المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخط العربي : موقف فلسفي وعملي



bode
03-Aug-2008, 01:27
الخط العربي : موقف فلسفي وعملي


بإعتباره واحدا من الفنون الاسلامية الرئيسية ، يتميز فن الخط العربي بإلتزامه باصول محددة واسس قواعدية منضبطة تتطلب تدريبا تقليديا طويلا ومراسا مستمرا من اجل ان يتسنى للخطاط تنفيذ اعماله الفنية ببراعة وعناية فائقتين تتناسبان مع المكانة الفنية التأريخية المبنية على التهذيب والانضباط الروحيين لهذا الفن.

وبالرغم من كون ممارسة هذا الفن تلزم الخطاط بتكريس نشاطه التدريبي بانهماك مكثف ولامد طويل ، فإن هذا النشاط وماينجم عنه من حصيلة فنية يبقى يمثل تجربة تثير السرور والامتاع لكل من الخطاط وجمهوره. فلقرونٍ خلت واجهت أعمال الخط العربي الكلاسيكية تحدياً جمالياً كبيراًمتخطية بجدارة إختبار التوازن الفني الذي ربما يبدو إشكالياً للوهلة الاولى في عين الناظر العابرة، لكنه جوهريا في ارساء المعالم الاساسية لهذا الفن. يتمثل جوهر التحدي في هذا التوازنٍ بضرورة انتاج الصور الفنية المنسابة ديناميكيا والمتدفقة بايقاع موسيقي شعري، ولكن عن طريق توظيف عناصر بصرية مقيدة وثابتة ، مثل العدد المحدود لأشكال الحروف الأبجدية، وقواعد الخط الجمالية الصارمة، وقياسات وتناسبات حروفه وامتداداته الهندسية المتشددة. ولذا فإن الحصيلة الحاسمة لاحداث هذا التوازن والنجاح في تقديم الخطوط المقبولة لعين الاختصاصي والمشاهد العادي معا ستتطلب دون شك من الخطاط ان يكون على مستوى رفيع من المقدرة الفنية المقرونة بممارسة مهنية تقليدية طويلة الامد.

وعلى صعيد هذا الالتزام الزمني الطويل والتكريس المتفان للطاقات الفنية ، فإنني أجد نفسي محظوظاً بأنني قد تسنى لي ان اضع خطواتي الاولى على هذا الطريق الطويل بعمر مبكر، واستمر بأستكشاف خبايا هذا الفن وممارسة اصوله بشكل شخصي ولمدة قاربت الاربعة عقود. كما انني أعتبر نفسي محظوظا ان اكون حاليا واحداً من الخطاطين القلائل الذين يقيمون في الغرب ولكنهم مازالوا يتشبثون بإصوله التقليدية وماتستلزمه من مهارات يدوية. على انني لازلت من بين القلائل الذين ما زالوا يقاومون الإغراءات المتصاعدة التي توفرها الثورة التكنولوجية الحالية وماقدمته برامج الكومبيوتر من طرق مبتكرة في إستخدام الخطوط والنماذج التصميمية الجاهزة وامكانات متطورة لتشذيب الصيغ النهائية للتصاميم الفنية وابلاغها حالة الكمال، في وقت تطوّرت فيه البرامجيات المتجددة لتقليل الجهد العضلي والعقلي ووضع النتائج النهائية في أكمل وجه في مجال التصميم الغرافيكي والفنون المرتبطة به، بما في ذلك الخط العربي.

خلال تلك المدة الطويلة من انكبابي الشخصي الفردي على تعلم الخط وضبط اصوله كان لابد لي من التأثر بكوكبة المواهب الفذة في هذا المجال والتعلم من سيرتهم واستلهام اساليبهم المتميزة. وهنا اود الاشارة بالذات الى تأثري الكبير بخطاطي المدرسة البغدادية المعاصرة التي تقدمها الاستاذ هاشم محمد الخطاط البغدادي(1921-1973)، وقبلها المدرسة العثمانية التي ضمت كوكبة متألقة من فطاحل الخط والتي تقدمها الشيخ حمد الله الاعمصي(1436-1520).

وبالرغم من تأثري البالغ بتلك المواهب الا انني لم اذهب الى التأثر الحرفي بإستاذ محدد كما اعتادت على نهجه اجيال متوالية من الخطاطين التقليديين. وهنا فإني اميل الى توصيف اسلوبي على انه خليط بين القديم والحديث للحد الذي يمكن تسميته بالاسلوب "الكلاسيكي الجديد" لحفاظه على طرق وأساليب وتقنيات الخطاطين القدامى منذ القرن الثامن من ناحية، والاستفادة من توظيف بعض العناصر الجمالية المعاصرة من ناحية ثانية.

