المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تدبر القرآن.. لماذا.. وكيف ؟



سليل
13-Apr-2007, 08:14
تدبر القرآن.. لماذا.. وكيف ؟

القرآن هادي البشرية ومرشدها ونور الحياة ودستورها، ما من شيء يحتاجه البشر إلا وبيَّنه الله فيه نصاً أو إشارة أو إيماءاً، عَلِمه مَنْ عَلِمه، وجهله من جهله.

ولذا اعتنى به صَحْبُ الرسول صلى الله عليه وسلم وتابعوهم تلاوة وحفظاً وفهماً وتدبراً وعملاً. وعلى ذلك سار سائر السلف. ومع ضعف الأمة في عصورها المتأخرة تراجع الاهتمام بالقرآن وانحسر حتى اقتصر الأمر عند غالب المسلمين على حفظه وتجويده وتلاوته فقط بلا تدبر ولا فهم لمعانيه ومراداته، وترتب على ذلك ترك العمل به أو التقصير في ذلك، (وقد أنزل الله القرآن وأمرنا بتدبره، وتكفل لنا بحفظه، فانشغلنا بحفظه وتركنا تدبره).

وليس المقصود الدعوة لترك حفظه وتلاوته وتجويده ؛ ففي ذلك أجر كبير ؛ لكن المراد التوازن بين الحفظ والتلاوة والتجويد من جهة وبين الفهم والتدبر. ومن ثم العمل به من جهة أخرى كما كان عليه سلفنا الصالح - رحمهم الله تعالى -.

ولذا فهذه بعض الإشارات الدالة على أهمية التدبر في ضوء الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح.

أما التدبر فهو كما قال ابن القيم: (تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله).

وقيل في معناه: (هو التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة).

أولاً: منزلة التدبر في القرآن الكريم:

1- قال الله - تعالى -: " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب " ص: 29] في هذه الآية بين الله - تعالى - أن الغرض الأساس من إنزال القرآن هو التدبر والتذكر لا مجرد التلاوة على عظم أجرها.

قال الحسن البصري: (والله ! ما تدبُّره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله، ما يُرى له القرآنُ في خُلُق ولا عمل).

2- قال - تعالى -:: أفلا يتدبرون القرآن.... " النساء: 82]. قال ابن كثير: (يقول الله تعالى آمراً عباده بتدبر القرآن وناهياً لهم عن الإعراض عنه وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة: أفلا يتدبرون القرآن)، فهذا أمر صريح بالتدبر والأمر للوجوب.

3- قال - تعالى -: " الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به"[البقرة: 121].

روى ابن كثير عن ابن مسعود قال: (والذي نفسي بيده ! إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله) [6].

ثانياً: ما ورد في السنة في مسألة التدبر:
1 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا

نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده).

فالسكينة والرحمة والذكر مقابل التلاوة المقرونة بالدراسة والتدبر.

أما واقعنا فهو تطبيق جزء من الحديث وهو التلاوة أما الدراسة والتدبر فهي- في نظر بعضنا - تؤخر الحفظ وتقلل من عدد الحروف المقروءة فلا داعي لها.

2 - روى حذيفة - رضي الله عنه -: (أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فكان يقرأ مترسلاً إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ).

فهذا تطبيق نبوي عملي للتدبر ظهر أثره بالتسبيح والسؤال والتعوذ.

3 - عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها: " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ") [المائدة: 118].

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم التدبر على كثرة التلاوة، فيقرأ آية واحدة فقط في ليلة كاملة.

ثالثاً: ما ورد عن السلف في مسألة التدبر:
1 - روى مالك عن نافع عن ابن عمر قال: (تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزوراً) [17].

وطول المدة ليس عجزاً من عمر ولا انشغالاً عن القرآن ؛ فما بقي إلا أنه التدبر.

2 - عن ابن عباس قال: (قدم على عمر رجل فجعل عمر يسأل عن الناس فقال: يا أمير المؤمنين ! قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا، فقلت: والله ما أحب أن يسارعوا يومهم هذا في القرآن هذه المسارعة. قال: فزبرني عمر، ثم قال: مه ! فانطلقت لمنزلي حزيناً فجاءني، فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفاً ؟ قلت: متى ما يسارعوا هذه المسارعة يحتقوا - يختصموا: كلٌ يقول الحق عندي - ومتى يحتقوا يختصموا، ومتى اختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا، فقال عمر: لله أبوك ! لقد كنت أكتمها الناس حتى جئت بها)، وقد وقع ما خشي منه عمر وابن عباس - رضي الله عنهما - فخرجت الخوارج الذين يقرؤون القرآن ؛ لكنه لا يجاوز تراقيهم.

3 - عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: (كان الفاضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة ونحوها ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يقرؤون القرآن، منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به. وفي هذا المعنى قال ابن مسعود: إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن مَنْ بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب عليهم العمل به).

