والعادات الإسلامية المقدسية، وتساهم في مساعدة الفقراء والمحتاجين وتعمل على تحسين ظروف المقدسيين الصعبة التي خلفها الاحتلال.
وازدادت الحاجة إلى إعادة تنشيطها في هذه الأيام؛ حيث الظروف الصعبة التي يعيشها المواطنون بجوار المسجد الأقصى خصوصا وسائر فلسطين عموما.
وذكر أن ترميم التكية جاء لتجنب الضائقة الاقتصادية، وتثبيت المسلمين بجوار ثاني المسجدين وثالث الحرمين، وقطع الطريق على إغراءات هجرتهم من حوله.
وعلى الرغم من أن الأوقاف فقدت ريع وقف التكية بعد حرب 1948 حيث أوقعتها دولة الاحتلال تحت سيطرتها.. فإنها قامت بترميمها في عام 1990 وتنظيفها من المخلفات والأنقاض، موضحا أن الأوقاف تنوي ترميم أجزاء منها لم ترممها حال توفر المال من أهل الخير.

متشبثون رغم الملاحقة

وعلى غير عادته في كل عام بدا المسجد الأقصى المبارك شبه خالٍ من المصلين؛ بسبب إجراءات الاحتلال الإسرائيلي، بعد أن كان عدد المصلين يفوق في مثل هذه الأيام في العام الماضي نصف مليون مصل. فالمئات ممن نجحوا في دخول القدس من المواطنين المقدسيين ومواطني الخط الأخضر تعرضوا لتفتيشات استفزازية مكثفة ومتعددة.
ويعاني أبناء ضواحي القدس الذين حرمتهم سلطات الاحتلال من حق المواطنة، وسلبتهم الهوية المقدسية ممن يسكنون في مناطق: أبو ديس، وحزما، والعيزرية، والرام، وقلنديا، والسواحرة، وقرى شمال غرب القدس كثيرا في تأمين لقمة عيشهم؛ لمنعهم من دخول مدينتهم المقدسة.
وبخلاف السنوات الماضية منعت سلطات الاحتلال مواطني المحافظات الأخرى من دخول القدس لتأدية الصلوات في المسجد الأقصى المبارك في شهر رمضان الكريم؛ حيث كان يؤم المسجد في هذا الشهر من كل عام مئات الآلاف من المسلمين من محافظات غزة والضفة، وبينما كان يصل عدد المصلين في جُمع رمضان المبارك إلى نصف مليون مواطن؛ فإنه يقل عن عُشر هذا العدد في الشهر الحالي.
وعادة ما يقوم المصلون القادمون بالتسوق منها، ومنع هؤلاء من القدوم للصلاة شكّل عامل ضغط اقتصادي على المدينة.
ومن الأمور التي تعكس التغيير الكبير الذي حدث في رمضان الحالي في القدس غياب الوعاظ والعلماء الذين يفدون عادة على المدينة لإلقاء الخطب والدروس الدينية في المسجد الأقصى المبارك، خاصة مجموعة من العلماء الذين يحظون باحترام الجماهير الفلسطينية، ويحرص الآلاف على متابعة دروسهم، ومع ذلك فإن صمود المدينة وصمود أهلها سيكون الرد الحقيقي على كل من يحاول النيل منها.
اقرأ عن القدس والمسجد