المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النظرة العلمية المعاصرة للغيب



حبيب المصطفى
21-Jan-2009, 02:18
النظرة العلمية المعاصرة للغيب

محمد باسل الطائي


بدأً من حرق جيوردانو برونو حياً في روما عام 1600م دخل اللاهوت المسيحي والعقل العلمي الحر في صراع مباشر فيما تنامت في الوقت نفسه طروحات علماء الطبيعة وفلاسفتها باتجاه استقلالية الطبيعة والكون عن عالم المغيبات أو ما يسمى "الميتافيزيقيا".
لقد جاءت اكتشافات تايكو براهي ويوحنا كبلر وغاليليو غاليلي في مجال الرصد الفلكي واكتشافات اسحق نيوتن ولايبنز في الرياضيات والحركة والجاذبية وأعمال غيرهم من معاصريهم أو من الذين جاؤا من بعدهم لتعزز النظرة العقلية الصرف إلى الطبيعة والكون، تلك النظرة القائمة على أساس البحث والتجريب والاكتشاف بمعزل عن الخبر الديني الغيبي وما تقرره الكتب السماوية حول نشأة الكون والإنسان وتصرف الأشياء في الطبيعة. وبذلك نشأ تيار عقلي صرف في الأوساط العلمية وكانت له السيادة الفعلية، لا يجد أية ضرورة لوجود قوة غيبية تتدخل في نظام الكون أو خلق الحياة. عبرت عن هذه الرؤية إجابة بيير لابلاس لنابليون بونابرت حين سأله عن سبب غياب ذكر الله من كتابه " الميكانيك السماوي " التي قال فيها لابلاس: "يا سيدي إنني لم أجد في هذه الفرضية ضرورة لفهم نظام السماوات".
لقد اختصرت تلك الإجابة موقف أغلب العاملين في علوم الطبيعة على ذلك العصر والتي تشكلت نتيجة التعارض بين مكتشفاتهم وما جاء في العهد القديم بشأن خلق الكون ونشأة الحياة على الأرض ومستقبل الإنسان وموقفه بعد الموت وما تحويه الحياة الأخرى.
ظن الفيزيائيون ومعهم معظم علماء الطبيعة عند نهاية القرن التاسع عشر أنهم توصلوا إلى اكتشاف معظم قوانين الطبيعة وأنهم قادرون على تفسير ظواهرها من خلال قوانين الحركة وقانون الجاذبية العام، تلك القوانين التي صاغها أسحق نيوتن في كتابه "مبادئ الفلسفة الطبيعية" ومن خلال قوانين الانتقال الحراري والثرموديناميكس التي اكتشفها كارنو وهلمهولتز وكلفن وكلاسيوس وبولتزمان وغيرهم، وكذلك من خلال قوانين الإشعاع الكهرومغناطيسي التي أبدع توحيدها في نظرية واحدة جيممس كلارك ماكسويل بعد أن كان فاراداي وأمبير وكولوم ولنز وهرتز وغيرهم قد اكتشفوا أصولها.
بذلك بدت معضلات ظواهر الطبيعة قابلة للفهم والتفسير العقلي دون إشكال كبير، وعل أسس منطقية وحسابات رياضية متسقة مع ذاتها. ولم يتبق أمام الفيزيائيين إلا ملاحقة بعض التفاصيل الدقيقة هنا وهناك كقياس سرعة الأرض بالنسبة إلى الأثير، ذلك الوسط الافتراضي الغريب الخواص والذي فرضته متطلبات إنتقال الموجات الكهرومغناطيسية عبر الفراغ الكوني؛ فالموجة لابد أن تنتقل خلال وسط يحملها ولذلك لابد من وجود الأثير كوسط ناقل للموجة الكهرومغناطيسية. كما كانت هنالك معضلة صغيرة أخرى وهي ظاهرة شذوذ تصرف الإشعاع الحراري عملياً واختلاف نتائج التجارب عن ما تقضي به النظرية الكهرومغناطيسية.
لكن المفاجأة جاءت مع بداية هذا القرن، القرن العشرين، إذ لم تجد محاولات الفيزيائيين نجاحاً لفهم تلك التفاصيل الدقيقة حول قضية الأثير، فالفيزياء التي يعرفونها غير قادرة على تقديم حلول ناجعة ، وبقي الأمر مستغلقاً ولم تنفع جهودهم لتوحيد قوانين الإشعاع الحراري في صيغة واحدة، حتى جاء ألبرت آينشتين بنظرية جذرية تقوم على مفاهيم مستحدثة وتصورات جديدة للتعامل مع المكان والزمان والحركة والطاقة، فكانت ( نظرية النسبية الخاصة ) التي كان من نتائجها أن أصبحت قضية الأثير وقياس سرعة الأرض بالنسبة إليه شيئاً من التاريخ.
كما جاء ماكس بلانك بتصور جديد للتعامل مع الإشعاع الحراري فأصبحت الطاقة وفق هذا التصور تنبعث وتنتقل وتمتص على شكل رزم تسمى (كمات Quanta )، محددة ومنفصلة بدلاً عن ما كان معتقداً من أنها تسري كتيار متصل. وسرعان ما وجدت هذه الأفكار توظيفاً في عالم الذرات والجزيئات وأمكن عن طريقها فهم بنية العالم الذري وبالتالي تفسير خواص الطيف الإشعاعي المنبعث عند تسخين المواد، تلك الخواص التي لم تكن مفهومة تماماً في السابق.
