المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المشكلات الاجتماعية للمرأة الفقيرة في المجتمع السعودي



بن نزار
26-Oct-2006, 04:02
المشكلات الاجتماعية للمرأة
الفقيرة في المجتمع السعودي

أ / الجازي بنت محمد الشبيكي



مدخل
مشكلة البحث
أهمية البحث
أهداف البحث
منهجية البحث
أهم مفاهيم البحث
المشكلة الاجتماعية
الفقر
الحاجات
المداخل النظرية لتفسير مشكلة الفقر
أبعاد قضية فقر المرأة عالمياً وعربياً
أبعاد فقر المرأة السعودية ومؤشراته










المشكلات الاجتماعية للمرأة
الفقيرة في المجتمع السعودي

أ / الجازية بنت محمد الشبيكي


مدخل
حققت حركة التحديث التنمية الشاملة والمتسارعة للبلاد في العقود الثلاثة الماضية نقلة نوعية من التقدم والتحضر في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعمرانية تركت آثاراً إيجابية واضحة وملموسة على البنى المجتمعية والشخصية في جوانب متعددة ، إلا أنه ترتب عليها من جهة أخرى بروز العديد من الظواهر والمشكلات الاجتماعية على فئات من المجتمع بدرجات متفاوتة.ِ
من ضمن تلك الظواهر والمشكلات ما لوحظ في السنوات الأخيرة من وجود للفقر في مجتمعنا لأسباب عديدة دولية وقومية ومحلية وشخصية وغيرها.ومن أكثر الفئات الاجتماعية تضرراً من مشكلة الفقر فئة النساء ، حيث يشكلن أغلب الحالات المتقدمة للجمعيات والمكاتب الخيرية والضمان الاجتماعي وغيرها من مراكز ومصادر المساعدات والإعانات الاجتماعية.
وفقر النساء يعد إشكالية ينضم تحتها أو يتفرع عنها منظومة من المشكلات الفرعية التي تشكل أوجهاً متنوعة لها وتبادل معها التأثير والتأثر ، فالمرأة بصفتها محور الحياة الأسرية والأسرة محور الحياة الاجتماعية فإن أي قضية تمسها أو تؤثر على عطائها وأدوارها الاجتماعية ستؤثر بالتالي على حياتها الزوجية والأسرية وتنشئة أبناءها، وسيتكلف المجتمع كثيراً في الإنفاق على تبعات تلك الآثار في وقت هو أحوج ما يكون أن ينفقها على مقومات تنمية البلاد وتطويرها وتقدمها .
ولقد حظيت قضايا المرأة ومشكلاتها بشكل عام والمرأة الفقيرة على وجه الخصوص باهتمام من جانب الحكومات ومنظمات المجتمع المدني على المستوى العالمي وسلط على تلك القضايا والمشكلات الضوء لتبيان العوامل المتسببة فيها وإمكانية طرح الحلول العملية لتلافيها أو التقليل من حدتها ، وفي مجتمعنا السعودي هناك عديد من الدراسات حول أوضاع المرأة وقضايا بشكل عام في المجتمع الحديث من حيث التعليم والعمل والمشاركة الاجتماعية والاقتصادية وتأثيرات ذلك على حياتها الزوجية والأسرية وعلى تنمية بلادها ، ولكن تقل إن لم تنعدم الدراسات والأبحاث عن المرأة الفقيرة وما ينتج عن فقرها من مشكلات اجتماعية على مختلف الأصعدة ذات تأثيرات سلبية على حياة المجتمع المعيشية والتنموية . لذلك سيسعى هذا البحث بعون الله إلى الاهتمام بقضية المشكلات الاجتماعية المترتبة على فقر المرأة في مجتمعنا السعودي وما لها من آثار وتبعات على مستويات ومجالات تنموية متعددة.
مشكلة البحث :
تتركز مشكلة البحث في الوصول إلى أبعاد فقر المرأة في مجتمعنا السعودي ومؤشراته والعوامل المسببة له والآثار الناجمة عنه اجتماعياً ، مع محاولة طرح تصور عملي للتدخلات المطلوبة للحد من تلك الظاهرة وبالتالي التقليل من الآثار والتبعات المصاحبة لها .
أهمية البحث :
للبحث أهمية كبيرة من الناحية الدينية والإنسانية والتنموية حيث يقف الفقر والمشكلات المصاحبة له عائقاً للمرأة عن تحقيق وظائفها الدينية والأسرية والاجتماعية والاقتصادية ومهبطاً لها من النواحي النفسية والصحية والمعنوية ومقصياً لها عن المشاركة في الحياة الاجتماعية والتنموية ومكلفاً لمجتمعها كثيراً من أوجه الإنفاق والبذل المهدر.
أهداف البحث :
1. الوقوف على أبعاد فقر المرأة في المجتمع السعودي ومؤشراته والعوامل المسببة له .
2. رصد أهم المشكلات الاجتماعية المرتبطة بفقر المرأة في المجتمع السعودي.
3. محاولة الوصول إلى نوعية التدخلات الملائمة للتخفيف من فقر المرأة وبالتالي تقليل المشكلات والآثار التابعة له.

منهجية البحث :
سوف يتم بعون الله الاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي من خلال بحث مكتبي يستند إلى مصادر أدبية ودراسات وتقارير وإحصاءات متعددة عالمياً وعربياً ومحلياً ، بالإضافة إلى الخلفية الميدانية للباحثة في ملامستها لقضايا المرأة الفقيرة خلال عملها التطوعي لسنوات عديدة في جمعية النهضة النسائية الخيرية وبحثها في رسالة الماجستير عن الجمعيات الخيرية ودراستها الحالية في برنامج الدكتوراه عن تحديد خط الفقر لفئات نظام الضمان الاجتماعي ، ومقابلاتها للعديد من الأسر الفقيرة والنساء فيها على وجه الخصوص.

أهم مفاهيم البحث :
المشكلة الاجتماعية : (Social Problem ) :
هي ظاهرة اجتماعية سلبية غير مرغوبة أو تمثل صعوبات ومعوقات تعرقل سير الأمور في المجتمع ، وهي نتاج ظروف مؤثرة على عدد كبير من الأفراد تجعلهم يعدون الناتج عنها غير مرغوب فيه ويصعب علاجه بشكل فردي، إنما يتيسر علاجه من خلال الفعل الاجتماعي الجمعي (1). وهناك من ينظر إلى المشكلات الاجتماعية والظواهر الاجتماعية Social Phenomen والقضايا الاجتماعية Social issuesعلى أنها جميعاً مترادفات لمعنى واحد، وهناك من يقول أنها تبدأ بظاهرة تحدث في المجتمع وتنتشر ثم تصبح مشاهدة ولها عناصر إيجابية وعناصر سلبية ، ثم تتحول إلى قضية إذا أصبحت سلبياتها أكثر من إيجابياتها ولكن السلبيات غير ملموسة وتصبح مشكلة إذا كانت السلبيات ملموسة وواضحة .
وهناك من يميز بين المشكلة الفعلية المتمثلة في الظاهرة المتفشية التي أصبحت من الثقافة السائدة والتي تعيق دورة العمل العامة أو تعرض عدداً كبير من الأفراد للخطر، والمشكلة الزائفة المتمثلة في بروز طفرة عابرة من السلوك المختلف أو غير المتوقع والذي لا يتفق عادة مع ما هو سائد ومعروف أو متعارف عليه وغالباً ما تخبو جذوته دون أن تترك آثاراً تذكر في بنية القيم الفعالة في الثقافة المجتمعية (2) .
ويمكن القول بصفة عامة أن أي تعريف للمشكلة الاجتماعية يتضمن بُعدين أساسيين ، البعد الذاتي في تعريف المشكلة وهو يركز على قياس الضرر الاجتماعي الناتج عن وجود المشكلة ، والبعد الموضوعي الذي يهتم بكيفية وقوع هذا الضرر (3) .
وقد أثار بعض المهتمين بالمشكلات الاجتماعية بعض التساؤلات التي يجب أن تؤخذ في الحسبان عند دراسة المشكلات الاجتماعية منها :
1- هل المشكلة الاجتماعية هي التي يشعر بها الأفراد العاديون أم هي التي يحس بها المتخصصون ؟
2- هل المشكلة الاجتماعية هي التي تخص قطاع كبير من الناس بغض النظر عن قوتها أو مدتها أم أنه ينظر إلى المشكلة الاجتماعية من خلال قوتها أو مدتها أو مداها ؟
3- هل ينطوي تعريفنا للمشكلة الاجتماعية على أي حكم قيمي Value Judgment أو انحياز ثقافي Ethne Centrism ؟

