المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسائل الأدباء



bode
18-May-2008, 03:45
رسائل الأدباء ...
الرسائل الأدبية بين النشر والإتلاف (1-2)

كل أربعاء نلتقي هنا مع إحدي رسائل الأدباء أو الفنانين المتبادلة بينهم، وفيها ما فيها من المتعة والفائدة، ولكن كثيرين من قراء الراية سألوني عن معني الرسالة الأدبية وهل هي فن أدبي مستقل أم لا؟.. وكنت قد قرأت مقالاً جميلاً بعنوان الرسائل الأدبية بين النشر والإتلاف ويسعدني أن يتعرف اليوم عليه هؤلاء القراء الأعزاء، فهو إجابة دقيقة ومفيدة علي أسئلتهم.

***
الرسائل الأدبية فن من فنون الأدب ازدهر في أوائل القرن المنصرم، وكانت الرسالة قطعة أدبية؛ لأن الأديب يكتبها وهو في حالة صفاء ذهني، فتنثال عباراته الأنيقة وهو في غاية التجويد والإتقان.

وللأسف فإن هذا الفن الجميل فقد بريقه وأوشك علي الاندثار بسبب التقدم المذهل في وسائل الاتصال الحديثة من حاسوب وإنترنت وجوال وغيرها.

ولعل أبسط تعريف للرسالة الأدبية هي (نص نثري سهل، يوجه إلي إنسان مخصوص ويمكن أن يكون الخطاب فيها عاما، فهي صياغة وجدانية حانية مؤنسة ، وفي عتاب رقيق يظهر النجوي أو الشكوي، ويبوح بما في الوجدان من أحاسيس وأشجان، وتتوارد الخواطر فيه بلا ترتيب ولا انتظام، لتغدو الرسالة إن قصرت أو طالت قطعة فنية مؤثرة دافعة إلي استجابة المشاعر لها، وقبولها ما باحت به).

وأحسب أن من أشهر الرسائل الأدبية في العصر الحديث هي الرسائل المتبادلة بين الأستاذ مصطفي صادق الرافعي وتلميذه محمود أبورية رحمهما الله ، فقد امتدت المراسلة بينهما أكثر من عشرين عاما في الفترة (1912- 1934)، وقد عمد الأستاذ أبورية بعد رحيل أستاذه الرافعي إلي نشر تلك الرسائل في كتاب بعنوان من رسائل الرافعي صدرت طبعته الأولي عام 1950م، ثم أعاد طبعه عام 1969م بعد أن أعاد ما حذفه في الطبعة الأولي من عبارات جارحة كان قد كتبها الأستاذ الرافعي في بعض حالات ضيقه وتبرمه من الناس والحياة.

وقد أحسن أبو رية صنعا حينما طبع تلك الرسائل الثمينة في كتاب حفظها من الضياع أو الاندثار، فبقيت شاهدا علي بلاغة وأسلوب الرافعي الذي أفاض في الحديث عن أسرار حياته وأحوال معيشته، ومؤلفاته المطبوعة والمخطوطة، عدا حديثه عن خصوماته مع بعض أدباء عصره.

ومن أسف أن ما نشر من رسائل الأدباء يعد ضئيلا إذا ما قيس بما لم يتم نشره؛ لأن تلك الرسائل تنطوي علي أسرار لا يجوز إفشاؤها لما يسببه نشرها من حرج لمرسلها، علاوة علي أن معظم الأدباء يرون أن نشر المؤلفات وتدبيج المقالات أهم من نشر الرسائل التي قد تجلب لهم بعض المشكلات مع أصدقائهم، ولا تعود بالفائدة علي القارئ.

هناك من يري أن تعدم الرسائل الأدبية باعتبارها أوراقا خاصة من هذا الفريق الأستاذ وديع فلسطين، يقول: (مذهبي الذي لا أتنكبه أن البريد الأدبي حتي وإن تناول شؤونا و شجونا عامة، هو في النهاية مكاشفة شخصية بين صديقين لها خصوصيتها الحميمة، التي لا يسعني تلقاء ها إلا الدعوة إلي طي هذا البريد ودفنه بإكرام).

