المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أحلام الطالبات تتجاوز الإعاقة بجدة



miss-sara
30-Mar-2007, 08:27
فاطمة أو «توتا» كما تناديها جميع منسوبات معهد التربية الفكرية بجدة، الذي التحقت به منذ سنة، للعمل كمراسلة، كانت السعادة بادية على وجهها عندما التقيتها، أثناء زيارة للمعهد، وهي تتحدث عن خطاب تعيينها الذي تحمله في حقيبتها، معللة حبها لما تقوم به من أشغال بسيطة في المعهد بقولها «أحب تقديم المساعدة التي أقدر عليها».
وفي ظل الثقة العالية التي تتمتع بها توتا استطاعت تكوين صداقات مع بعض المعلمات؛ كونها تجيد لغة التواصل، ربما تكون الأكثر أهمية بينهم كما قالت هي بنفسها «أبلة نجاة صاحبتي»، و«توتا» ذات السبعة والعشرين عاما التي تعاني من إعاقة عقلية لا تجد تفسيرا لارتباطها الشديد بنجاة عجاج المشرفة على غرفة الوسائل التعليمية سوى أن الأخيرة تمكنت من التعامل معها كإنسان لديه قدرات محدودة دون شعور بالشفقة.

تصف اخلاص الصواف مديرة المعهد كيفية التحاق فاطمة بالعمل معهم، والتي ساهم فيها اصرارها على أن تكون جزءا فاعلا في محيطها على الأقل «عندما تقدمت توتا للإتحاق بالمعهد كطالبة لم يتم قبولها بسبب عمرها الزمني، وتم تحويلها للتأهيل الشامل الذي رفض استقبالها؛ كونه يستقبل حالات إعاقة ضعيفة، وهو مالا ينطبق على فاطمة ذات الإعاقة المتوسطة؛ الأمر الذي حمل والدتها على تعليمها بعض المهارات في المنزل، تجاوزت مايتم تنميته لمن هم في حالتها، مثل الكي والغسل والتعامل مع البوتاغاز، والتي تعد من المهارات الخطرة بالنسبة لذوي الإعاقة العقلية»، الا أن الأمر الأكثر إثارة لتوتا هو الأحلام التي تراودها، وتتمنى لو تحققت كما قالت «اتمنى الزواج برجل في مثل حالتي، لأتمكن من إنجاب أطفال نقوم على تعليمهم للمرحلة الجامعية».

«توتا» ليست سوى نموذج لطالبات التربية الفكرية اللواتي يبلغ عددهن داخل المعهد 156 طالبة ملتزمات بنظام مدرسي لا يختلف في ظاهره عن نظام المدارس العادية، ويأتي وجود مسميات للفصول الدراسية لكل المراحل التعليمية. تتنوع بين الفراشات، والأزهار إلى فواكه، تتصدرها الفراولة؛ محاولة للتحفيز، وتوفير بيئة جذابة للطالبات، قد يبدو مشهد الطالبات المتحلقات حول الطاولة المستديرة في يوم دراسي عاديا لأول وهلة؛ والذي يبدأ مع تلاوة دعاء الصباح، وما يعقبه من تسجيل لقائمة الحضور والغياب، ثم الدخول في درس جديد كحال بقية المدارس؛ الا ان الفرق يكمن في تقسيم الفصول الدراسية لتدريبية وتعليمية، وهو ما أرجعت سببه الصواف إلى نوع الإعاقة الذي يحدد مستوى القدرة العقلية للطالبات.

وتقول اخلاص الصواف «تم تصميم الفصول التدريبية والتعليمية؛ لتناسب كافة مستويات الإعاقة العقلية، وهي اجمالا لجميع الحالات؛ الا أن ذوات الإعاقة البسيطة يتم تأهيلهم من خلال الفصول التدريبية؛ كونهم قابلات للتدريب؛ لإكسابهم مهارات تتيح لهم التعامل بشكل افضل مع الحياة العادية، يتم تقسيم الطالبات فيها إلى مجموعتين ترأس كل واحدة منها معلمة»، مشيرة إلى أن جميع حالات الإعاقة تخضع للفصول التعليمية التي تدرس فيها مواد التعليم العام مثل القراءة والكتابة والرياضيات مع مراعاة المستوى العقلي للطالبات. ولأن الفروقات بين الطالبات يحكمها مستوى الإعاقة، ما يعني وجود طالبات في مستوى إعاقة واحد برغم اختلاف المرحلة الدراسية؛ الأمر الذي ترتب عليه تصميم فصل للحالات الخاصة في الطابق الأول من المعهد، يجمع تحت سقفه ذوات الإعاقات الصعبة، وأرجعت الصواف مكان وجوده؛ مراعاة للظروف الصحية لطالبات الإعاقة الحركية، والتي تمنعهم من القيام بجهد حركي كبير، يتمثل في صعود الدرج، إلا أن هذا النوع من الإعاقة لم يكن عائقا للتدريب على مهارات حركية تتفاوت بين تمارين الإحماء الخفيف وبعض الألعاب الحركية البسيطة.