4 - قال الحسن البصري: (إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، وما تدبُّر آياته إلا باتباعه، وما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول: لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفاً وقد - والله ! - أسقطه كله ما يُرى القرآن له في خلق ولا عمل، حتى إن أحدهم ليقول: إني لأقرأ السورة في نَفَسٍ ! والله ! ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء ولا الحكماء ولا الوَرَعة متى كانت القراء مثل هذا ؟ لا كثَّر الله في الناس أمثالهم).

وحتى نتدبر القرآن فعلينا:

1- مراعاة آداب التلاوة من طهارة ومكان وزمان مناسبين وحال مناسبة وإخلاص واستعاذة وبسملة وتفريغ للنفس من شواغلها وحصر الفكر مع القرآن والخشوع والتأثر والشعور بأن القرآن يخاطبه.

2- التلاوة بتأنٍ وتدبر وانفعال وخشوع، وألا يكون همه نهاية السورة.

3- الوقوف أمام الآية التي يقرؤها وقفة متأنية فاحصة مكررة.

4- النظرة التفصيلية في سياق الآية: تركيبها - معناها - نزولها - غريبها- دلالاتها.

5- ملاحظة البعد الواقعي للآية ؛ بحيث يجعل من الآية منطلقاً لعلاج حياته وواقعه، وميزاناً لمن حوله وما يحيط به.

6- العودة إلى فهم السلف للآية وتدبرهم لها وتعاملهم معها.

7- الاطلاع على آراء بعض المفسرين في الآية.

8- النظرة الكلية الشاملة للقرآن.

9- الالتفات للأهداف الأساسية للقرآن.

10- الثقة المطلقة بالنص القرآني وإخضاع الواقع المخالف له.

11- معايشة إيحاءات النص وظلاله ولطائفه.

12- الاستعانة بالمعارف والثقافات الحديثة.

13- العودة المتجددة للآيات، وعدم الاقتصار على التدبر مرة واحدة ؛ فالمعاني تتجدد.

14- ملاحظة الشخصية المستقلة للسورة.

15- التمكن من أساسيات علوم التفسير.

16- القراءة في الكتب المتخصصة في هذا الموضوع مثل كتاب: (القواعد الحسان لتفسير القرآن) للسعدي، وكتاب (مفاتيح للتعامل مع القرآن) للخالدي، وكتاب (قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله - عز وجل) لعبد الرحمن حبنكة الميداني، وكتاب (دراسات قرآنية) لمحمد قطب.

وبعد: فما درجة أهمية تدبر القرآن في عقولنا ؟ وما نسبة التدبر في واقعنا العملي فيما نقرؤه في المسجد قبل الصلوات ؟ وهل نحن نربي أبناءنا وطلابنا على التدبر في حِلَق القرآن ؟ أم أن الأهم الحفظ وكفى بلا تدبر ولا فهم ؛ لأن التدبر يؤخر الحفظ ؟

ما مقدار التدبر في دروس العلوم الشرعية في المدارس، خاصة دروس التفسير ؟ وهل يربي المعلم طلابه على التدبر، أم على حفظ معاني الكلمات فقط ؟ تُرى: ما مرتبة دروس التفسير في حِلَق العلم في المساجد: هل هي في رأس القائمة، أم في آخرها - هذا إن وجدت أصلاً ؟

ما مدى اهتمامنا بالقراءة في كتب التفسير من بين ما نقرأ ؟ لماذا يكون همُّ أحدنا آخر السورة، وقد نهانا رسولنا صلى الله عليه وسلم عن ذلك ؟

ومتى نقتنع أن فوائد التدبر وأجره أعظم من التلاوة كهذ الشعر ؟

أسئلة تبحث عن إجابة ؛ فهل نجدها لديك ؟
-------------------------------------------------------------
من كتابات الاستاذ احمد البقمي

==================
تحرير من قبل إدارة الموقع :
وردت الينا رسالة تصحيح بالكاتب الأصلي
إبراهيم بن عبد الرحمن التركي
(مع حفظ كافة الألقاب)

العدد 144 من مجلة البيان الشهرية شعبان 1420
الرابط الذي يثبت النص
http://www.islamdoor.com/k/382.htm

وعالم التطوع العربي لايساهم في تأييد أورفض أي رأي أو ملكية بل للأمانة العلمية تم وضع التنوية حسب ماوردنا , والمقالة فيها الخير الكثير نسأل الله تعالى لكاتبها وناقلها اجر أعمالهم
=================

عابرسبيل2007
14-Apr-2007, 02:28
جزاكم الله خيرا سليل

عاشق البحر
18-Apr-2007, 04:29
اخت سليل
بارك الله فيكي على الموضوع المهم واتمنى من الله ان يجعلنا من متدبرين بقراءة القرأن ويجعل ماوان الجنه
اخوكي عاشق البحر