المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شيء عن الثقافة العراقية



bode
28-May-2008, 01:07
شيء عن الثقافة العراقية

الثقافة العراقية، بشكلها العام، هي الحامل الرئيسي لمشروع التنوير والنهضة المتوقف أو( غير المنجز) في بلادنا، حيث لا توجد مقدمات أساسية أوانجاز فكري تأسيسي يعتد به ويعتمد عليه. وهذه المشكلة، هي من الأسباب والمشاكل الرئيسية الكثيرة لتعثر مشروع النهضة في بلادنا، وفي عموم المنطقة العربية. وقد تكونت الثقافة العراقية كحاجة معرفية اجتماعية وإنسانية، من خلال تطور طبيعي، وظروف طبيعية الى حد كبير، مع شروط نشوء تدريجية عادية، أخذت من المجتمع والواقع والتاريخ والذاكرة والتراث، ومن خلال الأتصال بالخارج وبمدارسه التنوعة.

وهي ثقافة إنسانية عامة، أمتزج فيها الفردي والجماعي بشكل كبير ورائع. وضمت كل أشكال الابداع الأدبي والفني. وظلت تسير بشكل تدريجي متصاعد، وتداخلت مع السياسة بشكل طبيعي أيضاً، وأحياناً بشكل تعسفي مفتعل، بسبب تدخلات السلطة أو الأحزاب المؤثرة على الثقافة، وجرتها الى مجالات وأستخدامات غير ثقافية، بل تتعارض أحياناً مع روح وجوهر وطبيعة الثقافة، باعتبارها حالة خلاقة ونادرة، تنطوي على خصوصية عميقة.

تعرضت شجرة الثقافة العراقية الى حريق وتقطيع لأوصالها وأغصانها وفروعها الوارفة، أيام الهزات السياسية والتراجعات، وهذا أمر طبيعي، ناتج من الترابط العضوي والداخلي بين الإبداع والحرية وتقاليدها ومؤسساتها. لكن حقبة الدكتاتورية والاستبداد والقمع الشامل، ومن ثم الاحتلال البغيض والمدمر لبلادنا، ألحقت أضراراً بالغة واستتثنائية بالثقافة، في هذه المرحلة المظلمة، والطويلة والمكثفة، من العزل والتخريب والتشويه المخطط والمقصود، وما حصل فيها من أحداث كارثية كبيرة، كالقمع الداخلي المنظم والشامل، وما نتج عنه من قتل وتهجير جماعي للمثقفين، واشتعال الحروب وضياع الامكانيات وإنشغال الناس بالحرب، وسوق الجميع الى سواترها، وفرض نمط معين من الكتابة والنشاطات الثقافية والفنية، وظهور قصيدة ورواية وتشكيل واغنية الحرب، وبروز جوقة المداحين، وأنزلاق الوقت نحو هاوية بدت بلا قرار. والنماذج كثيرة، لا يمكن حصرها بسهولة خاصة في ظروف الخراب وعدم الاستقرار الحالية.

إن الدكتاتورية والاستبداد والنمط الفاشي المتخلف وأساليبه، هي ضد الثقافة ووجودها وشروط نموها الطبيعي، حيث سيلجأ الدكتاتور الى حزب متخلف، ركيك الفكر والثقافة، وعناصر نفعية هزيلة، ثم يتراجع عنه الى العشيرة والعائلة ومفرداتهما البائسة والمتخلفة، ثم ينسحب القمع والارهاب ونمط الاقتصاد العسكري وعسكرة المجتمع والحياة على الثقافة مباشرة ويضيع كل شيء تقريباً. بعدها جاء الحصار ليقوض أسس ولغة ومفردات المجتمع، وينخر الثقافة وجسد المثقف بالمعنى الحرفي للكلمة، وجعله يسعى ليل نهار لتوفير لقمة العيش وقميص رث ورخيص لأطفاله وله. في أقذر مهمة قادها الخارج، تلاقت وامتزجت بغباء وعنجهية الداخل الفارغة، ضد شعبنا العراقي وفقراءه وكادحيه.

لكن هناك خاصية رائعة في الثقافة العراقية، يجب التركيز عليها وأبرازها ودراستها، وهي قدرتها على الحياة والتواجد والاستمرار في مختلف الظروف، وهي مقاومة في ذاتها ولذاتها، لذلك ظلت هناك قصيدة ورواية ولوحة أبداعية جميلة و( مستقلة )، وظل الابداع العراقي يشمل كل الفروع، في الموسيقى والغناء والمسرح، عدا السينما التي تحطمت، بسبب عدم اهتمام النظام بها أصلاً، خاصة في فترة الحصار اللعين. ودلالة بقاء الثقافة العراقية رغم المحنة الطويلة، يعود الى عمقها وسعتها وتنوعها، والى جذورها الإنسانية العميقة، ووجود طاقة لا تنتهي لدى جميع الاجيال، ومنها الجيل الجديد. وهذا سر من أسرار ثقافتنا واشعاعها وبقاءها.

