المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القطاع الخاص العربي والمسؤولية الاجتماعية



احمد الشريف
10-Jun-2009, 01:17
القطاع الخاص العربي والمسؤولية الاجتماعية



أحمد حسين الشيمي



منذ أنِ انهارَ الاتحادُ السوفيتي في بداية تسعينيات القرن الماضي، وما تبعه من سقوط العقيدة الاشتراكية، وتبنِّي معظم الدول للرأسمالية، التي تقوم على إتاحة الفرصة للمنافسة السوقية كأساس للتنمية الاقتصادية، عَبْرَ رفعِ يد الدولة عن العديد من الأنشطة الاقتصادية؛ ليتولى القطاع الخاص عملية التنمية بمفهومها الشامل، سواء في الجانب الاقتصادي والاجتماعي، عبر تفاعله وتعاطيه مع المشكلات والقضايا المجتمعية والبيئية أيضًا.

دعم حكومي:

من هذا المنطلق يحظى دور القطاع الخاص في هذا الخصوص برعايةِ واهتمامِ الحكوماتِ العربية، فقد أكَّد محمود محيي الدين، وزير الاستثمار المصري، على أهمية مشاركة القطاع الخاص في حل مشاكل المجتمع، من خلال المسؤولية الاجتماعية التي بدأ القطاع الخاص يهتم بها في مصر‏، مشيرًا - بمناسبة توقيع بروتوكول تعاون بين مؤسسة القيادات العربية الشابة وإحدى شركات القطاع الخاص لربط التعليم بالحياة - إلى أن التنافس على الأعمال التطوعية بين شركات ومؤسسات القطاع الخاص، هو أمر مهم وجيد، مؤكدًا على أن هذه الشركات ملتزمة داخليًّا بقواعد ومبادئ المسؤولية الاجتماعية، وأهمها الالتزام بدفع الضرائب والجمارك، وتسديد القروض الخاصة بها، والالتزام بالجوانب الخاصة بالحفاظ على البيئة وحقوق العاملين.

وفي سلطنة عمان أيضًا يقوم القطاع الخاص والشركات الحكومية بدور اجتماعي ملحوظ في رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، وتقديم المساعدات لأصحاب الدخول المحدودة، ومساعدة الباحثين عن عمل، ورعاية المواهب، ودعم الأبحاث العلمية، باعتبار ذلك واجبًا وطنيًّا، وأن هذا الدور يتطور باستمرار لمواكبة التغيرات، والاهتمام المتزايد بمراعاة البُعد الاجتماعي في عملية التنمية، كما أنه يحظى بدعم هائل من حكومة مسقط؛ لتحقيق أفضل النتائج، بحسب تصريحات العديد من مسؤولي السلطنة.

وفي السياق ذاته أوضحَ نائبُ مدير بنك مسقط للعمليات المصرفية والاستهلاكية، سليمان الحارثي، أن بنك مسقط يواكب القضايا الاجتماعيةَ، وأطلق منذ عام برنامجَ: (فريق قلوب بنك مسقط) في هذا الإطار، مشيرًا إلى أن فكرة الفريق باختصار هي: جمع الأموال لمختلف القضايا الاجتماعية والبيئية، وتنظيم الفعاليات؛ لنشر ثقافة العمل التطوعي والجماعي.

وأضاف الحارثي: إن الأدوار الاجتماعية ليست ترفًا كما يعتقد البعض، أو بحثًا عن وجاهة اجتماعية؛ بل أصبحت جزءًا من حاكمية الشركات، بمعنى أن الشركات ورجال الأعمال مدينان للمجتمع بالنجاحات التي حققوها، وبالتالي ينبغي أن يُستقطع جزءٌ من أرباحهما لصالح خدمة المجتمع.

كما أطلق المؤتمر الوطني الأول للمسؤولية الاجتماعية في الأردن مؤخرًا مشروعَ بناء المنتدى الأردني لمسؤولية الشركات الاجتماعية؛ وذلك بهدف نشر ثقافة مواطنية الشركات، والممارسات الأفضل للمسؤولية المجتمعية، إلى جانب التعريف بالممارسات الأفضل للمسؤولية الاجتماعية على جميع الأصعدة، سواء كانت محلية، أم إقليمية ودولية، وتوفير بيئة وأدوات عمل محفزة للمبادرات الاجتماعية للشركات: مثل الشراكات، والتحالفات، والمشاريع المشتركة مع منظمات المجتمع المحلي ومؤسسات القطاع العام.

إن ذلك يؤكد أن المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص تمتد إلى خارج المؤسسة؛ إذ يحدد الباحثون محورين لهذه المسؤولية خارج المؤسسة، وهي الدور والأثر الاجتماعي على مستوى المجتمع المحلي، وعلى الأخص الذي تقع فيه المنشأة، والمساهمة في تنميته، ثم الأثر الاجتماعي على المستوى المجتمعي الأكبر، بزيادة الإنتاجية والفائض الاقتصادي، والمشاركة في تقديم الخدمات على هذا المستوى، وفي بناء البِنَى التحتية، وفي حماية البيئة.