لقد جاءت نظريتي النسبية والكم بمفاهيم جديدة غريبة على العقل ، فمفهوم البعد الرابع واندماج الزمان بالمكان ومفهوم الأمواج المادية ودالة الموجة والتعامل الإجرائي مع المتغيرات الفيزيائية غير الصورة العقلية عن العالم. وهنا وعند هذه النقطة التاريخية بالذات إنتقل العلم من التعامل مع "المجسد" إلى التعامل مع "المجرد" ، فأصبح فهم الظواهر الطبيعية يقوم على ما يمكن تصوره في بنى العوالم المجردة التي تحكمها الرياضيات والتي لها صيغ عقلية قد لا تحتمل التصور الذهني بل تكتفي بالتعبير الرمزي الذي يستخدم لغة الإجراءات والعوالم المتعددة الأبعاد تعبر عن نفسها بالرموز والحروف الصغيرة والكبيرة واللاتينية والإغريقية والمائلة والمعوجة لتصور أحداث العوالم الذرية وتحت الذرية.
هنا يمكن أن نقول أن الفيزياء دخلت في كنف التعامل مع الغيب إذ صار المجرد لازماً لفهم المجسد، وغدت النظريات العلمية صوراً عقلية لنمذجة الطبيعة، وغابت الحقيقة بمفهومها التقليدي فأصبحنا نتحدث عن "النموذج الأصح" بدلاً من الحديث عن " الواقع الحق".إلا أن ما يميز هذا الغيب الفيزيائي عن الغيب الديني هو احتكام الأول إلى التجربة والقياس مما لا نجد له مثيلاً في حالة الغيب الديني. وبالتالي يبقى التصور الفيزيائي تصوراً عقلياً قابلاً للفحص والتحقق التجريبي وقابلاً للتغير أيضاً.
لقد حققت الرؤية الجديدة ( نظريتي الكم والنسبية ) والمنهجية الجديدة التي اتبعت (التعامل مع المجرد لفهم المجسد ) نجاحا كبيراً خلال العقود الستة الأولى من هذا القرن لفهم المادة والطاقة ونشأة الحياة، إذ فتحت آفاقاً واسعة أمام علوم الكيمياء الحياتية لفهم كثير من التفاصيل المتعلقة بالتراكيب الحيوية التي تؤلف بنية الخلية الحية، وقادت هذه الآفاق علماء الأحياء الجزيئية إلى اكتشاف الحامض النووي DNA وبالتالي اكتشاف الشفرة الوراثية التي هي سر ديمومة الحياة وتطورها. وهذا ما كان قد تم خلال الخمسينات من هذا القرن ضمن الأبحاث التي قادها واطسن وكريك.
هكذا بدا لعلماء الفيزياء والكيمياء وعلوم الحياة في بداية الستينيات أنهم قادرون على تفسير ظواهر الطبيعة وأن العلوم الجديدة التي جادت بها قرائح العلماء في النصف الأول من القرن العشرين هي علوم كاملة قادرة على فهم الكون والحياة بكثير من التفصيل والدقة دونما حاجة إلى "فرضية" وجود الإله حسب تعبير بيير لابلاس. فالكون نظام قائم بذاته لا يحتاج إلى خالق غيبي، وهو لم ينشأ عن شيء سابق بل هو أزلي سرمدي أو أنه موغل في القدم على الأقل بحيث لا يمكن تحديد بدايته، وهو واسع جداً بل يكاد أن يكون لا نهائياً. والحياة على الأرض نشأة بفعل الصدفة إثر توفر الشروط والظروف المادية والعوامل الفيزيائية والكيميائية التي تفاعلت مع بعضها بمساعدة الظروف الجوية والبيئية للأرض على مدى مئات الملايين من السنين لتكون الأحماض الأمينية التي تشكلت فيما بعد إلى الخلايا الأولية والكائنات وحيدة الخلية التي تطورت عبر ملايين أخرى من السنين إلى كائنات أكثر تخصصاً بفعل عوامل التطور والانتخاب الطبيعي التي استقرئها جارلس داروين في دراسته لتطور الكائنات الحية حتى آل الأمر أخيراً إلى نشوء الكائن الذي نسميه الإنسان على الصورة التي نعرفه بها الآن!
ولما كان موقع الأرض في الكون لا يحفل بأية صفة خاصة حسب اعتقاد الفيزيائيين في النصف الأول من هذا القرن ؛ فهي كوكب صغير في منظومة شمسية هي واحدة من مليارات المنظومات الشمسية والنجوم التي تنتظم في مجرة واحدة من مليارات المجرات الموجودة في هذا الكون، فإن نشوء الحياة في أي مكان آخر ممكن حالما تتوفر الظروف المادية اللائمة. كانت هذه هي النظرة السائدة في الأوساط العلمية عامة.
لكن المفاجأة جاءت في منتصف الستينيات حين اكتشف الأمريكيان أرنو بنزياس وروبرت ولسن وجود خلفية إشعاعية شاملة تملأ الكون، هي عبارة عن موجات مايكروية (مايكروويف) وجدت وكأنها تأتي من الخلفية العميقة للكون. ولدى حساب درجة الحرارة المكافئة لهذه الموجات وجد أنها تزيد قليلاً عن الصفر المطلق (حوالي 3 درجات مطلقة أي 270 درجة تحت الصفر المئوي) مما يعني أن درجة حرارة الفضاء الكوني الخارجي هي عند هذه الدرجة المنخفضة.
تأتي أهمية هذا الاكتشاف من حقيقة كونه قد أعطى زخماً قوياً لفكرة ابتداء الكون في الزمان، فقد كان جورج جامو الفيزيائي الروسي الأصل قد طرح في نهاية الأربعينيات سيناريو متكامل لنشأة الكون يبتدأ بانفجار عظيم عند درجة حرارية عالية جدأ يخلق معه الزمكان ثم تبدأ الذرات الأولى بالتشكل بعد مرور حوالي 700000سنة على عمر الكون والذي يقدر الآن بحوالي 15مليار سنة. وبسبب التمدد المستمر برد الكون حتى وصلت درجة حرارته إلى حوالي 5 درجات مطلقة في الوقت الحاضر طبقاً لحسابات جامو وجماعته.