ولا يتوقف أمر المهارات الحركية على ذلك، بل إن اتساع الساحة الداخلية للمعهد ووجود معلمات يحظين بكفاءة عالية وقدرة على العطاء والحب أوجد مناخا ملائما لتكوين حلقات الرقص الإيمائي على الأناشيد الإسلامية وهو ما كانت تقوم به المعلمة أمل بخاري مع مجموعتها التي اختارت ركنا من الساحة لتبدأ الصغيرات عرضها الجماعي الراقص في زيهن الأزرق وهو ما فسرته بخاري على أنه محاولة لتدريب العضلات الصغيرة على حركات رياضية بسيطة؛ للمحافظة على لياقتها في القيام بمهارات حياتية معينة.

عند الدخول إلى فصل الحالات الخاصة تجد طالباته متحلقات حول طاولته المستديرة منشغلات بالأقلام والدفاتر قبل أن توجه أنظارهن علامة استفهام محورها هويتنا وسبب وجودنا التي سارعت معلمة الصف مها الغامدي بالإجابة عليها، لتبدأ بعدها الرحلة الصباحية مع الطالبات، ولأن الحضور والغياب ليس حكرا على مدارس التعليم العام للأسوياء، تثابر الطالبات على تحضير أنفسهن وهو ما حرصت عليه هبة إحدى طالبات الفصل أثناء تواجدنا خلال الدرس الصباحي؛ كسبا للوقت ومساعدة منهن للمعلمة.

وتعد الرسوم الركيزة الأساسية للدروس كونها لغة التواصل المعتمدة عند الطالبات والرمز المستخدم في جدول الحصص الأسبوعي لمعرفة الأيام، عللت الإعتماد عليها الغامدي «في ظل ضعف القدرة العقلية تعتبر الرسوم دليل المعرفة لدى الطالبات»، ومع الحرص على حصول طالبات المعهد على الحد الأدنى من التعليم أسوة بأقرانهم في التعليم العام، وتحقيق مبدأ العناية بالذات يظل الهدف الأساسي هو المساعدة للتخلص من الشعور بالحاجة للآخرين وهو ما وصفته الغامدي بمساعدة الطالبة على تجاوز إعاقتها وفق قدرتها على الاستيعاب، بحيث لا تكون عالة على نفسها.

ولأن إعالة الطالبة نفسها أمر مهم في المعهد، كانت الآلية المتبعة في ذلك شيء من الحياة يمتزج فيها اللعب بالتعليم من خلال الشقة المصغرة، التي تحوي أركانها الغرف الأساسية في كل بيت، بدءا من غرفة الاستقبال التي تلعب فيها الصواف دور الضيف الأساسي، إلى غرفة النوم التي تحرص حنان بخش مشرفة الغرفة على أن تتعلم فيها الطالبات، الأمور الخاصة بترتيب السرير والملابس ووضعها في الخزائن الخاصة بها؛ إلا أن الجانب الأكثر إمتاعا وصخبا. هو ركن المطبخ حيث تستمتع الصغيرات بصنع وجبات خفيفة على الطاولة المعدة لتحضير السندوتشات والعصائر والأكل في جو عائلي حميم، والتنقل بينها وبين حوض الغسيل، الذي يضفي كثيرا من المرح؛ أثناء تنظيف وغسل الأواني المستخدمة، وهو ما أرجعته بخش إلى محاولة زرع ثقة الطالبات في قدراتهن عبر ايصال بعض المفاهيم الحياتية التي تعد بديهيات للشخص العادي.

وبين زرع الثقة والخوف من إصابة الصغيرات بأذى جاء حرص منسوبات المعهد على وجود معايير معينة في كافة الوسائل التعليمية المستخدمة من قبل الطالبات، والتي خصصت لها غرفة خاصة تحوي أدوات الأشغال الفنية والحياكة والتطريز، من مقصات وإبر مصنوعة من البلاستيك، وأدوات المطبخ؛ ناهيك من مراعاة اختيار الخامات الخشبية المصنفرة؛ حرصا على سلامة الطالبات.

ولا يقف الأمر عند ذلك بل يتجاوزه؛ لينتقل إلى المكتبة أو ما اتفقت الجهات ذات العلاقة على تسميتها بغرفة مصادر التعلم، التي تحمل بين جنباتها أركانا مختلفة، يتم من خلالها تصنيف نوع القراءة بحسب مستوى الإعاقة، فبين الركن الإيهامي الذي يعتمد أسلوب القصة والركن الإدراكي، تبرز أهمية تنمية المهارات التخيلية، عند طالبات يعانين من ضعف القدرة على التخيل، والتحليل والتفكير والاستنتاج؛ لذلك كان من المهم العمل على تنمية هذه القدرات، في بيئة طبيعية، تتدرج من المحسوس إلى المجرد، وهي الوظيفة التي تقوم عليها الغرفة.
ــــــ
الشرق الاوسط

عاشق البحر
07-May-2007, 12:55
مشكورة اختي سارة