ويكمل هذا الدور الاجتماعي على المستويين السابقين دور منظمات المجتمع المدني الرقابي، وخاصة النقابات، في حماية البيئة، وحماية المستهلك، وحقوق الإنسان مثلاً القانونية للعاملين، وتكمل هذا الدورَ الدولةُ بتشريعاتها، وبتدخلها عبر مؤسسات حكم القانون.

خطط غائبة:

وبرغم النجاحات التي حققها القطاع الخاص في دول عربية عديدة، في مضمار العمل الاجتماعي، بالنظر إلى أن مفهوم العمل الاجتماعي تطور بشكل كبير في السنوات الأخيرة، إلا أنه لا يتعدى المبادرات الشخصية، ويفتقر إلى التنظيم والارتباط بحاجات المجتمع، كما أن معظم الشركات تُقدِّم مساعداتها على شكل مَبالِغ مادية، مباشرة أو غير مباشرة.

وفي الإطار نفسه فقد ذكرت دراسة حديثة، أجرتها الغرفة التِّجارية الصناعية في الرياض، أن غياب الخطط والإستراتيجيات الواضحة لممارسة القطاع الخاص مسؤولياتِه الاجتماعيةَ، من أبرز المعوقات التي تواجه تفعيلَ دوره الاجتماعي.

وأشارت الدراسة التي جاءت تحت عنوان "سبل وآليات تفعيل المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص"، إلى وجود نقص في برامج التوعية على دور القطاع الخاص الاجتماعي، إضافة إلى ضعف التنسيق بين الجهات المنظِّمة للعمل الاجتماعي، فضلاً عن نقص في الحوافز المخصَّصة لأصحاب الأعمال لحفزهم على المساهمة في أداء المسؤولية الاجتماعية، داعيةً إلى إنشاء مجلس أعلى للعمل الاجتماعي، يضم في عضويته ممثلين للقطاع الخاص، يضع خططًا وإستراتيجياتٍ واضحةً، وأولويات لممارسة المسؤولية الاجتماعية، والتنسيق وإبداء المشورة للمنشآت، وضرورة نشر ثقافة المسؤولية الاجتماعية من خلال المنظمات المؤثِّرة في الأفراد، وفي مقدمتها المساجد، والمنشآت التعليمية، وأجهزة الإعلام، وإصدار نظام شامل ينظم أداء الأعمال المرتبطة بالمسؤولية الاجتماعية، مع تضمينه نظامًا فاعلاً للحوافز؛ لتحقيق المنافسة بين المنشآت في تنفيذ برامج المسؤولية الاجتماعية، مع تطوير التشريعات الأخرى ذات الصلة، إضافة إلى إنشاء قاعدة بيانات لأداء المسؤولية الاجتماعية، من بين محتوياتها معلومات عن الراغبين في المشاركة، والجهات المرجعية للتنسيق والمشورة، والخبرات والتجارِب الممكن تَبادلُها.

التنمية الشاملة:

ولا شك أن مفهوم المسؤولية الاجتماعية ما زال يفتقد - حتى وقتنا الراهن - إلى التحديد الدقيق، الذي يكتسب بموجبه قوةَ إلزام قانونية، وطنية أو دولية، ولا تزال هذه المسؤولية في جوهرها أدبيةً ومعنوية، كما أن إعادة النظر في ثالوث الحكم: (الحكومة - المواطن - القطاع الخاص) إلى الشراكة، هو لب التنمية الشاملة التي ينشدها المواطن، بحسب الخبير الاقتصادي عبدالله صادق دحلان.

ويشير الخبراء إلى أن المعايير الدولية تفرض على الشركات إنفاقَ ما بين 1 و3 % من أرباحها السنوية حسب ضرائبها، على خدمة المجتمع، والحفاظ على البيئة، إلا أن الشركات المساهمة تتعرض لضغوط معاكسة من المساهمين فيها، الذين يضعون في الحسبان أن خدمة المجتمع، تزيد من النفقات، وتقلل من أرباحهم السنوية.

خلاصة القول: إن استشعار القطاع الخاص للمسؤولية الاجتماعية، والالتزام بمبادئها، والرقابة على ذلك من قِبل الدولة ومنظمات المجتمع المدني - ضرورةٌ حياتية في ظل سياسات التحرير والتكييف الهيكلي، الذي يتعاظم فيه دورُ القطاع الخاص؛ للحدِّ من كل الممارسات السلبية، التي تؤدي إلى انتهاك مبدأ المسؤولية الاجتماعية، ومن ثم تحقيق التنمية الشاملة بكل أبعادها