الفقر Poverty :
يعني الفقر ببساطة انخفاض مستوى المعيشة أو عدم القدرة على تحقيق الحد الأدنى من مستوى المعيشة المطلوب والمرغوب اجتماعياً ، وهو ظاهرة معقدة ذات أبعاد متعددة اقتصادية واجتماعية وسياسية وتاريخية ، ويختلف مفهومه باختلاف البلدان والثقافات والأزمنة، إلا أنه من المتفق عليه أنه ( حالة من الحرمان المادي تتجلى أهم مظاهرة في انخفاض استهلاك الغذاء كماً ونوعاً وتدني الحالة الصحية والمستوى التعليمي والوضع السكني والحرمان من تملك بعض السلع والأصول المادية الأخرى وفقدان الاحتياطي أو الضمان لمواجهة الحالات الصعـبة كالمرض والإعـاقة والبـطالة والكـوارث والأزمـات (4).
ويربط الاقتصاديون بين الفقر ونقص الدخل ولكن الاجتماعيين يرون أن الفقر لا يعني نقص الدخل فقط ولكنه يرتبط بالحقوق والعلاقات وكيفية تعامل الناس فيما بينهم ونظرتهم إلى أنفسهم بالإضافة إلى عدم ملائمة الدخل . واعتبرت تقارير التنمية البشرية الفقر مفهوماً مركباً متعدد الأبعاد يتجاوز مجرد الحرمان من الضرورات المادية ليتضمن مفهوم الحرمان من الخيارات والفرص التي تعتبر أساسية لتحقيق التنمية البشرية. فهدف التنمية أن يحيا الإنسان حياة طويلة وصحية خلاقة وأن يتمتع بمستوى معيشي لائق، لذا نجد أنفسنا أمام مفهوم جديد للفقر هو مفهوم القدرات وأهمها الصحة ومعرفة القراءة والكتابة وهما عاملان هامان في ما إذا كان الشخص تشمله حياة المجتمع أو أنه مستبعد منها .
ومصطلح الفقر في الإسلام يراد به عدم توفر حد الكفاية وهو الحد اللائق للمعيشة الكريمة ويدخل في هذا المفهوم كل من الفقير والمسكين . وقد اختلف في التفريق بين الفقراء والمساكين في قوله تعالى ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ) على عدة أقوال والراجح منها أن الفقير من لا يملك شيئاً أو يملك أقل من نصف الكفاية بينما المسكين هو من يملك نصف الكفاية أو أكثرها (5) .وينقسم الفقراء والمساكين إلى قسمين (6) :-
1- القادرون بدنياً أو فكرياً على العمل وهؤلاء يحتاجون إلى أن توفر لهم مناصب شغل في مختلف قطاعات النشاطات الاقتصادي والاجتماعي لكي يحصلوا على دخل دائم ومضمون ويستطيعوا أن يعيشوا حياة عادية بكرامة ويساهموا في نمو الثروة الوطنية وتمويل صندوق الزكاة إذا تجاوزت أموالهم النصاب.
2- غير القادرين على العمل مثل المسنين والمعاقين واليتامى والمرضى الذين يحتاجون إلى المساعدة سنوياً لأن مساعدتهم واجبة حيث يتعلق الأمر هنا بتوفير وسائل العيش لإناس غير قادرين على العمل وكسب عيشهم بوسائلهم الخاصة، ويجب أن يلعب التضامن دوره باستمرار لمصلحتهم والتخفيف عنهم .

الحاجات : Needs
هي كل ما يتطلبه الإنسان لسد ما هو ضروري من رغبات أو لتطوير ما هو مفيد لتطوره ونموه ، وهي أنواع متعددة بدنية ونفسية واجتماعية واقتصادية. والحاجات الأساسية التي أخذت بها منظمة العمل الدولية خلال السبعينات تشمل الحد الأدنى من المأوى والمأكل والملبس والأثاث المنزلي ثم أضيفت إلى ذلك فيما بعد الخدمات الاجتماعية العامة أو الشاملة التي يجب توافرها وهو ما يعرف بمؤشرات التنمية كمياه الشرب النقية وفرص الصحة والتعليم والمواصلات ومدى توفر المنافع الصحية والإمكانيات المتعددة الأخرى . وفي تصنيف ( ماسلو) للحاجات يقف تحقيق الذات في قمة الهرم ودونه تقدير الذات ثم الحاجة إلى الانتماء الاجتماعي ثم الحاجة إلى الأمن ثم أساس القاعدة وهي الحاجات الحيوية من غذاء وملبس ومسكن. ومفهوم الحاجات في الإسلام مرتبط بمقاصد الشريعة حيث يبدأ بالضرورات ثم الحاجات ثم التحسينات.
المداخل النظرية لتفسير مشكلة الفقر:
في إطار النظريات البنائية الوظيفية يستخدم مفهوم عدم المساواة في سياق تحليل التدرج الاجتماعي حيث ينظر للتفاوت في الثروة والقوة والمكانة بصفته إحدى الحقائق الأساسية في تاريخ المجتمع البشري حتى المراحل البدائية منه ، فعدم المساواة جزء من النظام الطبيعي، ويتمثل التحليل الوظيفي لعدم المساواة في عدد عن القضايا في مقدمتها ثلاث هي (7) :
1- تباين أنصبة الأشخاص المختلفين من الاستعدادات الفطرية والمهارات المكتسبة ( الذكاء، الدافعية ، الطموح ، الإبداع ، المثابرة ، الخبرة ، وغيرها ).
2- تفاوت أهمية الأدوار والمهام الاجتماعية التي يقتضيها تسيير النسق الاجتماعي وتحقيق استقراره ، فهناك وظائف أكبر أهمية وحيوية لوجود المجتمع واستمراره من غيرها من الوظائف .
3- حق الأشخاص الموهوبين من حيث الاستعدادات الفطرية والمهارات المكتسبة أن يشغلوا الوظائف الأرقى ويحصلوا على دخول مادية وغير مادية أكبر، في حين تبقى الوظائف الأدنى والدخول الأقل لذوي العطاء المتواضع . وتأسيساً على ذلك يقال أن الفقر هو النصيب العادل للفقراء، وأن محاولة التمرد عليه من أهم مصادر التوتر في النسق الاجتماعي.