لفد جاء اكتشاف بنزياس وولسن ليؤكد صحة ما توقعه جامو إذ أن درجة الحرارة التي وجداها قريبة جداً من توقعاته. مما دفع العلماء مرة ثانية إلى التفكير جدياً بمعنى خلق الكون ومعنى أن تكون له بداية في الزمان فاندفعوا لإجراء فيض هائل من الأبحاث النظرية واندفع الفلكيون في نشاط محموم لمزيد من الإرصادات الفلكية في محاولة لنفي أو إثبات موضوعة خلق الكون بإنفجار عظيم.
هكذا صار على العلماء أن يضعوا في اعتبارهم وجود بداية للزمن في أية عملية تطورية يناقشونها وصار عليهم أيضاً التدقيق والتحقيق في الظروف الإبتدائية لنشأة الكون. وبعد أن كان كل شيء واضحاً أو يكاد صار كل شيء غامضاً أو يكاد. وبالمزيد من البحث اهتدى علماء الفيزياء وعلماء الحياة في الثمانينيات من هذا القرن إلى حقائق شمولية جديدة لم تكن تخطر على بالهم ، إذ ظهر أن للشروط الإبتدائية في خلق الكون قبل حوالي 15 مليار سنة أثراً مهماً وخطيراً في إمكانية وجود أو عدم وجود الحياة على الأرض. كما ظهر أن لبنية الكون الواسع أثر دقيق وحساس جداً في هذه البقعة الضئيلة جداً منه وهي " الأرض" ، ذلك أن أي تغير في قيمة الثوابت الفيزيائية أو الظروف الإبتدائية من شأن تغيير المستقبل اللاحق للكون بما في ذلك مسألة وجود الحياة على الأرض، وبالتالي وجود الإنسان.
بهذا صار الكون ضرورياً للإنسان مثلما أن الإنسان ضروري للإقرار بوجود الكون. دعي هذا المبدأ "مبدأ الأنثروبي Anthropic Principle "وقد يترجم هذا المصطلح إلى العربية بعبارة "المبدأ الإنساني" لكنني أفضل ترجمته معنوياً وتسميته " مبدأ التسخير". وسنناقش هذا المبدأ في مقال آخر إن شاء الله تعالى.
وإزاء هذه الكشوف الجديدة لم يعد للصدفة العمياء موقع ذي شأن في تبرير الحوادث الكونية، فالصدفة تحدث مرة واحدة وبدائلها كثيرة، أما أن تتركب صدف كثيرة، نادرة كلها، بعضها فوق بعض فهذا ما لا يقبله العقل والمنطق العلمي.
إن وجود زمن لا نهائي متاح أمام الصدفة يجيز حصول التراكيب النادرة ويفتح أمام الصدفة أو الدافع العشوائي سبيلاً ممكناً، أما أن يكون الكون ذي عمر محدود فهذا مما يحدد عملنا ضمن زمن محدود علينا أن لا نتجاوزه إذا ما أردنا القول بالخلق الحياتي بالدافع العشوائي في بنية الكون.
لذلك قام فرانسيس كريك الذي اكتشف مع واطسن الحامض النووي والشفرة الوراثية بحساب احتمالية ترتيب سلاسل جزيئات الحامض النووي المؤلفة للبروتين الأولي المكوَن للكروموسومات فوجد أن هذا التركيب يمكن أن يحصل ضمن مصادفة احتمالها 10-260 كما حسب الزمن اللازم لحصول هذه الصدفة ضمن المدى اللازم للتفاعلات الحيوية المؤدية إلى تركيب الذرات والجزيئات لتأليف الحامض النووي ومن ثم تكوين الكروموسومات الأولى، فوجد أن عمر الأرض المحسوب جيولوجياً (وهو حوالي 4,5 مليار سنة ) لا يكفي !!.مع ذلك فقد بقي كريك معانداً محاولاً البحث عن سيناريو لتفسير نشوء الحياة على الأرض دون افتراض قوة خارجية مدبرة.(أنظر: فرانسيس كريك، طبيعة الحياة، موسوعة عالم المعرفة الكويت، 1989)
متأثراً بالأفكار الجديدة التي ولدت ما بين السبعينيات والثمانينيات من هذا القرن قام بول ديفز الفيزيائي البريطاني المعروف بإعادة النظر في ما كان قد كتبه في بداية السبعينيات في الفصل الأخير من كتابه Space and Time in the Modern Universe حول العقل العلمي والغيب الديني قائلاً: " إن تفسيراً منطقياً للحقائق يوحي بأن قوةً هائلة الذكاء قد تلاعبت بالفيزياء بالإضافة إلى الكيمياء وعلوم الحياة وأنه ليس هنالك قوى عمياء في الطبيعة تستحق التكلم بصددها " (أنظر: بول ديفز،عالم الصدفة، ترجمة فؤاد الكاظمي، بغداد، 1987). ربما تلخص هذه العبارة الموقف الجديد لقطاع واسع من الفيزيائيين المعاصرين على اختلاف واسع بينهم في ما تعنيه تلك القوة الهائلة الذكاء التي تحكمت بالفيزياء والكيمياء وقوانين علوم الحياة لكي ينشأ العالم بهذه الصورة ويكون الإنسان.
على ذلك نستطيع القول أن تياراً عقلياً موضوعياً قد نشأ في نهايات هذا القرن بين الأوساط العلمية متسائلاً عن جدوى وحقيقة رفض الإيمان بوجود قوة شاملة وراء خلق الكون ونشأة الحياة فيه. وبذلك أصبحت النظرة العلمية المعاصرة للمغيبات تتخذ مواقع أكثر تقدماً وموضوعية. نقول هذا ومعه نقول أنه ربما كانت النظرة الدينية الدارجة وفق المنطق القديم هي الأخرى بحاجة إلى إعادة تكوين وفق أسس موضوعية جديدة تجعل الإنسان قادراً على أن يرى المغيبات حقيقة يقرؤها في كتاب الكون المنظور كما يقرؤها في كتاب الله المسطور.