وهناك من يري غير هذا الرأي وهو الأديب الأستاذ نقولا يوسف (1904- 1976) يقول: (لا، ولست من القائلين بإعدام هذه الرسائل باعتبار أنه لم يقصد بها النشر، فهي بعض من آثارهم لا يقل قيمة عن ملابسهم المحفوظة في المتاحف مثلا، ومازلت أري في نشر ما لدي من رسائل الأدباء فوائد أدبية للدارسين والنقاد والقراء جميعا).

في الحقيقة لا يمكن استقصاء كل ما نشر من رسائل الأدباء علي الصعيد العربي في العصر الحديث، لكن سأشير إلي أبرز الرسائل الأدبية التي جمعت في كتب أو نشرت من خلال الصحف والمجلات:

من رسائل الرافعي نشرها تلميذه محمود أبو رية، رسائل أحمد تيمور باشا إلي العلامة الكرملي نشرها وحققها كوركيس عواد وميخائيل عواد، رسائل جبران نشرها جميل جبر، رسائل أمين الريحاني نشرها ألبرت الريحاني، الريحاني ومعاصروه نشرها ألبرت الريحاني، رسائل مي زيادة وأعلام عصرها نشرتها سلمي الحفار الكزبري، رسائل جبران إلي مي زيادة (الشعلة الزرقاء) نشرتها سلمي الحفار الكزبري والدكتور سهيل بشروئي.

رسائل محمد كرد علي إلي الأب أنستاس ماري الكرملي حققها وعلق علي حواشيها الأستاذ حسين محمد العجيل، رسائل بدوي الجبل نشرها صديقه الأستاذ أكرم زعيتر، من رسائل العقاد نشرها الأستاذ محمد محمود حمدان ، رسائل الخليل وهي الرسائل التي تلقاها من بعض أدباء عصره، نشرها نجله الأستاذ عدنان مردم، رسائل بدر شاكر السياب نشرها الأستاذ ماجد السامرائي، وثائق من كواليس الأدباء نشرها الأستاذ توفيق الحكيم، رسائل عبد الكريم جرمانوس إلي الناعوري نشرها الدكتور عيسي الناعوري، وصدرت ضمن مطبوعات المجمع العلمي الهندي.

رسائل الأديب عمر فاخوري صدرت عن دار الآفاق الجديدة، رسائل أنور المعداوي إلي فدوي طوقان نشرها الأستاذ رجاء النقاش والدكتور علي شلش، رسائل غسان كنفاني نشرتها غادة السمان، رسائل نزار قباني نشرتها سلمي الكزبري، رسائل نازك الملائكة إلي عيسي الناعوري نشرها وحققها تيسيرالنجار، رسائل الشابي إلي صديقيه محمد الحليوي والبشروش نشرها الأستاذ أبو القاسم محمد كرو، رسائل طه حسين ومعاصروه نشرها نبيل فرج، الرسائل التي تلقاها إبراهيم العريض من بعض أدباء عصره نشرها بنفسه قبيل رحيله، الرسائل المتبادلة بين إبراهيم اليازجي وقسطاكي الحمصي نشرها الدكتور كميل حميش، الرسائل التي تلقاها الأستاذ محمد عمر توفيق من أصدقائه الأدباء نشرتها جامعة أم القري ضمن أعماله الكاملة، رسائل الشاعر إبراهيم طوقان إلي شقيقته فدوي نشرها المتوكل طه، رسائل حمزة شحاته نشرتها كريمته شيرين شحاته، رسائل جبرا إبراهيم جبرا نشرها تلميذه الدكتور عيسي بلاطة مع بعض الصور النادرة لجبرا تمثله في شبابه وكهولته، رسائل الدكتور أحمد زكي أبو شادي نشرها العلامة روكس بن زائد العزيزي، رسائل أرملة الشاعر إلياس أبو شبكة نشرها عبد الخالق فريد.

رسائل نزار قباني نشرها الأستاذ عبد الله الجفري ضمن كتابه نزار قباني.. آخر سيوف الأمويين الذهبية ، والصادر عن دار النور ببيروت.

رسائل الأدباء...
ما يتبادله الأدباء يشكل ندوة أدبية ممتعة ومنوعة
الرسائل الأدبية بين النشر والإتلاف (2-2)

ما معني الرسالة الأدبية؟..

هذا سؤال طرحه كثيرون، وقد نشرنا هنا يوم الأربعاد الماضي مقالاً جميلاً، واليوم نلتقي مع الجزء الثاني والأخير من هذا المقال الذي يسهب في شرح معني الرسالة الأدبية، كما يعدد أبرز الرسائل التي جمعت في كتب أو نشرت من خلال الصحف والمجلات، وبعد الحديث عن رسائل نزار قباني التي نشرها عبدالله الجفري ضمن كتابه نزار قباني - آخر سيوف الأمويين الذهبية ويواصل تعداد هذه الرسائل حيث يشير الي رسائل جميل صدقي الزهاوي نشرها في مجلة الكاتب المصري أحمد محمد عيش، رسائل عبد الرحمن شكري إلي نقولا يوسف نشرها في مجلة الأدب الأستاذ نقولا يوسف، رسائل نظير زيتون نشرها في مجلة الأديب الدكتور فوزي عطوي، رسائل نقولا يوسف نشرها في مجلة الأديب الأساتذة :

وحيد الدين بهاء الدين، إيليا حليم حنا، رياض نصور، أحمد حسين الطماوي، رسائل الشاعر جورج صيدح نشرها في مجلة الأديب عبد السلام العجيلي، فوزي عطوي، عيسي فتوح، عبد الرزاق الهلالي، رسائل نزار قباني نشرها في مجلة الآداب صديقه الدكتور سهيل إدريس ، رسائل الزيات نشرها في مجلة مصر الدكتور محمد جاد البنا، رسائل الأستاذ إبراهيم المصري نشرها في مجلة الأديب الدكتور حسين علي محمد، رسائل الناعوري نشرها في مجلة الدوحة الصحافي أسامة فوزي، رسائل سعيد كردي نشرها في مجلة الفيصل صديقه الأستاذ يوسف الشاروني، الرسائل المتبادلة بين أحمد زكي باشا والكرملي نشرها في مجلة المورد حكمت رحماني، رسائل الشاعر محمد عبد الغني حسن نشرها في صحيفة المسائية الدكتور حسين علي محمد، رسائل الدكتورة سهير القلماوي إلي الدكتور طه حسين نشرها في مجلة المصور إبراهيم عبد العزيز، رسائل نزار قباني إلي صافي ناز كاظم نشرتها في مجلة نصف الدنيا سناء البيسي، رسائل شفيق معلوف نشرها في مجلة الأديب وحيد الدين بهاء الدين، رسائل الأستاذ سيد قطب إلي الأستاذ وديع فلسطين نشرتها في مجلة الهلال صافي ناز كاظم، رسائل إلياس قنصل نشرها في مجلة الأديب وحيد الدين بهاء الدين، الرسائل المتبادلة بين الشاعر معروف الرصا في وبعض أعلام عصره نشرها وحققها في مجلة المورد عبد الحميد الرشودي، رسائل الدكتور علي جواد الطاهر نشرها في مجلة عالم المخطوطات والنوادر جليل إبراهيم العطية، رسائل الأستاذ ميخائيل نعيمة نشرها في مجلة المنتدي الدكتور عبد الكريم الأشتر، رسائل البدوي الملثم نشرها في مجلة الأديب الأستاذ عيسي فتوح.

والواقع أنني بدوري كنت ومازلت من هواة المراسلة، وقد راسلت عشرات الأدباء داخليا وخارجيا، بعضهم انتقل إلي رحمة الله، أذكر من تلك الأسماء مع حفظ الألقاب: عبد السلام العجيلي، وديع فلسطين، محمد رجب البيومي، يوسف عز الدين، خليل إبراهيم الفزيع، عبد الغني العطري، محمد عبد المنعم خفاجي، عبد الله أحمد شباط، حلمي القاعود، زكي قنصل، عبده بدوي، أحمد الطماوي، عبد اللطيف الأرناؤوط، نور الدين صمود، مدحت عكاش، عبد الكريم الأشتر، عبد الرحمن شلش وغيرهم.

وقد تلقيت من الأستاذ وديع فلسطين وحده أكثر من مائتي رسالة أدبية تقع في الفترة من ( 1995- 2006 )، وهي تعد ثروة فكرية لا تقدر بثمن.

والحقيقة أن هذه الرسائل وهي بخطوط أصحابها أشبه بندوة أدبية، فهي زاخرة بأخبار الحركة الثقافية في الوطن العربي، مثل: صدور الكتب الجديدة، وافتتاح مهرجان الجنادرية، أو معرض القاهرة الدولي للكتاب، أو انعقاد دورة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، أو افتتاح مهرجان قرطاج السينمائي، أو انتقال أحد الأدباء أو الشعراء إلي الرفيق الأعلي، كما أنها لا تخلو من بعض المعلومات عن أحوال الطقس، وارتفاع أجور البريد، أو فقدان الرسائل. عدا الحديث عن الجوائز الأدبية التي تمنح لبعض الأدباء والشعراء، مثل: جائزة الملك فيصل العالمية، وجائزة سلطان العويس، وجائزة الشاعر الأستاذ محمد حسن فقي وغيرها.

hana
08-Jun-2008, 08:09
معلومات جديدة لكن علك يا اخ بودي تقدم لنا نموذج لإحدى الرسائل الادبية للتعرف عليها اكثر

ودمت متميزا بطرحك

bode
11-Jun-2008, 11:03
رسائل الأدباء....من محمود درويش إلى سميح القاسم

أخشى أن أبوح بما يخلق جواً فضائحياً لاينقصني!

لاتنس أن تسأل الضابط عن موعد الاعتقال القادم!


http://www.kufur-kassem.com/cms/images/stories/mahmud_darwich.jpg

محمود درويش


عزيزي سميح.

وما قيمة ان يتبادل شاعران الرسائل؟

لقد اتفقنا على هذه الفكرة المغرية منذ عامين في مدينة استوكهولم الباردة. وها انذا اعترف بتقصيري لانني محروم من متعة التخطيط لسبعة ايام قادمة، فأنا مخطوف دائما الى لا مكان آخر.

ولكن تسلُّل الفكرة المشتركة الى الكثيرين من الاصدقاء تحول الى الحاح لايقاوم كم تبهجني قراءة الرسائل وكم أمقت كتابتها لاني اخشى ان تشي ببوح حميم قد يخلق جوا فضائحيا لاينقصني حتى تحولت هذه الخشية الى مصدر اتهامات لاتحصى ليس افدحها»التعالي« كما هو رائج!

الان اشمر عن عواطفي وابدأ لا اعرف من اين ابدأ عملية النظر الى مرآتنا المشتركة ولكني سأبدأ لانضبط ولأورطك في انضباط صارم .سيكون التردد أو التراجع قاسيا بعدما اشهدنا القراء علينا وبعدما هنأتك بعيد ميلادك الذي يواصل صناعة الفارق بين العمر والصورة. كل عام وانت في خير وشعر حتى نهايات النشيد.

لن نخدع احدا وسنقلب التقاليد فمن عادة الناشرين او الكتاب أو الورثة ان يجمعوا الرسائل المكتوبة في كتاب ولكننا هنا نصمم الكتاب ونضع له الرسائل لعبتنا مكشوفة سنعلق سيرتنا على السطوح أو نواري الخجل من كتاب المذكرات بكتابتها في رسائل.

انتبه جيدا لن تستطيع قول ما لا يقال فنحن مطالبان بالعبوس مطالبان بالصدق والاخفاء ومراقبتهما في آن مطالبان بالا نشوه صورة نمطية اعدتها لنا المخيلة العامة ومطالبان باجراء تعديل ما على طبيعة أدب الرسائل ابرزه استبعاد وجوه الشهود وجمالية الضعف الانساني فكيف نحل هذه المعضلة التي يجمد بقاؤها الفارق الطلي بين الرسالة والمقالة؟

سنحاول افلات النص من ضفافه اذ لعل ابرز خصائص الكتابة هي فن تحديد الضفاف الذي يسميه النقد بناء فلنكسر البناء لتعثر لعبتنا الجديدة على ساحتها المفتوحة.

واصل الحكاية -كما تذكر- هو رغبتنا الوارفة في ان نترك حولنا وبعدنا وفينا اثرا مشتركا وشهادة على تجربة جيل تألب على نور الامل وعلى نار الحسرة وان نقدم اعتذارا مدويا عن انقطاع اصاب ساعة في عمرنا الواحد وان نعيد ارتباطنا السابق الينا والى وعي الناس ووجدانهم لنواصل هذه الثنائية المتناغمة -ثنائيتنا -الى اخر دقيقة في الزمن بعدما تمردنا عليها في مطلع التكون الجنيني تمردا كان ضروريا لبلورة خصوصية لا بديل عنها في الشعر ثم تجاوزت نزعتها الاستقلالية لتتحول الى تناحر سفيه قد كان احد مصادره احساس الواحد منا بشكل مفاجىء بقطيعة حوار توصل الى يتم .لقد كان كل واحد منا شاهدا على ولادة الآخر فلنتابع هذه الشهادة.

ولكن ما قيمة ان يتبادل شاعران الرسائل؟

لسنا بشاعرين هنا ولن نكون شاعرين الا عندما يقتضي الامر ذلك هل هذا ممكن لا اعرف ان كنت سترضى بهذا التغييب الملازم لاستحضار انسانيتنا المقهورة »بعدوان« الحب والقصيدة منذ حول العربي الجديد شاعره الجديد الى موضوع فماذا نريد ان نقول لقد فعل الشعر فينا ما تفعل الموسيقى بموضوعها تتجاوزه للافتتان بذاتها واداتها ولكن اين مكاننا؟ اين لحمنا ودمنا؟ اين طفولتنا؟ لقد تعبت من المهارة.

ولكن اعجبتني حاسة المهارة المنتبهة الى ذاتها في مجموعتك الشعرية الجديدة ومع ذلك فان اكثر ما يعنيني هو انسانيتك وهنا تحديدا: ابوك. لقد اعادتني مرثيتك اليه الى كرم الزيتون المعلق على خاصرة السمو الراسخ والى قدرتنا على الدهشة وسط تبدل الروائح الصلبة في الطبيعة والى الحدود الناتئة الفاصلة بين الفصول من لا مكان له لافصول له ولكنني مازلت مفتونا ومجنونا بخريفنا .وخريفنا ليس هو الشجر المدافع عن بذاءة الذهب ولكنه الرائحة فكيف ستنقل الي هذه الرائحة بالرسائل؟

خذني الى هناك اذا كان لي متسع في السراب المتحجر خذني الى مضائق رائحة اشمها على الشاشة وعلى الورق وعلى الهاتف واذا تعذر ذلك فليسمع منك كل الحصى والعشب والنوافذ المفتوحة اعتذاري الجارح.

من حق الولد ان يلعب خارج ساحة الدار من حقه ان يقيس المدى بفتحة ناي. من حقه ان يقع في بئر او فوهة كبيرة في جذع شجرة خروب .من حقه ان يضل الطريق الى البحر او المدرسة ولكن ليس من حق احد حتى لو كان عدوا ان يبقي الولد خارج الدار.

لم نذهب إلى العمر في هذه الطريقة، بل ذهبنا على هذا الطريق. هل تذكر هتافك الساطع »أبداً على هذا الطريق«؟ أبداً... أبداً وان تعرج، أو عرج بنا على مناف لم تخطر على بال آلهة الشر الإغريقية. ولا أفعى جلجامش فعلت ما فعلت بنا بنت الجيران. هل تذكر الشارع الخارج من عكا إلى الشمال العربي، وسكة الحديد الموصلة إلى الجنوب العربي؟. ولكن، أبداً... أبداً على هذا الطريق مهما اشتد مزاح الزمن، ومهما توسع حمار الخواجا بلعام.

لست نادماً على شيء، فما زلت قادراً على الجنون، وعلى الكتابة وعلى الحنين. و دون أن أتساءل: هل سبقت الفكرة أداتها ليتكاثر عليها هذا الحصار؟ أصرخ في وجوه الذين يدفعون الفكرة إلى الضجر: إن روحي هناك. وأقول لك: إن أولئك المحتلين، الواقين بيني وبينك، لا يستحقون أية مقارنة مع أي شر عربي.. عبيد الخرافات، طفيليات العجز المحيط، سلالة الانتقام، لا حق لهم في التصفيق لحماقة الآخرين التي تواصل إنتاجهم المؤقت. وماذا لو انتصروا في غياب؟ هل يضمن فولاذهم القوي النجاح الدائم لفكرة ميتة؟ وهل تصوغ الأداة الحق من الزائل؟