أما منظور ثقافة الفقر الذي حاول فيه بعض العلماء الإجابة على بعض التساؤلات حول علاقة الفقر بثقافة المجتمع واستمرارية الفقر من جيل إلى جيل فقد توصلوا إلى أن الفقراء يصيرون فقراء لأن لهم ثقافة خاصة وطريقة حياة تختلف عن سواهم من الفئات الأخرى ولهم قيم واتجاهات تكرس من الإحساس باليأس وفقدان الأمل، وهم وفق هذا المفهوم يتسمون باللامعيارية ونقص التكامل مع القيم والأعراف وتوجهات الثقافة الأكبر ، ولا يؤيدون أخلاق العمل ويتسمون بالقدرية ويتشككون في أن تدخلهم في الأحداث يمكن أن يؤثر فيها، ومن ثم لا يتسمون بالفعالية ولا يعتبرون أنفسهم أشخاصاً ذوي قيمة (8) . وقد انتقد هذا التوجه من قبل كثير من العلماء الاجتماعيين الذين أكدوا على عدم وجود ما يدعم فرضية ثقافة الفقر ، بل أن هناك ما يثبت عكس توجهاتها ، وهذا يتوافق مع المنظور الاجتماعي لظاهرة الفقر والذي يرى فيه كثير من المصلحين الاجتماعيين أن ظاهرة الفقر هي مظهر من مظاهر عدم العدالة الاجتماعية يمكن علاجها بتدابير وخطوات تقوم على تفهم الفقر كمفهوم معقد وظاهرة اجتماعية تتداخل في تكوينها عوامل شخصية وبيئية واجتماعية وسياسية ويجب أن تعالج جذرياً حيث لا يكفي علاج أعراضها ، لذلك يقع على الدولة وفق هذا المنظور مسؤولية حماية مواطنيها من الفقراء وغيرهم في المجتمعات الصناعية المعاصرة من مشكلات كانت هي السبـب فيها ولا قـدرة للمواطنين على تحملها (9).
إن التوجه التنموي منذ بداية القرن الحالي ، ركز وبمبادرة من البنك الدولي والأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة على تحديث المجتمعات النامية من خلال النمو الاقتصادي الذي يزيد في نظرهم من فرص الدخل للأفراد، على أن توفر له من الشروط ما تمكنه من النجاح مثل الخدمات الاجتماعية الأساسية من تعليم وصحة ومهارة إضافة إلى مشاركة وحرية وتمكين الأقليات من وجهة نظرهم مثل السود والنساء وغيرهم من الجماعات العرقية المختلفة داخل المجتمع. فالمرأة على سبيل المثال أكثر فقراً من الرجل لضعف مشاركتها وعدم تمكنها من حقوقها في التعليم والعمل . وفي المقابل هناك من يرفض تلك التوجهات الرأسمالية ويرون أنها السبب في إستمرار حالة التخلف والضعف والفقر للدول النامية من حيث استغلال طاقات أفراد المجتمع للمصالح الرأسمالية للدول الكبرى وتهميش القدرات والإمكانيات الذاتية الفردية والجماعية المحلية التي من الممكن أن تثمر بعيداً عن ضرورة ارتباطها بالدول الكبرى أو اقتصارها على المجال الصناعي كأساس للتنمية والتحديث.
ولابد من فهم مسببات الفقر في أي مجتمع للعمل في ضوئها واقعياً مع الاستفادة من تجارب الآخرين بعد دراستها وأخذ الملائم منها . فالتطور الصناعي في المدن والمراكز الحضرية على سبيل المثال أضعف الاقتصاد الزراعي في القرى والأديان مما زاد من هجرة أبناءها إلى تلك المدن والمراكز وارتفاع أعداد الطلب على فرص العمل، كما زاد من الضغط على الخدمات الاجتماعية وساهم في زيادة كل من الفقر في الأرياف وفي المدن على حد سواء. وأضعفت الهجرة الروابط العائلية الاجتماعية التي كانت تمثل شبكة الأمان والدعم والحماية للأفراد والأسر (10).
وينادي كثير من الدارسين بأهمية أخذ البعد الثقافي لأي مجتمع في الإعتبار في أي عملية تنموية أو تغيير اجتماعي وعدم فرض النماذج الخارجية على المجتمع بكل ما فيها فعلى سبيل المثال : يقتضي تقسيم العمل في المجتمعات العربية وفقاً لثقافة المجتمع أن تقوم المرأة بالعناية بشكل أكبر بشؤون المنزل الداخلية بينما يقوم الرجل بشؤون المنزل الخارجية وعلى رأسها تحصيل الرزق وهو ما ينسجم مع تعاليم الإسلام في جعل النفقة واجبة على الزوج لزوجته بل وجعل نفقة المرأة واجبة على ولي أمرها الأقرب مهما بعد من عصبتها ، ومع تفككك وضعف الضوابط العائلية وخروج المرأة للعمل على نطاق واسع أصبح الوضع الاجتماعي يفرض على المرأة البحث عن العمل أو الدعم الخيري بدلاً من الحصول على حقها في النفقة من أقاربها خاصة مع ضعف الروابط بينهم مما أسس لوضـع جديد أصبـحت فيه المرأة أكثر تضـرراً من الرجل بقضـية الفقر (11). هذا الأمر تفسره الثقافات الأخرى في تركيزها على تأنيث الفقر تفسيراً بعيداً عن محتواه القيمي والثقافي من الناحية الدينية أو من ناحية العادات والتقاليد.
والإسلام بصفته آخر الأديان السماوية ورسوله خاتم الأنبياء بين لنا أن مسببات الفقر لا تخرج عن ثلاثة مما يلي (12) :
1) عدم قيام الإنسان بمسئوليته تجاه الطبيعة التي سخرها الله له وأمره بالسعي فيها فيترك ما يجب عليه من بذل الجهد والوسع، وبتعبير آخر عدم القيام بالمساهمة في العملية الإنتاجية مع إمكانية القيام بها .
2) عدم القيام بالإنتاج لعدم توافر إمكانيات القيام بذلك لقصور في قدرات الفرد ( العجز) .
3) عدم قيام الإنسان بواجباته تجاه أخيه الإنسان وإعطائه حقوق عمله وجهده في العملية الإنتاجية أو حقوق عجزه أو قصوره ، وبتعبير آخر عدم القيام بتحقيق العدالة في توزيع الناتج.
لذلك فمنشأ ظاهرة الفقر إذا إما لتفريط في الإنتاج ( لكسل أو العجز عائد الفرد ) أو تفريط في التوزيع ( من قبل المجتمع من أهل وأقارب ومسؤولين ) ويمكن أن يضاف إلى ذلك في نظر الباحثة ما ليس للفرد ولا للمجتمع يد فيه من كوارث وزلازل وحروب وغيرها.
والنظام الاقتصادي في الإسلام يدعو إلى سيادة الحرية الاقتصادية واحترام الملكية الفردية ضمن الضوابط الشرعية ولكنه يقر بأن نظام السوق كأداة رئيسة لتوزيع الدخل قد يفرز آثاراً سلبية على بعض شرائح المجتمع التي لم تدخل السوق لمرض أو عجز أو كبر أو غيره أو التي دخلت السوق ولا تملك ما يكفي لتغطية مصروفات حاجاتها الأساسية ،لذلك قدم الإسلام نموذجاً متميزاً يكفل من خلاله الحياة الكريمة لتلك الفئات وأطلق عليه نظام إعادة توزيع الدخل من خلال وسائل وأدوات بعضها إجباري مثل الزكاة والإرث ، وبعضها اختياري مثل الصدقات والأوقاف.

أبعاد قضية فقر المرأة عالمياً وعربياً:-
جذب التركيز المتزايد على البعد الجنسي للفقر إهتمام الرأي العام نحو الفقر الذي تعانيه المرأة ، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الفقر لدى النساء ظاهرة حديثة ، وأن التوزيع غير المتناسب للفقر بين الجنسين ناتج فقط عن التغيرات التي تمت في الثمانينات، ففي بريطانيا تؤكد إحدى الدراسات(13) أن المرأة ظلت وعلى مدى القرن الماضي أكثر فقراً من الرجل، وفي بداية هذا القرن كانت نسبة 61% من إجمالي الكبار الذين يحصلون على إعانات فقر من النساء. وفي الوقت الحالي تبلغ نسبة النساء من إجمالي الكبار المتلقين للدخل في بريطانيا 59% (14) وفي الولايات المتحدة الأمريكية تمثل النساء غالبية الذي يعيشون تحت مستوى خط الفقر، وتمثل الفجوة الأجرية بين الرجال والنساء مشكلة دائماً للنساء على الرغم من ضيق هذه الفجوة في الآونة الأخيرة (15)وتشكل نسبة النساء الفقيرات في العالم قياساً للفقراء بشكل عام في العالم 70% من بين 1.3 مليون فقير (16) أما النساء العاملات على وجه الخصوص فيمثلن حوالي 60% من 550 مليون من العمال الفقراء (17). وهناك الكثير من الظواهر التي تؤكد أنه في ظل النظام العالمي الجديد وفي ظل العولمة والتعديل الهيكلي وغيره من الأسباب فإن ظاهرة فقر المرأة في ازدياد مستمر ومن المتوقع بأن تزيد أعداد النساء الفقيرات زيادة كبيرة في السنوات المقبلة (18).
وهناك عدد من المؤشرات المتعلقة بمركز المرأة في منطقة الاسكوا
( غربي آسيا) والتي توفر قدراً من الرؤية بالنسبة للظروف التي تعيش فيها المرأة وإن كانت تلك المؤشرات تتعلق في حالات كثيرة ببلدات منتقاه فقط، غير أن الارتباط القائم بين هذه المؤشرات ومدى إنتشار الفقر ليس ارتباطاً مباشراً
(19) وإذا كان هناك دليل قوي على عدم عدالة توزيع الموارد بين النوعين داخل الأسر في الغرب(20) (21) فإن هذا الدليل قد لا يكون له دلائل مناظرة في حال المنطقة العربية حيث تقوم الإحصاءات المتوافرة عادة على تعريف للفقر يتخذ الأسرة المعيشية بصفتها وحدة واحدة، مما يترتب عليه التغطية على الفروق داخل الأسرة بما في ذلك بين النوعين. ولكن تعتبر النساء في المنطقة العربية أفقر من الرجال عندما ينظر للفقر على أساس مفهوم القدرات الإنسانية والتي تعتبر من المؤشرات الهامة لفقر المرأة حسب تقارير الأمم المتحدة، والتي لا تعتبرها الباحثة مؤشرات وإنما تعتبرها ضمن دائرة الفقر في الوطن العربي بشكل عام وللنساء فيه على وجه الخصوص إما سبباً للفقر أو نتيجة له. سواء المتعلق بتلك المؤشرات من النواحي الصحية أو التعليمية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية. أما ما يمكن أن نعتبره مؤشراً مباشراً لفقر المرأة فهو مقدار أو حجم أو أعداد النساء الفقيرات العربيات المتلقيات لإعانات شبكات الأمان الإجتماعي المختلفة قياساً لأعداد الرجال في المجتمع وهو ما لم تستطيع الباحثة الوصول إليه .
إن ترأس بعض النساء العربيات لبعض الأسر والذي قد يعتبره بعض المحللين ظاهرة من ظواهر تأثير الفقر هو مسألة خلافية فالأسرة التي ترأسها نساء تمثل أقلية كبيرة في البلدان العربية إذ تبلغ 15-20% . ولا يرتفع احتمال الفقر بوجه عام في الأسر التي ترأسها نساء في مصر إذا تشير نتائج بعض المسوح إلى أن تلك الأسر تحصل في المتوسط على دخل للفرد أعلى بسبب هجرة عائلها إلى البلدان النفطية ، وتظهر نتيجة مشابهة في مسح مستوى المعيشة الذي أجري في المغرب عام 1991وفي تونس لا تزيد نسبة الفقر بين الأسر التي ترأسها نساء، وفي اليمن تقل نسبة الأسر التي ترأسها نساء قليلاً بين الفقراء (3%) عن غير الفقراء (4%) . أما في الأردن فإن معدل الفقر بين الأسر التي ترأسها نساء يبدو أعلى عن باقي الأسر وفي غزه والضفة الغربية تعد الأسر التي ترأسها نساء بين الأفقر والأكثر تعرضاً لمخاطر الإفقار في المجتمع ككل (22).
هذا ويمكن في ضوء المسوح والدراسات والبحوث التي عنيت بتأثيرات الفقر على خصائص المرأة العربية رصد الاستخلاصات التالية (23):-
1) يقل معدل القراءة والكتابة بين الإناث في عام (1997) عن النصف 46.4% ، ويزداد بحوالي مرة ونصف لدى الذكور 70.6% في نفس العام.
2) تزيد قليلاً نسبة القيد الإجمالية للإناث في جميع مراحل التعليم عن نصفهن مما يعني حرمان النصف الآخر من تلك الفرصة .
3) تنحسر فرص التمكين الاقتصادي للمرأة مما يزيد من احتمالات افقارها لأن انحسار فرص التمكين الاقتصادي ترتبط بكم فرص العمل ونوع العمل والعائد منها فضلاً عن تملك الأصول الرأسمالية أو الحرمان منها .