حبيب المصطفى
21-Jan-2009, 02:19
بين العلم والروحانيات

خليل شمشام

خليل شمشام الباحث في أصول الدين و أستاذ فيزياء الفلك بجامعة أكسفورد، يشكل واحدا من أهم رموز التيار الفكري العلمي الذي ينادي بالأخذ بالاعتبار بالبعد الروحاني بالقياس إلى إي محاولة علمية للبحث حول الوجود. حول علاقة العلم بالإيمان وتقاطع المنهجية العلمية بالروحانية كان لنا معه هذا الحوار.


س - لعل أكثر الانتقادات الكلاسيكية التي نسمعها حول علاقة العلم بالدين، بأنه يصعب التوفيق بين المنهج العلمي الصارم الذي ينصب على الوجود المادي وبين المنهج الديني الروحاني، وبالتالي التشكك في إمكانية التوفيق بين ما يتصورونه ضدين، هل هناك بالفعل في رأيك مثل هذه القطيعة التي تفصل بين هذين بين العلمين؟؟

خليل شمشام:
الحديث عن الفصل بين العلم والروحانيات يستند بالدرجة الأولى إلى نظرة مغلوطة للعلاقة بين الروح والعقل، حيث لا مجال بالنسبة لي للفصل بين بعدين يكمل كل منهما الآخر. وباستثناء الاختلاف في المنهج، وفق تميز منهج البحث العلمي عن منهج البحث الصوفي أو العرفاني، هنا يكون العلم مختلفا في المنهج عن الروحانيات، كما هو مختلف عن الفنون التشكيلية أو الموسيقى. حيث يتمتع كل ميدان فكري بآلياته الخاصة، وصيرورته الخاصة به، التي يبلور عبرها تقنياته وتطوراته المتعلقة به بذاته، بحيث يكون الفصل بين الجانب الروحاني في المعرفة عن الجانب العلمي فصلا تعسفيا بل هو وخيم النتائج.
على أن الفصل أو التفريق بين المناهج ، لا يعني على الإطلاق فصل أو التفريق بين العلوم في حد ذاتها، ، وخاصة بين العلم والروحانيات، حيث يتدخل هذا البعد الأخير بشكل أساسي في حركية العلم نفسه وتطوره، أقصد بالقياس إلى استناد التفكير العلمي إلى منطلق مبدئي أساسي وهو "التأمل"، والذي لا يمكن تعريفه إلا باعتباره "حالة روحانية" بإطلاق.
فلا يمكن أن يتطور إي فكر في ميدان العلوم التجريبية أو البحثة، بدون أن يسبقها فترة ضرورية من التأمل، والتي تمثل بالدرجة الأولى تجربة روحانية عميقة، أكثر منها تجربة مادية . والقول بالفصل بين هذين البعدين، كمن يجرؤ بالقول في سياق البحث عن تطور الحياة البشرية، بان مرحلة الطفولة غير مهمة في حياة الإنسان، أو أنها لا علاقة لها بفترة الرشد أو البلوغ!!! على أن هذا التفكير الثنائي، أو هذا الفصل التعسفي بين الروحانيات والعلم وفق هذه النظرة الثنائية الصارمة، إنما تولد عن الفكر "البوزيتفي" أو الإيجابي،المستند إلى الفلسفة الإيجابية لأوغست كونت، والتي دعا فيها العقل الإنساني للاعتماد كليا على اليقينات المستخلصة من الملاحظة والتجربة والاختبار الذي ساد أوربا منذ القرن السادس عشر والذي بدأ التشكيك فيه مع النهضة العلمية التي صاحبت نشوء ميكانيك الكم . إن ما كرس الفكر الثنائي المادوي هو الديكارتي المبني على التجزئة والتقليص عوض التوحيد والإحاطة بكل جوانب موضوع البحث..
ورغم كل الإيجابيات التي ترتبت عن هذا الفكر، وفق حيوية المناخ الخلاق الذي مهد له ونتج عنه، والذي ساهم في تطوير العديد من النظريات والأفكار، خاصة بالقياس إلى تعميق فهمنا للمادة والقوانين الطبيعية التي تحكم الكون إلا أنه كان قد أنتج في نفس الوقت الكثير من السلبيات ، التي سببت في أزمة الإنسانية التي أخذنا ندفع ثمنها اليوم.من ذلك مشاكل الحروب، والقنبلة النووية، والنفايات وتدمير البيئة والأرض والإنسان..
فقد بدأ واضحا اليوم ، أن جملة الإشكاليات التي تعصف بالواقع الإنساني في الوقت الراهن، منها تلوث البيئة واللامبالاة بمصير الغير على سبيل المثال، إنما هي وليدة لهذا الفكر، لأن العلماء الثنائيين، أو هؤلاء الذين يفصلون العلم كليا عن الروحانيات ، قصروا نظرهم، عندما كانوا يقومون بإجراء التجارب، ويسعون لتطوير نظرياتهم العلمية ، على المادة فحسب ، وليس للمادة بالنسبة لهم إي علاقة بعالم الروح، أو بالحياة الإنسانية.
مع ذلك، وفيما يفترض، أن إي جهد عقلي وعلمي باتجاه فهم أو تطويع المادة إنما هو ، وبالدرجة الأولى لصالح الإنسان وبهدف تحسين حياته اليومية، وليس تخريبها. و أن تحسين "المعاش" الإنساني هو بحد ذاته تحسين الحياة الروحية.
لكن الذي حدث، أن علماء "الفكر الإيجابي" وفق هذه الثنائية الصارمة، واللامبالية كانوا قد أنتجوا فكرا وجد نفسه يجدف ضد " الهدف " الأول الذي نهض من أجله: إي تحسين الأوضاع الحياتية للإنسان، وتحول بمساره ضد مشروعه الأساسي، وفق كل الأزمات التي تعصف بالإنسانية اليوم والتي سيكون من الصعب وجود حلول ممكنة لها. ففي الوقت الذي حققت البشرية عبر هذا الفكر ذاته خطوات عملاقة في المعرفة العلمية في كل المجالات، إلا إن خلو هذه الطفرة العلمية من البعد الروحاني قد جعلها تسقط في مأزق الأزمة الأخلاقية التي تجابه الإنسانية اليوم. حيث لم يخلو حتى علم الطب، والذي لا ينكر المرء أن ما حققه من انتصارات علمية في ضوء هذه النظرة الثنائية قد كان ربحا كبيرا للبشرية، نجده ينزلق بدوره في متاهات سوق الربح والخسارة، وتلتصق بسمعته "خديعة" خضوع مصانع الأدوية أو المضادات الحيوية والتطعيمات الضرورية لمواجهة الأمراض الفاتكة، لسوق الطلب والعرض ولمن يدفع أكثر.
من هذا الباب يمكن أن نتأكد أن الفصل بين العلم والدين، أو العلم والروحانيات، لا يمكن أن ينتج إلا الأزمات والسلبيات على المستوى الاجتماعي / الإنساني وعلى المستوى الأخلاقي بصورة أخص.
س- مقابل هذا الفصل التعسفي في الفكر الإيجابي بين العلم والدين، نجد تيارات إسلامية تبالغ في الربط بين الفضائين، وتوحد بينهما، بحيث ترى في كتاب الله على سبيل المثال إجابة لكافة القضايا العلمية. ما رأيك في هذا التصور؟