لهذا السبب أحارب الالتباس الخبيث، ولا أمد حنيني على جسر فردي. فكن أنت جسري الصلب، وقدم لجدل »الداخل والخارج« عافية التواصل. عوضني عن غياب لأفرح: ما دمت هناك أنا هناك. وافتح النافذة المطلة على العكس. ما كان يطل على الخارج، فينا، يستدير ليطل على الداخل، هي الدائرة... هي الدائرة.

ويلحون عليَّ ليقتلوني: هل أنت نادم على سفر؟ لم يذهب شيء عبثاً، لم يذهب. وقد حاولنا أن نضخ الوعد بما أوتين من لغة وحجارة ودم، وما زلنا نحاول البقاء والسير. لن ينكسر الصوت ما دام شعبي حياً... حياً... حياً، وما دام للأرض يوم هو هوية العمر. فلماذا يُساق فرد واحدإلى سؤال: هل أنت نادم على سفر؟ سدى أحاول أن أرد السؤال إلى سياقه، فأهمس في آلة تسجيل صغيرة: إذا كان هذا يريحكم، فأنا نادم على سفر!

المكان، المكان، أريد أي مكان في مكان المكان لأعود إلى ذاتي، لأضع الورق على خشب أصلب، لأكتب رسالة أطول، لأعلق لوحة على دار لي، لأرتب ملابسي، لأعطيك عنواني، لأربي نبتة منزلية، لأزرع حوضاً من النعناع، لأنتظر المطر الأول. كل شيء، خارج المكان، عابر وسريع الزوال حتى لو كان جمهورية. ذلك... ذلك هو ما يجعلني عاجزاً عن الرحيل الحر.

ولكنك ستكتب إليّ، لإعادة تركيب ما تفكك في النفس والزمن، لرفع رافعة التوازن لثنائية »الداخل والخارج« الخاصة والعامة، لاستعادة أولى الطرقات الصاعدة إلى أفق يفيض على الطرق. ستكتب إليّ سأكتب إليك... لأعود. فما زال في وسع الكلمات أن تحمل صاحبها وأن تعيد حاملها المحمول عليها إلى داره. وما زال في وسع الذاكرة أن تشير إلى تاريخ. ويجتاحني نداء راعف إلى عودة، عودة ما إلى أول الأشياء وإلى أول الأسماء، فكن أنت عودتي!

إذن اخرج من خزانة الثياب لنلعب لعبة أخرى مع فتيات أخريات، ولا تتلكأ طويلاً في الشوارع الخلفية، فأنت على موعد مع الشاطىء. حيفا حارة في الصيف ورطبة. ولا تنس أن تزور محطة الشرطة وأنت في طريقك إلى البحر. لا تنس أن تسأل الضابط عن موعد الاعتقال القادم. قدم له سيجارة واطلب منه سجناً أنظف من سجن الشهر الفائت. ولا تنس المقال في »مقهى روما« كالمعتاد... وإن جاءت »السيدة«، سلم عليها وقل لها: سافر... وسيعود قريباً. ولا تسألها عن الجنين!.

قريباً؟ ست عشرة سنة! ست عشرة سنة كافية لتقبل بنيلوب ود خطابها وتلعن بحر إيجة.
ست عشرة سنة كافية لأن تتحول الحشرات الصغيرة على جراح أيوب إلى طائرات نفاثة.
ست عشرة سنة تكفي لأصرخ: بدي أعود. بدي أعود. كافية لأتلاشى في الأغنية حتى النصر أو القبر.

ولكن، أين قبري يا صديقي؟

أين قبري يا أخي؟

أين قبري؟.

أخوك محمود درويش (باريس- 19/5/1986)

hana
17-Jun-2008, 12:13
رسالة رائعة ومحزنة في نفس الوقت , وإن كانت في بدايتها غير مفهومة لي لاني لاول مرة اقرا رسالة ادبية لكن مالبثت إلا ان انسجمت مع معانيها .
اخ بودي جوزيت خيرا على الافادة.

دمت بود

هنا