ومن اجل التعريف اكثر بهذا الاسلوب الشخصي، فإنني اشير الى امكانية تشخيصه تبعا لتميزه بالملامح التالية:

- إستخدام الزخرفة العربية كعنصر تكميلي للخط، مقارنةً بتوظيفها التقليدي الذي غالبا ماينطوي على: أما إستخدامٍ جزئي بإطار عام تزييني من داخل فضاء الخط أحياناً ، أو كَفَنٍّ تزيينيٍ منفصل، غير مرتبط بالخط، لكنه يقف ككيان مستقل بجدارته. وهنا فإنني أرى ان أسلوب مقاربتي التكاملية ينطوي على إستخدام مدروس لموتيفات مختارة وقليلة من الزخرفة من أجل أن تكون النتيجة النهائية للوحة الفنية مؤثرة ومتناغمة.

تتضمن هذه الموتيفات أنماطاً زخرفية معقدة نوعا ما خاصة من ناحية توظيفها لتداخل الخطوط وتشابك الأشكال التي غالباً ما تكون أجزاء نباتية كالسيقان والأوراق والبراعم والتي بإمكانها أن تمنح نفسها تماماً للرقة التركيبية للخطوط خاصة في مهمة اشغال الفراغات بشكل يعزز من روعة التصميم ويزيده كياسةً وبريقاً. كما انها تساعد في الوقت نفسه على تهية الفرصة لاستخدام الألوان المختلفة التي تكسر حدة التناقض اللوني المألوف بين الخطوط وخلفيتها مما يسبغ على اللوحة تأثيرا بصريا رائعا يشبه تأثير الحلي والاقراط على وجه امرأة جميلة. أما ألوان الخلفيات فغالبا ما تكون معتمة وقاتمة، كالأسود الداكن التقليدي على وجه التحديد، بينما تكون العناصر الأمامية بيضاء أو بألوان أخرى فاتحة، ويتم أيضاً إستخدام الألوان البرّاقة بعناية وعلى نحو متقطع، وبِخاصةٍ في الإطارات الداخلية الفسيحة والموتيفات الصغيرة وفي النقاط القواعدية. وبذلك يتم وضع جميع هذه العناصر والمكونات بشكل توافقي متناغم في تركيبة متكاملة لتقديم لوحة الخط العربي كوحدةٍ واحدة متماسكة.

- استخدام عدد كبير من الالوان غير المألوف استخدامها بموجب النهج الكلاسيكي في اعمال الخط العربي التقليدية. على ان الغرض الرئيس من توظيف هذه الألوان يتمثل في تعزيز الحس البصري وإضاءة التماسك الأساسي للصورة. علاوة على ان الاستخدام القليل والمدروس للعناصر الزخرفية جنبا الى جنب مع توظيف اللون يُعَدُّ أمراً أساسياً جوهريا في التأكيد على بلورة التجريد الفني وفصله عن الإنشاء النقشي دون إخضاع الاسلوب والنتيجة الى ماقد ينجم عن انتاج فن تزييني مجرد.

- ثمة عنصر داعم آخر لهذه المقاربة يتمثل في تقليص النص المكتوب الى الحد الممكن الأدنى. على ان تؤخذ العناية الكافية في البحث عن النصوص المناسبة ليس فقط لقصرها انما لتوفر التركيب التشكيلي المناسب في هياكل حروفها اضافة الى تناسب معانيها مع مااراه جديرا بالاعتزاز. بموجب هذه الفكرة أرى أن المبرر الاقوى لإستخدام أقل مايمكن من وحداتٍ نصية يكمن في حقيقة مفادها انه كُلّما أصبح النصُ طويلاً، كلما ازداد تشظي المشهد التشكيلي، وكلما ازدادت المحددات المفروضة على العملية الإبداعية مما يقلل أمر التحكم بها والسيطرة على ادارتها بالشكل المبتغى.

- توظيف التناظر التشكيلي خاصة بواسطة استثمار اسلوب "انعكاس المرآة" في انتاج صيغ مشتقة اخرى عن طريق استنساخ وتكرار عناصر منفردة وادماجها في ما يحقق شكلا جديدا.

وبالرغم من ان هذا الاسلوب ليس من ابتداعي الشخصي ولاهو بجديد على بقية الخطاطين، الا ان تسخيره في التكوين التجريدي لتكرار المشهد وتناظر العناصر وإنعكاسات الصور، وإعادة إنعاشها ودمجها بطرق وتقنيات أخرى يمثل اتجاها آخرا اضاف الى اعمالي صبغة بصرية اختلفت عما هو مألوف.

من مقدمة لكتاب قيد النشر - مصدق الحبيب