خليل شمشام:
يجب أن أؤكد مبدئيا أن "كلام الله" لا يحتاج لأعجاز، وأن القرآن لم يبحث على الإطلاق عن أعجاز إي فكر أو عقل أو بشر. وهذه المحاولة بالذات ارتكزت إلى خلط خطير في المقاصد والمفاهيم والمناهج، و أنتجت أزمة فكرية عويصة في العالم الإسلامي التي نتج عنها انحلال المجتمع الإسلامي وفقدان "المناعة" الفكرية" للمسلم والمسلمة. ونرى الآن للأسف أن حركات مسيحية متطرفة تستغل هذه الأزمة الداخلية للمجتمعات الإسلامية لتشكيك المسلمين في دينهم وحضارتهم واستدراجهم نحو المسيحية.
المؤسف أن العلم الذي نمارسه حاليا ليس غريبا على الإسلام، لقد كان المسلمون هم السابقون في التأسيس لمبادئ هذه العلوم التي تنهض عليها الحضارية الإنسانية اليوم.
المشكل أن المجتمعات الإسلامية قد سقطت في غفوة عميقة ،و التي تعود في واقع الأمر لأسباب داخلية وخارجية مختلفة، يصعب شرحها بعجالة هنا، وعلى رأسها الحروب الصليبية ، والحروب الطائفية، وغلق باب الاجتهاد أمام المفكرين المسلمين. الأمر الذي أدى إلى تفاقم الهوة والمسافة بين الحال الذي تقلصت إليه المجتمعات الإسلامية، وبين صيرورة هذه العلوم في بلدان الغرب، على النحو أسس لمشاعر معقدة من التخلف والدونية عند الأجيال العربية والإسلامية بالمقارنة بما وصلت إليه المجتمعات المتطورة في الغرب. هذا بغض النظر عن الحديث عن السياسات التعليمية العقيمة المبرمجة داخل المجتمعات الإسلامية والاستفزازات والمضايقات التي يتعرض لها الباحث المسلم داخل أرض وطنه.
لكن الأدهى في الأمر أن المتعلمين المسلمين أنفسهم والذين في أغلب يكونون قد استقوا معارفهم في مؤسسات تعليمية غربية، والذين يستندون في تفكيرهم إلى نفس أسس الفكر العلمي الذي تطور في الغرب، قد أدخلوا في رأسهم في نفس الوقت، بالقياس إلى حالة قصوى من الإحباط والانكسار، أن النظريات العلمية هي أمور معقدة، وليس لديهم الإمكانية لإدراكها، وتصورها بعيدة عن واقعنا.
هذا الإحباط خلق نوعا من التقوقع على النفس ، والانغلاق الفكري،عوض الغوص في العمل والمساهمة في تطوير هذه النظريات. إي أن الإحساس بالعجز عن المساهمة في حركية العلم المعاصر المتسارعة، هو ما دفع هؤلاء للتقوقع والتقاعس عن مواكبة صيرورة التطور العلمي الإنساني، والبديل له كان الالتجاء إلى نظرية الإعجاز العلمي في القرآن، التي أخذت تنتشر داخل الفكر الإسلامي.
حيث أنهم تصورا إن العلم كله أصله في القرآن، وأن كل ما أتت به العلوم قد سبق وأن شرحها القران، وليس للمسلمين من حاجة للغوص في المباحث العلمية ، لأن القرآن قد سطر كل النظريات.رغم أن القرآن الكريم هو كتاب روحاني صرف لم يرد به تعالى أن يؤسس لنظرية علمية أو منهجية وإلا فأن مداد البحر لما كفى لتسطير كلماته.