إن لفقر المرأة آثاراً سلبية متعددة على نفسها وعلى أطفالها وبالتالي على تقدم مجتمعها وتنمية وبلادها، فلقد توصلت بعض البحوث إلى أن الفقر وانعكاساته على سوء التغذية والوقاية والعلاج يلعب دوراً واضحاً في وفيات الإناث، كما تبين ذلك في دراسات اليمن ومصر والسودان وبلدان شمال أفريقيا . وتوضح بعض دراسات الحالة في مصر والمغرب ولبنان أن المرأة الفقيرة غالباً ما تلجأ إلى التطبيب الشعبي لارتفاع تكلفة العلاج الخاص وعدم توفر إمكانات العلاج في المستشفيات والمصحات الحكومية، كما تعاني من نقص البروتين الحيواني والفيتامين في غذائها (24) وهناك مؤشرات متعددة على ضعف أطفال الأسر الفقيرة من حيث معدلات وفيات الرضع والأطفال وسوء التغذية وتزايد عدد الأطفال المعاقين (25). إلى جانب تأثير آخر لفقر المرأة يتمثل في زيادة اليد العاملة من الأطفال وهي ظاهرة أخذ في الزيادة في البدان النامية ولم تحظ بما تستحقه من بحوث ، ولقد أوضحت المسوح العلمية في جميع أنحاء العالم أن أول من يتأثر بالتدهور البيئي هم الفقراء خاصة النساء والأطفال وكبار السن ، كما أن أول من يؤثر في زيادة التدهور البيئي هم الفقراء وفي مقدمتهم النساء اللاتي يحاولن الاستفادة مما يبقى من الثروات الطبيعية غير عابئات بمخاطر اندثار وتلوث البيئة (26) .
لقد أثر الفقر بشكل كبير على خفض مستوى معيشة النساء وجعلهن يواجهن عدة صعوبات اجتماعية واقتصادية سواء ربات البيوت منهن أو العاملات في أسواق العمل الحضرية أو العاملات بشكل هامشي في الريف ، ومن تلك الصعوبات عدم قدرتهن على إعالة أنفسهن وتربية أطفالهن مما يشكل مضاعفات خطيرة بالنسبة للمجتمع من حيث نوعية مواطنيه الحاليين والمقبلين وطبيعة إنتاجهم وقدراتهم كمورد بشري للأجيال القادمة ومن حيث المشكلات الدينية والأخلاقية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي قد تكون عائقاً كبيراً عن تمكينهم من أن يكونوا خلفاء الله في أرضه كما يريد وعن تمكينهم من أن يكونوا محوراً هاماً للتنمية بشكل عام والتنمية المستديمة على وجه الخصوص.
أبعاد فقر المرأة السعودية ومؤشراته :
لم يكن لفقر المرأة بصفته المفرده خصوصيته البارزة للعيان قبل التغيرات الاقتصادية الحديثة للمجتمع السعودي منذ استقرار الأحوال السياسية واكتشاف النفط وما لحق به من تطورات وتغيرات في البيئة الاجتماعية للمجتمع من عادات وتقاليد وقيم وأنماط سلوكية ووسائل معيشية ، حيث كان الفقر في السابق يعم المجتمع المحلي أو المجتمع الريفي أو المجتمع القبلي أو مجتمع الجيرة في المدن الصغيرة بشكل عام ولا يتضح فيه فقر أي فرد من أفراد الأسرة على حساب الأفراد الآخرين وذلك لانتمائهم في الغالب لمجتمعات متجانسة ومن شأن التجانس وطبيعته تحقيق التوافق والتجاوب والتآزر وكافة صور التعاون التي تحدث شعوراً بالأمن الاجتماعي والمشاركات الوجدانية في مختلف المناسبات الاجتماعية(27)، كذلك كان للنظام الغالب على الأسرة وهو نظام الأسرة المركبة أو الممتدة ( والتي تضم الجدين وأبناءهما من الذكور المتزوجين وصغارهما وحفيداتها ) دور في تغطية الفروقات وإشباع الاحتياجات وحل المشكلات الخاصة بأفراد الأسرة حيث كانت المصلحة الجماعية هي السائدة والغالبة على المصلحة الفردية ، وبعد التغيرات الحضارية الشاملة السريعة التي شهدها المجتمع السعودي حدثت تطورات كبيرة وسريعة لأغلب أجهزة الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية والإسكانية وغيرها، وتفتت الأسرة الكبيرة أو الممتدة إلى اسر نووية صغيرة ، حيث اقتضت حتمية التحول من نمط الحياة التقليدي إلى النمط الحديث أن يتقلص دور تلك الأسر الممتدة وتلك المساندة القبلية والعشائرية وتحل الدولة محلها ، ووجدت المؤسسات الاجتماعية المختلفة التي تعمل على تلبية حاجات الأفراد وفرضت هذه التحولات تنظيم برامج ضخمة وشبكات أمان متعددة من قبل الدولة والهيئات الأهلية المختلفة. واستطاعت المرأة التي استفادت من فرص التعليم والعمل المتاح أن تساند نفسها إلى حد ما في حال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ولكن بقيت المرأة الفقيرة غير المتعلمة في البيئة البدوية والريفية متضررة من فقدانها للدور الذي كانت تلعبه في الإنتاج بصورته التقليدية في فترة ما قبل التغيرات الحديثة في حال مواجهتها للأزمات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة .
ومنذ أكثر من عشرين عاماً وتحديداً بعد أزمة ( حرب الخليج) شهدت البلاد أزمة اقتصادية شاركت فيها عدداً من دول العالم لأسباب متعددة منها ما يختص بتراجع أسعار النفط ومنها ما يختص بمعالجة آثار الحروب ومنها ما يختص بخلل الإستفادة من توزيع الموارد جغرافياً وفئوياً ووظيفياً إلى جانب ضعف التخطيط التنموي للموارد البشرية. فحدثت العديد من قضايا البطالة والفقر والهجرة غير المتوازنة وإنحسار فرص التعليم الجامعي وما تبع ذلك من بعض مشاكل من التفكك الأسري والسلوكيات الانحرافية والمشاكل الصحية والطلاق والعنف الأسري وبعض السلوكيات التطرفية وغيرها. ولقد أجمع كثير من الدارسين والمحللين على أن الأسرة هي المتضررة الأولى من ذلك كله وأكثر من يتحمل عبء تلك القضايا والمشكلات ، حيث أثبتت الدراسات الاجتماعية أن وقع الطلاق والترمل والشيخوخة ومظاهر التفكك الأسري الأخرى كالانحراف والإدمان أكثر وطأة على النساء والأطفال منها على الرجال. وتوصل العتيبي في دراسته عن الأسر السعودية المهاجرة إلى مدينة الرياض أن 25.901% من أسر العينة المبحوثة تعيش مع الأم مع غياب الأب سواء بسبب السفر أو الترمل أو الانفصال وأن 54.4% من هذه الفئة أما أرامل أو مطلقات (28).
ومن أهم مؤشرات وقع الفقر على كاهل المرأة أكثر من وقعه على كاهل الرجل في مجتمعنا السعودي ما يلي :
أولاً : زيادة أعداد النساء المستفيدات من مخصصات الضمان الاجتماعي سواء المعاشات أو المساعدات الاجتماعية على الرغم من أن تلك الاعداد غير معلن عنها رسمياً ( لسياسة الضمان الاجتماعي في هذا المجال ) وعلى الرغم من أن التقارير السنوية لمكاتب الضمان الاجتماعي تبين أن الإنفاق على الرجال أكثر من الإنفاق على النساء ولكن عدداً من الشواهد تدل على عكس ذلك منها على سبيل المثال :
1- أن المرأة من أكثر الفئات المنصوص على استحقاقها لمخصصات الضمان الاجتماعي بصفتها أرملة أو مطلقة أو مهجورة أو متزوجة لا عائل لها أو زوجة سجين أو غير ذلك .
2- دلت عدة دراسات على تزايد أعداد النساء المستفيدات من مخصصات الضمان الاجتماعية والمتقدمات لطلب الإعانة قياساً على أعداد الرجال.(29) (30)(31).
3- المبالغ المذكور تخصيصاً للرجال من قبل الضمان الاجتماعي والتي تبدو أكثر من المبالغ المخصصة للنساء في التقارير السنوية لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية جاءت بسبب زيادة حجم أسرة الرجل الذي يستطيع الجمع بين أربع زوجات وأطفاله منهن ( وقد تكون أعمارهم متقاربة كثيراً ) في وقت واحد ، بينما يحسب للمرأة أولادها من زوجهـا المتوفي أو طليقها حتى يبلغوا سناً معينة ( 18 سنة ) ثم يصبحوا حالات استحقاق منفصلة عن والدتهم لذلك يبدو لمن يقرأ تلك المخصصات أن أعداد الرجال المستفيدين من مخصصات الضمان الاجتماعي أكبر من أعداد النساء.
ثانياً : دلت تقارير أغلب الجمعيات الخيرية الرجالية والنسائية على أن النساء والأيتام هم أكثر الفئات المستفيدة من مساعدات وإعانات تلك الجمعيات لما تحتاجه المرأة بشكل دائم من الإنفاق على صغارها وتحمل عبء مسؤولياتهم في حال ترملها أو طلاقها أو هجرها .
الآثار الناجحة عن فقر المرأة السعودية والمشكلات والتبعات المصاحبة له .
لابد من الإشارة هنا إلى إنه قد يصعب تحديد أساس أي مشكلة من المشكلات التي سيرد ذكرها من التبعات المصاحبة لها أو الآثار الناجمة عنها في ظل دائرة الفقر التي تناولتها عديد من النظريات والدراسات الاجتماعية والاقتصادية في مختلف المجتمعات البشرية وأهمها نظرية حلقة الفقر المفرغة Vicious circle of poverty والتي توصلت إلى أن مشكلة الفقر ناتجة عن تفاعلات سببية بين مجموعة من العوامل والمتغيرات المختلفة التي تسهم في استمرار تلك المشكلة في الدوران حول نفسها سلباً داخل إطار حلقة مفرغة من الظروف السيئة. بالإضافة إلى ذلك فإن مشكلة الفقر قد يختلف تأثيرها على الأفراد والأسر والمجتمعات بحكم العديد من اختلافات الفروق الفردية وإمكانات المساندة والدعم الأسري والظروف الاجتماعية المتباينة، إلا أنه من الممكن رصد بعض المشكلات المصاحبة لفقر المرأة في المجتمع السعودي والتي قد تشترك فيها مع نساء أخريات في المجتمع بحكم الجنس ومع فقراء رجال بحكم الشريحة الاجتماعية أو الفئة الاجتماعية أي الفئة الفقيرة في المجتمع على النحو التالي :
أولاً : المرض :
يرتبط المرض وبصفة خاصة أنواع منه بحالة الفقر التي تكون عليها الأسرة والمجتمع وذلك لقلة الموارد من جهة ولضعف الوعي من جهة أخرى ولقصور التغذية من جهة ثالثة ، أو لما ينشأ عنها من ظروف ويتصل بها من ملابسات تؤدي كلها إلى انعدام الصحة وقائياً وعلاجياً (32) وأهم ما يرتبط بفقر المرأة في هذا المجال هو موضوع سوء التغذية ونقص السعرات الحرارية والفيتامينات واعتلال الصحة والإنجابية أثناء الحمل والولادة والتي من الممكن أن تؤدي إلى الوفاة. بالإضافة إلى أمراض الجهاز التنفسي وأمراض الجهاز الهضمي والتي أثبتت العديد من التقارير الصحية والتنموية العالمية صلتها الوثيقة بالفقر ، كما أن التفاعلات بين البيئة والصحة والفقر تفاعلات ذات دلالات واضحة فالتلوث البيئي ( قذارة المياه والهواء ) يعتبر مساهماً رئيساً في الإصابة بالإسهال وأمراض الجهاز المعوي وأمراض الجهاز التنفسي وهي أكبر أسباب الوفاة شيوعاً للنساء والأطفال الفقراء حسب ما جاء في كثير من تقارير الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة منذ عام (1990م – 2003م ) .
وقد توصلت إحدى الدراسات المحلية(33)إلى عدة مؤشرات تدل على تدني المستوى الصحي للأسر الفقيرة في الأحياء الشعبية من مدينة الرياض منها تدني مستوى النظافة الشخصية ، تدني مستوى النظافة العامة ، إهمال صحة البيئة ، نوعية الغذاء غير الجيدة ، إهمال طرق الوقاية من الأمراض المعدية ، إهمال رعاية الأمومة والطفولة ، عدم توفر الملف الصحي العائلي لبعض الأسر، الاعتماد على الرضاعة الاصطناعية مع إهمال طرق النظافة والتعقيم واستمرار الرضاعة الاصطناعية لما بعد سن الرابعة ، سوء استخدام وحفظ الأدوية وخاصة المضادات الحيوية ، إهمال طرق تجنب الحوادث المنزلية ، عدم الإلمام بأساسيات الإسعافات الأولية. كما اتضح من دراسة أخرى(34) علاقة الظروف السكنية غير المناسبة بالإصابة بمرض الدرن وأنها قد تكون أحد الأسباب المؤدية له . وتوصلت الدراسة نفسها إلى أن نسبة الإناث اللاتي أحسسن بأعراض المرض منذ أكثر من سنة كانت أكبر من نسبة الذكور والتي من الممكن أن تفسر بتأخر مراجعة الإناث للأطباء لإجراء الفحص في بداية المرض لعدم قدرتها الذهاب بمفردها أو خوفاً من الإعلان عن المرض للزوج فيطلقها أو يهجرها أو يتزوج بأخرى . وكشفت نتائج دراسة صحية اجتماعية (35) عن أن ارتفاع المستوى التعليمي للأمهات والآباء وارتفاع الدخل الشهري للأسرة وتحسين مستوى المعيشة وغيرها من المتغيرات المرتبطة بمؤشرات التنمية الاجتماعية والاقتصادية تعد من أهم المرتكزات الأساسية لتحقيق أهداف خفض معدلات وفيات الأطفال والرضع ولتنفيذ برامج الرعاية الصحية الأولية بشقيها الوقائي والعلاجي ، فدخل الأسرة يرتبط ارتباطاً مباشراً بصحة الطفل من خلال نوعية الغذاء والسكن ، ومن خلال نوعية الرعاية الطبية التي توفرها الأسرة لأفرادها . وقد وجد ارتفاعاً في معدل وفيات الأبناء وسط مجموعة أسر مفردات عينة إحدى الدراسات من الفقيرات حيث بلغ متوسط الأبناء الذي توفوا من بين الأبناء المولودين أحياء 2.63 طفلاً الإجمالي أفراد العينة ، ووجد أن من بين كل أربع من الأسرة المبحوثة شخصاً مريضاً (36).

