المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإلهام الشعري ...نظرة تاريخية في اشكالية الرأي



bode
25-May-2008, 06:37
الإلهام الشعري ...نظرة تاريخية في اشكالية الرأي


ــ أنما المجنون والعاشق والشاعر من نسج خيال واحد ( شكسبير )

ــ الشعر ..صورة صادقة وحية للطبيعة البشرية ، تصور عواطفها ومزاجها (درايدن )

الإلهام الشعري والنظرة السائدة عنه ، وما موقف الآخرين من الشعر والشعراء والإشكالية في الآراء المطروحة ،آخذين بنظر الاعتبار آراء الفلاسفة والشعراء في الحقب التاريخية التي سبقت ظهور الإسلام . آراء وأفكار فلاسفة اليونان وتصوراتهم عن الشعر ،والشعراء أنفسهم والكهنة العرب منهم من مات في العصر الجاهلي ومنهم من عاصر الرسالة الإسلامية ،اختلفت الآراء في مفهوم الإلهام وتعريفه بالشكل الدقيق بين الكثير ممن يشتغلون بهذا الحقل من المعرفة وهذا أمرؤ القيس يؤكد على الصلة مابين الجن وشياطين الشعر وبين الإلهام فيقول :

تخبرني الجن أشعارها فما شئت من شعرهن اصطفيت

ففي عصر ما قبل ظهور الإسلام وما سبقته من عصور أخرى ، كان فيها الناس يعتقدون أن الشياطين هم الذين ينطقون الشعراء ،أي أن لكل شاعر شيطان ولم يكتفو بذلك بل أطلقو أسماء على شياطين مشاهير الشعراء القدماء .وجاء تعليل هذا الاعتقاد والتصور لشعورهم بما في الشعر من أبداع ورقي وجمالية في التصوير يصعب على الإنسان العادي صياغة الكلمات وهكذا آلية . وقد ترسخ الاعتقاد أكثر على مر السنين والعقود حتى تتطور ليتخذ مديات أكثر خطورة ، عندما أعتقد البعض من أن الملائكة هي من تلهم الشعراء بدلا من الشياطين .

وقد ذهب الكاتب سهيل عثمان في كتابه ( آخر شياطين الشعر ) وفي مقدمته من تعليل هذا الاعتقاد وهو شعور لما في الشعر من تمرد وغرابة وخروج عن المألوف ،ويذهب أبعد من ذلك ليقول ..ألا أن بعض الشعراء تتجلى فيهم خصائص شيطنة الشعر تجليا ً يجعلهم وشياطينهم شخصا ً واحدا ، أي أن الشعر أرتبط في عصور ما قبل ظهور الإسلام بالجن والشياطين مما أصبح من المسلم به إن يركن كل شاعر إلى شيطانه في تلوين أشعاره ومنحها قوة الفعل والجزالة في اللفظ والتأثير على الآخرين بسمو الصورة الشعرية ومتانة النص.وللشعر في تلك العصور طقوسا خاصة منها الخروج عن المألوف وما هو سائد آنذاك ، فالإنسان العادي لا يمتلك تلك القدرات التي يمتلكها الشاعر وهذه صفات تفرد بها الشاعر دون غيره من الناس وأن كان للكهنة بعض ما للشعراء . جاء هذا التصور والاعتقاد هو في الحقيقة نتيجة الإلهام الشعري. وقد عجز الباحثون والمحللون عن كشف جوهر هذه الظاهرة رغم تطور أساليب البحث العلمية وتوسع علم النفس وتعمقه في دراسة الظواهر الإنسانية .

فما كان منهم إلا أدراجها ضمن الأمور الغيبية ، أي أنها من أمور السماء ،وهذا ما جاء على لسان يونج ( 1875ــ 1961) احد علماء النفس : إن الإنسان في دواخله العميقة يحمل قبسا ً من الروح الإلهية تمكنه من معرفة ذاته وهذه خطوة هامة في معرفة النفس والتي تؤدي إلى معرفة الله من خلال العلاقة بين العارف والمعروف. أن التأمل لدى الشاعر حينما يغيب عن ذاته غيابا وقتيا وينحصر حضوره في فكرة معينة عندها تأخذ الأفكار طابع الحدس والإلهام .