جاءنا زلزال بعد الخراب والضيم والحريق والظلمة والغربة، ليعمل على تخريب وتقويض ممنهج آخر، عبر تدمير المؤسسات الثقافية، ومسح وسرقة آثارها وابداعاتها، في أبشع جريمة ثقافية عرفها التاريخ الحديث، ومحاولة خلق وصناعة بدائل أخرى مشوهة، عبر ضخ ملايين الدولارات، مع رشة ثقيلة لكنها فاسدة من دعاوي الحرية والديمقراطية والليبرالية الهجينة والحداثة الاستهلاكية، حتى لو قامت على أسس طائفية، ترجع بنا الى عصر الكهوف الغابرة، والتي تركها وخرج منها الانسان منتصراً، الى عصر آخر، بعد صراع مرير وطويل، حسب كل التجارب المعروفة.

لقد دمر المتحف الوطني العراقي، وهو ذاكرة للبشرية وسجل حقيقي للتاريخ الإنساني الطويل، كما دمر مركز الفنون وسمح بنهب وحرق اللوحات والتماثيل، وحرقت المكتبة الوطنية ودار الوثائق الوطنية وأطيح بالمسارح وأغلقت دور السينما ودمرت التماثيل في ساحات وشوارع بغداد والمدن وخرب التعليم بجميع مراحله، وتمت تصفية العلماء والمفكرين والأساتذة والمثقفين والفنانيين والصحفيين. وقد كتبت في وقت سابق، عن قيام هولنده كل هولنده لحماية لوحة عظيمة واحدة، هي لوحة ( جولة الحرس الليلي ) لرامبرانت، بينما ضاع ودمر ونهب وحرق، كل تراثنا تقريباً .

هناك مشكلة خطيرة أخرى تواجهها الثقافة، وهي دور التعليم بجميع مراحلة، خاصة العليا والمتخصصة، هو القاعدة الأساسية للثقافة والفكر والعلوم. والاحتلال والادارة الطائفية قوضا التعليم بجميع مراحله، مما سيؤثر على جميع العمليات الابداعية في المستقبل، وسيحصل فراغ وبنية اجتماعية مشوهة.

من المشاكل الأخرى التي نواجهها هي ضعف أو غياب العقل النقدي في الثقافة كما في الفكر والسياسة، بسبب غياب الحرية الحقيقية وتقاليدها، وبسبب تلاحق المصائب والكوارث. فنحن لم ندرس بعد الحرب العراقية الإيرانية ونتائجها وخسائرها الرهيبة، لأن كارثة الكويت جاءت مسرعة وبدون فاصلة زمنية تسمح بالمراجعة والدراسة ومن غيرأدنى استراحة. كذلك الحال مع كارثة ومأساة الاحتلال الرهيبة التي حصلت نتيجة الحرب والغزو لبلادنا. ولا توجد مراجعات جدية ممن تورط وسوق لثقافة النظام السابق المتخلفة، بل إن قسم منهم يريد العودة والتسلسل من جديد، اما متستراً بعباءة المقاومة والثقافة الوطنية المعادية للاحتلال، أو من خلال الاحتلال نفسه والمؤسسات الطائفية أو ( الحداثية) القابضة والمشبوهة، والمكلفة بواجبات ( ثقافية) محددة.

يستطيع المجال الثقافي الحيوي أن يلعب دوراً هاماً وكبيراً في تاريخ ومصير الشعوب، في الظروف الطبيعية، وفي جميع الظروف الأخرى. رغم إن مفهوم الثقافة الوطنية مثلاً، وغيره من المفاهيم القريبة والمتشابكة معه، جاء الى الثقافة من خارجها، وبالضبط من السياسة والأيديولوجيا بمعناها المحور والموجة، نحو نقطة معينة، وهو بذلك يكون معنى مؤقت، يرتبط بأحداث وحالات معينة، مثل الإضطهاد وقضية الحريات ومشاكل الاحتلال والاستقلال. بعد ذلك يتحول الى معني داخلي أو محلي. فقد ظهرت في كل البلدان التي تعرضت للاحتلال، ثقافة وطنية وثقافة مقاومة، كما في فرنسا وكل بلدان أوربا تقريباً، لكن هذا الشكل توقف، وبقيت ذكرياته وأصداءه. وربما يستخدم الآن مفهوم الثقافة الوطنية في فرنسا للتأكيد على الثقافة الفرنسية ومواجهتها للغزو الثقافي الأمريكي، على الأقل في مجال السينما واللغة مثلاً.

تبقى تجربة الثقافة العراقية وكثافتها وتنوعها، وقدرتها الفائقة على الأستمرار، مثار اعجاب وتقدير، رغم التعثر الذي لحق بها والظروف الصعبة التي أحاطت بها من كل جانب ولفترات ليست قصيرة. لكنها تنهض بمحركات ذاتية، ولها قدرة على التجاوز، بسبب طبيعتها الداخلية. ويمكن لها أن تتعمق أكثر، فيما لو أستخدمت العقل النقدي ومدارسه المفتوحة ومنهجه الراقي.

أحمد الناصري