والإشكالية في مرض المرأة الفقيرة في الوقت الحاضر ليس في الحصول على العلاج لأن العلاج في المجتمع السعودي بالمجان لجميع المواطنين والمواطنات، ولكن ينقص المرأة الوعي المطلوب بالطريقة الصحيحة للعلاج ولتنفيذ تعليمات أخذ الدواء وذلك لارتباط فقر المرأة في الغالب بأميتها وضعف وعيها وإدراكها بأهمية تلك التعليمات وخطورة إساء استخدام الدواء التي من الممكن أن تؤدي إلى نتائج عكسية يصعب بعدها العلاج كما أشار إلى ذلك أحد الباحثين(37) ولاشك أن البيئة المعيشية غير الملائمة صحياً وارتفاع نسبة التزاحم السكني قد تكون عاملاً هاماً من عوامل انتقال العدوى بالأمراض وتفشي الجراثيم وبالتالي تردي الأحوال الصحية للمرضى وغير المرضى في العائلة حيث وجد علاقة بين نوع السكن وعدد مرات التنويم في المستشفيات العامة (38)(39)(40).
وعندما يزداد وضع الأحوال الصحية سوءاً ويتطلب الأمر علاجاً متخصصاً تبدأ المشكلة الحقيقية الصحية للمرأة الفقيرة من حيث الإنتظار الذي قد يمتد بالأشهر لمواعيد المستشفيات المتخصصة المجانية أوشبه المجانية والذي قد لا تحصل عليه بسهولة إلا من خلال مشوار طويل من التردد والإثباتات والواسطة كما هو مشاهد في أغلب الأحيان ، وقد تضطر المريضة حال تعذر ذلك إلى تقديم طلب الإعانة لعلاج نفسها في المستشفيات أو العيادات الخاصة من الجمعيات الخيرية أو المحسنين أو قد تضطر للتسول أو إيكال التسول لأبنائها أو غير ذلك للحصول على قيمة الأدوية التي لا تصرف في الوقت الحاضر بالكمية المطلوبة حتى من المستشفات العامة وقد تكون دائمة أو مكلفة (41). ولا يوجد في نظام الضمان الاجتماعي أي بند خاص بمساعدات المرضى بصفتهم مرضى ودفع تكـاليف علاجـهم وقد يعود ذلك إلى أنه ليس هناك ما يسمى بفئة المرضى ضمن فئات لضمان الإجتماعي ولكنهم مدرجون ضمن فئة العاجزين عن العمل لأسباب صحية (وليس العاجزات) (41) .