وأما ما قاله أفلاطون عن الإلهام الشعري الصادر عن النشوة الإلهية وبالرغم من أن هناك بعض الاعتراضات على آراء أفلاطون حول الشعراء وتصوراته عنهم ومن عارضه في آراءه العالم والفيلسوف ( أرسطو طاليس ) والشاعر ( السير فيليب سدني الذي يمثل عصر النهضة في إنكلترا .ولكن لأهمية آراءه نود طرحها هنا و الإطلاع عليها (( حين يظفر ذلك الإلهام بروح ساذجة طاهرة فأنه يوقظها ويسمو بها فتمجد بأناشيد أو بأية أشعار أخرى ، أما ذلك الذي حرم النشوة الصادرة من عن آلهة الفنون ، ويجتريء على الاقتراب من أبواب الشعر واهما إن الصفة نكفي لخلق شاعر فأنه لن يكون سوى شاعرا ناقصا لأن شعر المرء البارد العاطفة يظل دائما لا إشراق فيه إذا قورن بشعر الملهم )) .

وقد أكد الشعراء أنفسهم غيضا على نظرية الإلهام في الشعر وما (هومرhomer ) إلا دليل واضح على هذه النظرية حين يدعو آلهة الشعر إن تلهمه من فيضها ما هو جيد ، وأكد إن الشعر يسحر ويصدر من عبقري عفو الخاطر ، يعالج مجموعة من الدوافع والاحساسات منها الحسن ومنها القبيح والممتع والمؤلم تلهمه بذلك الآلهة .

وفي ( آيون ) يرى أفلاطون في جمهوريته : (( الشاعر أمرؤ ملهماً يتكلم الإله خلاله )) . ومن حديث آخر له يخاطب فيه ( آيون ) أيضا يقول (( إن الموهبة التي تمتلكها ليست فنا ً ، ولكنها كما كنت أقول آنفا ً الهام فثمت قوة إلهية تحركك كتلك التي في الحجر والتي يدعوها ( يوربيديس ) المغناطيس وهي التي تعرف عادة بحجر هرقل ، فلا يجذب هذا الحجر حلق الحديد حسب ولكنه ينفث فيها قوة جذب أخرى كتلك القوة . وهذه تؤلف سلسلة طويلة تستمد كلها قوة جذب من الحجر الأول )) ، كما هو الحال لآلهة الشعر فتلهم أناساً معينين وبهم تتصل سلسلة أناس آخرين يستمدون الإلهام منهم وبعد تناولنا لأراء وتصورات بعض الفلاسفة .نذهب إلى ماكدونالد وهو يقول (( أن الكاهن والمجنون والشاعر والساحر كانوا وثيقي الصلة بعضهم ببعض بحكم كونهم همزة الوصل بين عالم الروح وعالمنا هذا )) .

كان للإلهام أثر كبير على مسار حياة الشعراء وطوافهم في تأملاتهم في جانب الكون والحياة والروح وفي أغوار النفس ونوازعها وما يحدوا بهم إلى ذلك هو الكبت الذي يحاصر الشاعر في بيئته ومجتمعه ولنتيجة شعوره بخيبة الأمل في تحقيق أحلامه . نراه يغوص في أعماق نفسه ويناجيها فتتجلى هذه المناجاة عن شعرٍ رقيق عذب ٍ، فالتأمل والعزلة والسكون هي أدوات الشاعر لدخوله عالم الإلهام ، حين ينظم الشاعر قصيدته يسترسل بها دون دراية منه إلى ما آلت إليه من بناء ونظم نصية سوى علمه بداية ً بفكرتها والطقوس المحيطة بها والتي حركت مخزوناته الذاتية .

علما إن هناك آراء تخلط بين الإلهام وحرفنة النظم ، أي إن الشاعر ينتخب ألفاظا وإيقاعات وموسيقى لها خصوصية مؤثرة على ذوق المتلقي واحتوائه لمفرداتها وصورها المبنية بدراية مهنية عالية ، وفي هذا الرأي يكون إلغاءا لدور الإلهام ، ويعطي للحرفنة السطوة في بناء النص .

ومن خلال تداخل الرؤى والأفكار وما طرحت من دراسات حول الإلهام في العصر الحديث وما سبقه من عصور متقدمة علينا أن نضع الإلهام أولا كمدخل أساس في بناء شخصية الشاعر ومن ثم التزود بالثقافة الأكاديمية لتتداخل هذه العوامل مشتركة في بناء عمل خلاق يرتقي إلى مستويات الإبداع الأدبي الثر . ومن جراء مستجدات عصر التقنية " كالفضائيات و شبكة الإنترنت وغيرها يمكننا القول بأنها ساهمت في انتشار الوعي الثقافي والحضاري والاطلاع على ثقافات العالم الآخر من علوم وآداب، وليكن للشعر حظه في هذا التلاقح الحضاري من تقارب في فنونه والتوسع في بنيته الحداثوية. فالشعر وان كان هو الأقدر على التعبير عن عواطفنا ومكنوناتنا والتحليق في فضاءات خيالاتنا ،وإظهار مشاعرنا وأحاسيسنا بجمالية عذبة .إلا انه يرتبط ارتباطا وثيقا بالإلهام فهو القرين الشرعي له .

فالإلهام الشعري ليس له زمن ثابت تحدده آليات معينه ، وإنما هو إحساس غريب يشعر به الشاعر في لحظة ما ربما يكون آناء الليل أو أطراف النهار ، وأحيانا أخرى تحمل الأحداث معها هذا الإلهام على أجنحتها . حيث الهدوء والصفاء ، فالخيال وبناء الصورة وخلق عوالم سحرية هي سمات الإلهام الشعري ولنا في مقولة ( أعذب الشعر أكذبه )صورة شعرية ذات دلالات ابعد من الواقع وخارج الوعي الإنساني فالشاعر مثلا وهو يكتب نصا عاطفيا نراه يخترع امرأة تحمل الصفات الجمالية الحسية منها والمظهرية أو يجسد حالات عشق ليس له بها صلة وعلى ضوء هذه الحقيقة قامت الطرق الصوفية بدور ثقافي مهم لا يمكن تجاهله أو إنكاره ، وفجرت مؤلفات أقطاب الصوفية ثورة معرفية تركت آثارا وانعكاسات فكرية أصبحت على امتداد العصور مصادر إشعاع معرفي متجددة، ومثلت روافد ثرية ملهمة للإبداع الشعري الرائع للمريدين والأتباع .فكان لربَّةَ الإلهام الشعري حضوتها و حضورها الدائم أبدا لممارسةِ طقوسها الشعرية من خصوبةٍ أو قحطٍ...

إنها الخصوبةَ بكثافةِ دلالاتها وتشعبِ معانيها وهذا ما ذهب إليه أغلب شعراء الصوفية كالتوغل في سرادق الغموض الذي لم يفسِّر إلا بغموضٍ أكثر لكنه التفسير الأدق، فالغموضُ الذي يلهثُ البعض وراءه قد يسبب المتاعب والعذابات كونهم يرتادون المجهول والذي بدوره يصير معلوماً. فالشاعر يشتغل على إيقاع حواسه انه الكل في شخصية واحدة وحيدة متفردة وهائمة ، هي روح الشاعر الذي لا يشبه أحدا ولا يشبهه أحد.وقد نرى الإلهام كنظرة تاريخية على انه الرديف الروحي للشاعر ولا يعرف لأنه ببساطة غير موجود إلا في ذات الشاعر .

إن الغموض المحيط بالمخيلة الشعرية ولحظات المخاض لولادة نص شعري دونما وجود لمستلزمات واقعية وأرضية مهيأة و رغم تعريف وتفسير الأديان إلى ماهية الشعر يظل الإلهام غير مدركا إلا نظرة تاريخية بنيت على تفسيرات ورؤى مختلفة على مر العصور والأزمنة .

محمد الحافظ