أي أن ثمة عكس واضح لمنطق الأشياء، ولسياق الجدل: عجزنا عن التفكير، فخلقنا الإعجاز العلمي في القرآن.إي أن التأسيس لدعاوي هذا الإعجاز العلمي إنما كان القشة التي أستند إليها علماء المسلمين للبحث عن مخرج لحالة العجز التي صارت تعصف بهم.
هذا المذهب الذي شاع في كل أصقاع البلاد العربية والإسلامية اليوم، أقل ما يمكن أن نقول عنه أنه مذهب تدميري، ومؤسف ومتخلف. وهذا ما يمكن أن أقوله بشأنه كمسلم وكعالم غيور على أمته وعلى أصوله الحضارية والثقافية.
فهذه التيارات المستندة على الأعجاز العلميفي القرآن، قد قامت في واقع الأمر بتعجيز الإسلام والقرآن نفسه، حيث أنها ساقت أجيالا من المسلمين إلى طريق التكاسل والاكتفاء بحب النفس عوض المساهمة في تفجير الطاقات الإبداعية وبناء ركائز تكنولوجية واقتصادية ضرورية للمجتمع الإسلامي.
س- أي أن المطلوب هو طرح بارديجم جديد؟
خليل شمشام:
ونحث مفاهيم جديدة للخروج من الأزمة التي ترتبت عن الشروحات القديمة المبنية على المناهج القديمة.
وهذا البارديجم لا يعني الرمي بالمفاهيم القديمة، ولكن السعي لتجاوز القديم، للقفز على الأزمة التي تسببت فيها هذه المفاهيم ذاتها،وبهذا تصبح المفاهيم القديمة عبارة عن فقرة – أو حالة خاصة – داخل النظريات الجديدة. فالفصقال أو البارديجم، يفترض طمأنينة نفسية وفكرية كبيرة حيث أنه لا يحدث إلا إذا كان هناك اعتراف بعجز الماضي على شرح الحاضر وبالخصوص إلا إذا قامت حركة فكرية وأنتجت مفاهيم جديدة بديلة للماضي وذات نتائج واضحة في تجاوز الأزمة الفكرية القائمة والتقدم بكل أسس المجتمع. السؤال إذا هو : هل المجتمع الإسلامي قادر على إنتاج فصقال معين والسماح بترجمته الفكرية والميدانية؟
وهذا هو المطروح علينا كمفكرين و كمسلمين، وكبشر.
ففي الوقت الحالي لا يمكن أن نرى الأشياء من زاوية المفكر الإسلامي أو العربي، بل كمفكر شمولي منتمي إلى الفكر البشري بأسره.وهذه تزكية لروح المذهب المحمدي. إي أن المطروح علينا أن نساهم كمسلمين وكعرب في سياق الفكر الحضاري الإنساني العام، مع الانتباه إلى عدم الوقوع في خطأ التصور بأننا سنفعل ذلك في عزلة فكرية، نتصور من خلالها أننا نقوم ببناء فكر إسلامي أو فكر قائم على الإسلام لا غير، حيث أن ذلك سيكون خطأ فادحا وكبيرا، نتيجته ستكون تهميش أسس الإسلام وتعريضه بدون سلاح للحرب الباردة التي تخوضها بعض الدوائر المسيحية ضده.
فالبشرية قد حققت تراكما معرفيا كبيرا في الميدان العلمي، وعلينا أن نركب هذا القطار الذي ما فتئ يتقدم، وأن نساهم في العملية كمسلمين، ولكن لا يعني هذا خلق فكر إسلامي جديد قائم بذاته خارج إطار الفكر الإنساني الذي وحدته اليوم انتصارات العلوم ذاتها.
س - ولكن كيف تفسر القلق الذي يسكن المجتمعات الإسلامية من الخوض في غمار العلم، وتفسير ذلك بأن بعض العلوم قد تقود للشرك؟

خليل شمشام:
أظن أن هذا القلق موجود بالفعل، لكنه ليس في عقول الناس ولكن في عقل السلطات. لأن ما يحتاجه الفكر العلمي هو الحرية حرية التفكير بالذات، وهذه الحرية بالذات مقلقة لهؤلاء، كما أن التصوف هو مقلق لهذه السلطات لأنه يرتكز إلى هذه الحرية التي يبحر من خلالها الصوفي نحو الخالق وليس نحو الحكام.والتاريخ يعطي لنا أمثلة لا تحصى تكشف وجه هذا القلق الذي يعيشه الحكام من عنفوان الصوفية، فعندما أشتد عود التيار الصوفي في العالم الإسلامي نهضت له السلطات بالقمع والتصفية أو التهميش، وعاش زعماء الصوفية مختلف أشكال التنكيل والإرهاب....والتصفية،أو التهميش على أحسن الظروف. وظل الفكر الصوفي " المقلق" مهمشا حتى اليوم في الدوائر التي ترصدها السلطات، بما في ذلك فكر إبن عربي الذي هو أشهر من نار على علم في كل أنحاء الأرض إلا في الفضاءات الإسلامية. وما يقلق ليس هو الموضوع بل الجو الذي يتطلبه الموضوع، فهذه الحرية التي يحتاجها البحث العلمي هي التي تقلق الساسة والسياسة. إلا أنه لا يمكن أن يتم أو يزدهر البحث العلمي بدون حرية التفكير، وهذه معادلة لا يمكن أن يتنازل عنها إي مفكر أو باحث علمي .
والسؤال الذي يطرح نفسه أمام المسلمين الآن : " هل المجتمع الإسلامي مستعد للخوض في عملية البحث العلمي ، و في الحرية الفكرية؟؟" لأننا عندما نتكلم عن الديمقراطية لا يجب أن تكون بكلمات جوفاء، بل يجب أن تستند إلى ممارسة فعلية، وأسس حقيقية، وإلى مبدأ أساسي الذي هو حرية التفكير وحرية البحث والخيار داخل ركائز الإسلام. بدون هذه الأسس لا يمكن الحديث عن أي ديمقراطية أو تطور علمي أو أي مشروع نهضوي من أي نوع.وأعيد التأكيد هنا بأن محو الصراع الفكري والاجتهاد داخل العالم الإسلامي ، تسبب في فقدان المناعة الفكرية لهذا المجتمع وجعله عرضة للتيارات المسيحية التي يهدف برنامجها على المدى البعيد إلى محو الإسلام وجعل كل مسلم ومسلمة نصرا للمسيحية.
س- كعالم فيزياء، وفيزياء الفلك، وروحاني مؤمن مسلم في نفس الوقت، إي الأدوات في رأيك تأخذنا لأقرب طريق لفهم الكون، العلم أم الروحانيات؟؟