ثانياً : التفكك الأسري : ويقصد به هنا تخلخل روابط البناء الأسري وضعف التفاعلات الاجتماعية بين أفراد الأسرة واضطراب توقعات أدوارهم والشعور بالاغتراب وانعدام الأمن والرغبة في التحلل من القيود الأسرية والاتجاه نحو الجماعات الخارجية لضعف التماسك الداخلي . ويعود ذلك لأسباب عديدة نتيجة للتغيرات الاجتماعية التي يمر بها المجتمع وما يصاحبها من ظواهر وقضايا ومشكلات كما مر بنا في بداية هذا البحث . وقد أشرنا أيضاً في بداية هذا البحث أن المرأة هي ضحية أغلب أنواع التفكك الأسري من ترمل وطلاق وهجر وسجن عائل حتى تكاد تكون معظم برامج وخدمات الرعاية الاجتماعية أن تتمحور حول المرأة (42).
وقد أظهرت نتائج أحدى الدراسات (42)أن التماسك الأسري يتأثر إيجاباً بكل من درجة التزام الأسرة الديني ، وعدد من متغيرات الوضع الاقتصادي للأسرة هو دخل الأسرة ومستوى الحي الذي تقيم فيه ومستوى تعليم الوالد وعمل الأب ووضع الأسرة المهني والعلاقات القرابية القوية . كما أظهرت تحليلات التباين لنفس الدراسة أن التماسك الأسري يتأثر بصفة سلبية ودالة إحصائياً بكل من عدد زوجات الأب ، وسبق زواج أحد الوالدين ، وغياب الوالدين أو أحدها ، سبق طلاق الوالدين أو أحدها ، وإصابة الوالد أو الوالدة أو أحد الأبناء بمرض من طبيعة حسية أو عقلية أو نفسية .
ومن ظواهر التفكك الأسري في المجتمع السعودي ما يلي :
أ?- العنف العائلي : المتمثل في الإيذاء والعدوان والإكراه والحرمان الذي يقع في إطار العائلة من قبل أحد أفراد العائلة بما له من سلطة أو ولاية . ويذهب ضحيتها في الغالب الضعفاء في العائلة من إناث وأطفال وتربط نتائج دراسات متعددة بين الظروف المعيشية الأسرية الصعبة من بطالة ، وتدني مستوى التدخل ، وتدني مستوى التعليم وكبر حجم الأسرة وتدهور حالة الحي السكني وافتقار المسكن إلى بعض الضروريات وبين تزايد العنف العائلي(43) . ويشير إلى أن مستويات التوتر التي تقود إلى العنف هي أعلى بين أفراد الطبقات الفقيرة . وإذا كانت إحصاءات العنف كما أشارت إلى ذلك منظمة العفو الدولية توضح أن ما يصل إلى مليار إمرأة في العالم يضربن أو يتعرضن لانتهاكات بطرق متعددة ، فإن الإحصاءات على مستوى الدول العربية تبدو أكثر تحفظاً بحكم القيم التي تدعو إلى أن تبقى تلك الأمور ضمن أسرار الأسرة إلا أن إحصاءات ظهرت تؤكد وجود ذلك العنف في كثير من الدول العربية .
وفي المجتمع السعودي لا توجد إحصاءات محددة عن العنف ضد المرأة بالذات ( على حد علم الباحثة ) إلا أنه ظهرت بعض الدراسات التي تؤكد العنف ولإيذاء للأطفال في المجتمع السعودي(44)(45). ولكن رصدت العديد من الجمعيات النسائية الخيرية في المجتمع السعودي ووسائل الإعلام المختلفة وطوارئ ببعض المستشفيات حالات متعددة لأنواع من العنف العائلي ضد المرأة سواء من قبل الزوج أو الأب أو الأخ أو غيرهم ، منها العنف الجسدي بالضرب والإيذاء والعنف اللفظي بالشتم والإهانة والعنف النفسي المتمثل بالتهديد والتحقير والتشكيك وما إلى ذلك . وأن في إنشاء( الإدارة العامة للحماية الاجتماعية ) التي أعلن عنها أخيراً والتابعة لوزارة العمل والشئون الاجتماعية دليل واضح على تزايد حالات الإيذاء والعنف للمرأة والطفل التي لا يكشف عنها في الغالب إلا عن طريق أقسام الطوارئ في لمستشفيات . والتي قد تسبب للمرأة مشكلات صحية متعددة قد تصل إلى الإعاقة أو الإكتئاب الحاد خاصة وأن أغلب حالات العنف ترتبط بالفقر والإدمان والتفكك الأسري والبطالة وقلة الوعي (46).

ب?- الطلاق : ارتفعت معدلات الطلاق في المجتمع السعودي في الآونة الأخيرة إلى الحد الذي بلغت فيه 12775 حالة سنوياً (47) ، وبلغت نسبة عقود الطلاق إلى الزواج 21% وهي نسبة كبيرة ومقلقة. وقد كانت هذه النسبة تبلغ 31.4% في سنة 1405هـ(48). وهناك من يعزو ذلك إلى ضغوط الحياة المعيشية المعاصرة وتنوعها وتفاوتها وما صحبها من مخاوف واعية وغير واعية خاصة بالنسبة لبعض الأسر التي شهدت إيقاعات تغيرات لم تكن مهيأة لها مما جعل ذلك ينعكس بصورة أو بأخرى على بعض مظاهر التفكك الأسري ومنها الطلاق (49). وتتضرر المرأة من وقوع الطلاق أكثر من تضرر الرجل في الغالب خاصة إذا كانت أكثر فقراً وأقل تعلماً وأقل استعداداً للدفاع عنه نفسها (50). وقد أثبتت العديد من الدراسات تأثير غياب أحد الوالدين على أبعاد مهمة من تماسك الأسرة ومنها الدور الأسري والأمن الأسري والضبط الأسري والعاطفة الأسرية والتفاعل الأسري ويصحبه ضغوط وتوترات قد لا تتمكن الأسرة من التوافق معها بصفة إيجابية فيتأثر مستوى تماسكها بصفة سلبية (51) واتضح من نتائج أحدى الدراسات أن الأسر التي يغيب عنها الأب تعاني من اختلال التوازن أكثر من الأسر التي يتواجد فيها الأب ، وتعتبر أسر المطلقات من أكثر الأسر تأثراً بالأزمات التي تواجهها . ومن صور اختزال ذلك التوازن الأسري البطالة والانحراف وتراكم الديون (52). ومن أكثر ما تواجهه المرأة من مشاكل بسبب الطلاق بالإضافة إلى اختلاف توازن أسرتها من نواحي شتى نظرة المجتمع لها وتحميلها في الغالب مسؤولية الطلاق حتى ولم تكن هي المسؤولة ، كما تواجه المرأة المطلقة عدة مشاكل في المحاكم والقضاء من أجل النفقة والحضانة وما إلى ذلك.

ثالثاً : قضايا المرأة الفقيرة مع القضاء والمحاكم :
إذا كانت المرأة بشكل عام تعاني في المجتمع في كثير الأحيان من تعقد وطول إجراءات المحاكم فإن المرأة الفقيرة تتحمل تلك المعاناة بدرجات مضاعفة من حيث ارتباط فقر المرأة كما تقدم معنا بأميتها وضعف إدراكها لمتطلبات التقاضي وجعلها في كثير من الأحيان بحقوقها الشرعية والقانونية، يقابله عدم وجود المساندة الفاعلة في الأنظمة القضائية لصالح المرأة بشكل عام والمرأة الفقيرة على وجه الخصوص ، وضعف آليات تطبيق الأحكام ومتابعتها . ومن أكثر قضايا المرأة في المحاكم :- الخلع والهجر والإرث والعنف والنفقة والتعنت في الطلاق والولاية وغيرها.
ومن أهم ما تم رصده من مشاكل للمرأة في المحاكم من خلال تجارب الجمعيات الخيرية النسائية ومن خلال ما يطرح في وسائل الإعلام بين وقت وآخر وعبر المشاهدات الميدانية الواقعية ما يلي :
1) عدم وجود أقسام استقبال نسائية في المحاكم تضم متخصصات شرعيات وأخصائيات اجتماعيات ونفسيات وتضم إداريات مدربات على التحقق من الهوية والأوراق الثبوتية لتفادي الانتحال والتزوير ولحماية مصالح المرأة من المصادقة والتوقيع على أمور تجهلها. ولتفادي مزاحمة المرأة للرجال في المحاكم والإحراج والخجل الذي يعتريها أثناء شرح قضيتها أمام القاضي لكثرة ما حولها من الرجال ولعدم وجود أي احتياطات للسرية .
2) تعقد بعض إجراءات المحاكم وطول فترة التقاضي وكثرة الاثباتات الروتينية المطلوبة من المرأة والتي كان من الممكن أن تكون أكثر سهولة في ظل التقنيات الآلية الحديثة التي من المفترض أن تربط بين المؤسسات الحكومية إلكترونياً .
3) ضعف تفعيل القرارات الصادرة من المحكمة وعدم وجود آليات تنفيذية صارمة وحاسمة لصالح شكوى المرأة ضد من تشاكيهم .
4) مطالبة الرجل للمرأة برد المهر أو التخلي عن الأطفال أو المنزل في حال طلاقه لها يسبب للمرأة الفقيرة على وجه الخصوص مشاكل مادية ونفسية واجتماعية عديدة حيث تضطر في بعض الأحيان إلى الصبر والتحمل والمعاناة مع زوج غير كفء للحياة الزوجية بقسوته وانحرافه وعنفه معها أو العيش بضيق مع أهل غير قادرين على الإنفاق على إبنتهم المطلقة وأبنائها . أو قد نضطر المرأة لخلع نفسها من زوجها مع ما في الخلع من هضم لحقوقها وحقوق أبنائها وما فيه من المعاناة في الاستدانة وتقديم طلبات العون على المحسنين أو العمل الشاق بأجر زهيد لتجميع المبالغ المادية التي يطالبها بها الرجل في سبيل التخلي عنها وعن أولاده منها. هذه الأمور قد لا تؤخذ بعين الاعتبار أو تبحث ميدانياً من قبل المحكمة لإنصاف المرأة.
5) من معاناة المرأة الفقيرة في المحاكم أيضاً ما يتطلبه أمر استفادتها من الضمان الاجتماعي والتأمينات والتقاعد والجمعيات الخيرية من إثباتات دورية متعددة لصكوك روتينية معقدة كان من الممكن إثباتها بطرق حديثة أكثر سهولة وأقل معاناة .

رابعاً : قضايا المرأة الفقيرة مع لوائح وأنظمة شبكات الأمان في المجتمع الحكومية وغير الحكومية :
مع استئثار المرأة بحصة كبيرة من مخصصات الضمان الاجتماعي والجمعيات الخيرية ، إلا أن هناك من بنود لوائحهما ما يقف عثره بين المرأة وبين الاستفادة المطلوبة في هذا الشأن، فعلى سبيل المثال تستبعد المرأة الفقيرة ذات الأبناء الكبار العاملين والذي قد يكون لهم حياتهم الأسرية المستقلة ولا يستطيعون الإنفاق على أكثر من أسرة . كما تستبعد أو يقل مخصص المرأة العاملة حتى وإن كانت تعمل بأجر زهيد يساهم في تأمين أوجه الإنفاق الضرورية والمتعددة في العصر الحاضر من غذاء وسكن وكهرباء وماء وهاتف وملبس وتعليم وعلاج وما إلى ذلك . في الوقت الذي يستمر الإنفاق فيه على المرأة المطلقة ذات الظروف الجيدة والميسورة بين أهلها سواء كان لديها أطفال أو لا يوجد . كما يستمر الإنفاق على يتيم الأب حتى وإن كانت أحوال أسرته جيدة ولا تستحق الإعانة وذلك لغياب الأبحاث الميدانية التي تمكن من اتخاذ القرار بناء على الظروف الواقعية المشاهدة للأسرة . والأمثلة على ذلك من البنود عديدة وهناك دراسات أثبتت عدم شمول نظام الضمان الاجتماعي لكل من يستحقه كما أثبتت عدم وفاء مخصصاته باحتياجات العديد من الفقراء (53) (54).
ولا يوجد في مكاتب الضمان الاجتماعي نساء متخصصات أو غير متخصصات يمكن للمرأة أن تتعامل معهن بيسر ويتم من خلالهن التثبت من شخصية المرأة المقصودة بالمساعدة، فالتقديم عن طريق الرجال والمتابعة والبحث المكتبي كذلك عن طريق الباحثين الرجال، ولا تراعي السرية المطلوبة في مثل هذه الأمور بل يتم سؤال المرأة عن بياناتها ومستجدات ظروفها على مرأى ومسمع من غيرها من النساء .
وإذ كان الأمر كذلك مع المرأة الصغيرة أو متوسطة العمر فإنه في حال المرأة المسنة والمعاقة أشد وقعاً وأكثر إيلاماً حيث يستلزم الأمر حضورهن بأنفسهن لمكاتب الضمان الاجتماعي والتردد للبحث واستيفاء الأوراق الثبوتية اللازمة ، وكان من الأجدر استثناء تلك الفئة من الحضور والقيام بزيارتهن وإجراء الأبحاث لهن في مواقع سكنهن. وإذا كان للمرأة الفقيرة معاش تقاعد فيقارن بين هذا المعاش ومعاش الضمان حسب عدد أفراد الأسرة وأيها أكبر تستفيد منه المرأة ولا يمكنها الجمع بينهما . ولها مع نظام التقاعد أيضاً العديد من الصعوبات والمتطلبات والإثباتات ، مع أن هذا الأخير جزء مقتطع من راتب المعيل قبل وفاته وهو حق لورثته من بعده . أما بالنسبة للجمعيات الخيرية فإن هناك من الجمعيات الخيرية من يشترط أيضاً شروطاً كثيرة لتقرير أحقية المرأة في طلب المساعدة منها عدم وجود أولاد كبار حتى لو كانوا عاقين ولا يربطهم بأمهم أي صلة إنفاق أو غيره كذلك لا تمنح المساعدة في حال وجود زوج حتى وإن كان هذا الزوج لا ينفق عليها وله زوجات متعددات لم يحقق في تعددهن شروط العدل والاستطاعة ، والأمثلة على ذلك كثيرة .
خامساً :
هناك قضايا ومشكلات للمرأة الفقيرة متعددة ومتفرقة ولا يسمح المجال بالتفصيل فيها مثل قضايا تعاملها وضبطها لأبنائها المراهقين في ظل غياب الأب أو إنحرافه أو عدم قيامه بمسؤولياته خاصة في البيئات ذات المستوى الأخلاقي المتدني في العديد من الأحياء السكنية الشعبية، إلى جانب الانفتاح غير المنضبط على وسائل الاتصال بالعالم الخارجي وما تبثه من قيم وأفكار غير ملائمة للمراهقين وما ينتج عنها من المفاسد على مجتمعاتهم وعلى أمتهم . كما تعاني المرأة الفقيرة السجينة (لقضايا اقتصادية أو أخلاقية أو اجتماعية) من النبذ وعدم وجود العون والسند من الأهل أو الزوج أو الطليق وقد يكون معها أطفالاً صغاراً يلحقون معها بالسجن أو يضمون لحضانات الأطفال وهذا يترك آثاراً سيئة على نفسياتهم وأخلاقياتهم وتعاملاتهم مع الآخرين ويعود على المجتمع فيما بعد بآثار اجتماعية خطيرة. وللمرأة الفقيرة مشكلة أيضاً مع المواصلات من حيث عدم وجود حافلات خاصة بالنساء أو أماكن إنتظار لهن ملائمة بالنسبة للحافلات القائمة ، ومن حيث غلاء أسعار سيارات الأجرة الخاصة والمحاذير المحيطة باستخدامها دينياً وأمنياً. أما الفقيرة العاملة براتب متدنِ (وفقاً لتوجه السعودة ) فإن عدم وجود حد أدنى للأجور يجعلها تعاني مشقة كبيرة في عملها من دون مردود مادي مكافئ خاصة إذا كانت امرأة مسنة ويبعد سكنها عن موقع عملها .