خليل شمشام:
كما أخبرتكم أن التجربة الروحية التأملية هي مرحلة ضرورية وأساسية للتفكير العلمي، غير أن فهم نظريات الكون بذاتها وتفسيرها في سياق علمي صحيح لن تتأكد إلا من خلال المعرفة العلمية بالدرجة الأولى.
خاصة وأن الفكر العلمي الإنساني قد خطأ خطوات جبارة في شرح الكون ، ومراكمة منتوج هائل من الاختراعات العلمية التي طورت القدرات الإنسانية تجاه البحث والمعرفة، سواء في الفيزياء وفيزياء الفضاء أو في مختلف العلوم الطبية والطيران والمعلوماتية...... وهذه الوضعية تتدخل لطي المسافة أمام الفكر العلمي، وباتجاه معارف أكبر واشمل.
والوسيلة الوحيدة بالنسبة لي هي العمل والاجتهاد وقل أعملوا فسيرى الله عملكم والمؤمنون، والاجتهاد باستمرار، ومتابعة ومسايرة ما ينتج حاليا من النظريات التي ما فتئت تتفاعل وتظهر للوجود.
ويجب أن تكون مساهمة المسلم و المؤمن في فهم الكون وآياته، ليس بالسفسطة والخطابات الفارغة، ولكن عن طريق المساهمة في تطوير النظريات العلمية، وإيجاد الحلول للإشكاليات القائمة، وعن طريق تطوير البرامج النظرية،الرياضية، واختراع وتطوير الحاسوبات التي تؤسس لمعرفة أدق بالأرقام وشرحها....وتوظيف كل ذلك لشرح وفهم الوجود والقوانين الطبيعية التي تحكم الكون.
وفي اعتقادي إن الخوض في هذه المهمة هو " إيمان" بذاته، ولا يمكن للإنسان أن يخوض في غمار هذه المهمة بدون وعي روحاني عميق، لأنه عمل متعب وشاق ومرهق وشحيح المردود المالي إي أنه بدون الإيمان والقناعة، لا يمكن للمرء أن يثابر في هذا العمل.
غير أن هذا العمل ذاته ، يكفي لإشباع الحاجة الروحانية الواسعة والخلاقة، على النحو الذي تؤسس معه هذه الطمأنينة الروحية المترتبة على هذا الانخراط " المرهق" في البحث عن أسرار الوجود لسعادة وراحة لا مثيل لها.
وهذا يعني أن الاستعداد الروحاني ركيزة أساسية لإمكانية المثابرة في "المهمة" العلمية، إلا أنه من ناحية أخرى، أقول ، كمسلم، إن الإسلام هو دين العلم والمعرفة، وهذا جاء في أحاديث النبي المختلفة أكثر من مرة، حيث حرص صلى الله عليه وسلم، على التأكيد بأن الإسلام ليس دين صلاة وعبادة فقط، أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة،وهو حديث نبوي سباق في هذا المجال.
فأن الإسلام هو دين علم ومعرفة، وكانت أول كلمة نزلت على نبينا الكريم هي " إقرأ"، وتوالت آيات القران تحث على العلم والمعرفة وتأمر بالتأمل في الكون ومعرفة أسراره وهذا هو المقصود في كلمة "آية".
ولكن لقد جاء الإسلام غريبا، وعاد غريبا، لأنه فقد اليوم ذلك الوسط الطبيعي له، أقصد أن يكون محاطا بالعلماء الذين يزدهر بهم الفكر العلمي والمعرفة الخلاقة، بما يؤسس لمناخ طبيعي للإسلام.
والإسلام سيبقى غريبا وسط جمع لا يؤمن بالتطور والمعرفة العلمية،وبضرورة النهوض الثقافي ومسح غبار التخلف عن ظهر مجتمعاتنا الساكنة في أزمنة قد خلت.وبدون السعي لتفجير الطاقات الفكرية لكل فرد في المجتمع وتعزيز كرامته، فالمجتمع الإسلامي لن يدوم أو يقوم إلا على العلم والمعرفة.
والأزمة التي تعيشها المجتمعات الإسلامية اليوم إنما تعود إلى تراكم رواسب الجهل ، الذي نتج عن تهميش المسلمين أنفسهم للركائز المعرفية للإسلام، ولخصوصيته الحضارية ذاتها، أقصد من خلال التمسك بالعلم والإعلاء من شأنه.
ألم يقل تعالى: وأن في ذلك لآيات للعالمين ؟ إي أن آيات الله تفتح أسرارها إلى أهل العلم والمعرفة حسب تفسيري، وليس عالمي الغيب والشهادة كما ينحو البعض، إي أن ما يؤكد عليه الإسلام هو إن آيات الله إنما

عائشه عمر فلاته
21-Jan-2009, 07:25
أن "كلام الله" لا يحتاج لأعجاز، وأن القرآن لم يبحث على الإطلاق عن أعجاز إي فكر أو عقل أو بشر. وهذه المحاولة بالذات ارتكزت إلى خلط خطير في المقاصد والمفاهيم والمناهج،


أن العلم الذي نمارسه حاليا ليس غريبا على الإسلام، لقد كان المسلمون هم السابقون في التأسيس لمبادئ هذه العلوم التي تنهض عليها الحضارية الإنسانية اليوم.

المشكل أن المجتمعات الإسلامية قد سقطت في غفوة عميقة

بصراحه كلام جميل ولكن قارئ القران والمتمعن فيه والمتدبر فيه يجد فيه هذا الكلام مفصلا كما ورد في هذا المقال بارك الله فيك حبيب المصطفي وانار الله بصيرتك وبنتظار جديدك

حبيب المصطفى
21-Jan-2009, 07:38
اشكرك على مرورك اخى الكريم
والله الموفق