وبعد لم يكن بالإمكان في هذا البحث تناول جميع مشكلات المرأة الفقيرة إجتماعياً أو تبعات تلك المشكلات ولكن تم ( من وجهة نظر الباحثة) تسليط الضوء على أهم تلك المشكلات وأكثرها طرحاً في الملتقيات والندوات والدراسات الاجتماعية وفي ساحات الرأي العام ومن خلال وسائل الإعلام المختلفة من قبل المتخصصين والمهتمين بتلك القضايا .
وقبل الانتقال إلى آخر بنود هذا البحث وهو بند نوعية التدخلات الملائمة للتخفيف من فقر المرأة في المجتمع السعودي تجدر الإشارة هنا إلى بعض أسباب وصول أحوال فقر المرأة إلى ما وصلت إليه وأولها وأهمها ضعف تطبيق شرع الله في التعاملات ، سواء فيما يخص الفقر بشكل عام أو فقر المرأة على وجه الخصوص أو فيما يخص التعامل مع المرأة بصفتها الإنسانية فلا يجب أن نغفل أن الفقر قد يكون ابتلاء من الله بسبب كثير من التجاوزات في التعاملات المالية ( الربا والرشاوي والاختلاس وغيرها ) أو بسبب التقصير في دفع الزكاة أو جبايتها أو بسبب كثرة المعاصي والذنوب ، أو قد يكون ابتلاء وامتحاناً من الله لمزيد من الأجر ولتمحيص الذنوب. ولا يجب أن نغفل كذلك عن أن هناك عادات تم توارثها لا تمت إلى الدين بصلة تسببت في خطأ نظرة بعض الرجال للنساء وعدم احترامهن والتثبيط من عزائمهن بل وممارسة شتى أنواع الإيذاء لهن لأنهم في الغالب لم ينشأوا على احترام المرأة التي هي الأم والأخت والزوجة وهي التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات في أحق الناس بالصحبة قبل الرجل . وأوصى بالاستوصاء بها خيراً وقال ( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) .
أما فيما يخص الجوانب التخطيطية من جانب الدولة فلا شك أن هناك مثالب في التخطيط لعمل المرأة منذ بداية تعلمها حول كيفية الاستفادة من مخرجات ذلك التعليم في مجالات عمل متعددة للمرأة وفق متطلبات التنمية وبموازنة بين نتائج المردود الاقتصادي من ذلك على الدولة وعليها وبين تنشئة أبنائها وواجباتها الأسرية على أساس مراعاة الثوابت الشرعية في ذلك كله . ومن مثالب التخطيط أيضاً فيما يخص تعليم المرأة ، ضعف برامج محو أمية غير المتعلمات من النساء وتسرب العديد منهن من تلك البرامج حيث تبلغ نسبة الأمية بين النساء في المجتمع السعودي 22.85% قياساً لنسبة أمية الذكور البالغة 7.47% . وهذا مما يشكل عائقاً للمرأة عن المشاركة الاجتماعية الفاعلة في المجتمعات الحديثة التي أصبح متطلب محو الأمية الكتابية فيها بل والتقنية متطلباً هاماً لكي تعي المرأة ما لها وما عليها ولا تكون مستبعدة ومقصاة ومهمشة وحتى يمكن أن تجد فرص العمل الملائمة .
ولكي تكتمل الرؤية وفق ما ارتضيناه من أسباب الفقر الدينية والاجتماعية والاقتصادية في بداية البحث، على المرأة كذلك أن لا تلقي باللوم على الآخرين وعلى المجتمع فقط في أسباب تردي بعض أوضاعها من دون أدنى مبادرة من جانبها لتقييم ذاتها وبحث مسببات فقرها والسعي الجاد لتطوير نفسها وتحسين أوضاعها قدر استطاعتها.
التدخلات الملائمة للتخفيف من فقر المرأة في المجتمع السعودي :
لابد أن تنطلق كل رؤية بشرية حاضرة ومستقبلية لأي أمر من الأمور من استشعار هدف وجودنا على هذه البسيطة الذي بينه لنا جل وعلا في قوله ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) وترتكز على هذا التصور ارتكازاً يقظاً دائماً في كل الأوقات والأحوال من خلال التشريعات الربانية في القرآن الكريم وسنة النبي محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم وخلفاءه من بعده ومن سار على هديهم امتثالاً واتباعاً وقياساً واجتهاداً. ثم لابد بعد ذلك من استشعارنا جمعياً لمسؤوليتنا الوطنية والاجتماعية تجاه بلادنا ومجتمعاتنا وأسرنا وأنفسنا والسعي الجاد في تفعيل ذلك بشتى السبل .
إن التدخل الملائم لتخفيف حالة فقر المرأة في مجتمعنا يجب أن يسير اتجاهين هامين : إتجاه بعيد المدى من خلال خطط التنمية الوطنية واتجاه قصير المدى من خلال خطط متوسطة وقصيرة. فبالنسبة للاتجاه الأول فإن من أهم مستلزماته الارتكاز على الأسس العلمية السليمة المبنية على قاعدة وافية وشاملة ودقيقة من المعلومات حول أوضاع المرأة الفقيرة في المجتمع (خصائصها واحتياجاتها ومشكلاتها وتطلعاتها ) ثم إدماج قضاياها في أهداف خطط التنمية الوطنية واستراتيجياتها الرئيسية باتساق وتكامل مع قضايا المجتمع بشكل عام وقضايا المرأة فيه على وجه الخصوص مع توضيح للآليات الملائمة لمعالجة تلك القضايا وتوزيع لمسؤوليات القيام بها بين الوزارات المعنية في الدولة والجهات ذات العلاقة كل فيما يخصه بتوقيتات محددة ومسؤوليات محاسبية وتقويم دوري بين فترة وأخرى لكل معالجة ومن أهم تلك القضايا على سبيل المثال:
قضية تعليم المرأة ومحو أميتها وشؤونها ومشكلاتها الأسرية وتوسيع مجالات عملها، وتطوير الخدمات الاجتماعية الموجهة لها في المدن والمحافظات والقرى والهجر، إلى جانب تفعيل استفادتها من مقومات مجتمعها ومن شبكات الأمان فيه وحمايتها من الأذى والعنف والضرر، وتقدير مكانتها وتعزيز دورها الاجتماعي الفاعل في أسرتها ووطنها .
أما بالنسبة للخطط قصيرة المدى أو متوسطة المدى فإن من أهم ما يجب أن تستند عليه ارتباطها واتساقها مع الخطط طويلة المدى ووضع أهداف محددة لها من خلال برامج ومشاريع لخدمة المرأة بشكل عام والمرأة الفقيرة والضعيفة على وجه الخصوص وقد بدأ العمل على سبيل المثال في الإعداد لمثل تلك البرامج مثل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفقر التي لابد أن يكون للمرأة الفقيرة نصيب كبير من الاستفادة منها ، والإدارة العامة للحماية الاجتماعية لكل من المرأة والطفل المتعرضين أو الذين تعرضوا للإيذاء أو العنف .
على أن من أهم المقترحات في هذا الشأن التركيز على عدة برامج وخدمات للمرأة في مجال الخطط القصيرة والمتوسطة قد تساهم بشكل كبير في التخفيف من فقرها وبالتالي تحسين أوضاعها وأوضاع أسرها ومجتمعها وتصب في الخطط التنموية لتنمية وطنها منها :-
1- تنظيم برامج مكثفة لتوعية المرأة بحقوقها الشرعية وواجباتها تجاه نفسها وأسرتها ومجتمعها من خلال المدارس والجامعات والجمعيات الخيرية ووسائل الإعلام المختلفة.
2- تنظيم برامج مكثفة لتوعية المرأة بمسؤوليتها الأسرية والوطنية وأهمية دورها في تنمية وتطور بلادها .
3- تبنى برامج تدريب حكومية وأهلية تتوافق مع احتياجات سوق من العمل لتدريب النساء على مجالات عمل جديدة ونافعة كالتدريب الفني للتشغيل والصيانة لتنتفع بها وتنفع المؤسسات النسائية.
4- تنمية روح المبادرة لدى الشرائح الفقيرة بشتى الوسائل من خلال دعم المشروعات الصغيرة وإيجاد فرص عمل ذاتية لهم تحولهم إلى قوى منتجة بالقروض الميسرة الحسنة من البنوك والجمعيات والمؤسسات الخاصة.
5- التخفيف من تيار الهجرة للمدن الكبيرة من خلال الاهتمام بالمشاريع الصغيرة في القرى والهجر خاصة المشاريع الزراعية والحيوانية والصناعات الغذائية والتقليدية وما إلى ذلك .
6- الاهتمام بالمراكز الاستشارية الأسرية لتوعية المقبلين على الزواج بمسؤولياتهم المشتركة ولدعم المتزوجين ومساندتهم في حال مشكلاتهم وتعاملاتهم مع أبنائهم وأسرهم والآخرين.
7- العناية بالفئات الخاصة من المسنات وذوات الاحتياجات الخاصة والمنحرفات ومساندتهن والاهتمام باحتياجاتهن ومشكلاتهن وتنظيم الخدمات والبرامج التي يمكن أن يستفدن منها .
إلى جانب العديد من المقترحات التي يمكن من خلالها خدمة قضايا المرأة في المجتمع بشكل عام والمرأة الفقيرة فيه على وجه الخصوص بمساندة من ذوي الخبرة والدعم من المسؤولين ورجال الأعمال والمهتمين بقضايا المجتمع والمرأة وباستفادة من التخصصات العلمية المختلفة وعلى الأخص التخصصات الصحية والشرعية والنفسية والاجتماعية وغيرها، وبتعاون بين الهيئات الحكومية والأهلية والقطاع الخاص وبما يمكن الاستفادة منه من الهيئات الخارجية وفق ثوابتنا ومرتكزاتنا الشرعية والوطنية والأخلاقية .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

العنيد500
29-Dec-2009, 04:22
مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه