المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تأثير العولمة على الخير العربي المعاصر*



بن نزار
26-Oct-2006, 03:22
تأثير العولمة
على الخير العربي المعاصر*

الدكتور سري ناصر

رئيس جمعية مراكز الإنماء الاجتماعية وأستاد جامعي
المملكة الاردنية الهاشمية







* مؤتمر الخير العربي الثالث, الأمانة العامة لمؤتمر الخير العربي, لبنان, الاتحاد العام للجمعيات الخيرية في المملكة الأردنية الهاشمية , عمان 22-24 يونيو / حزيران 2002 .



تأثير العولمة على الخير العربي المعاصر


تهدف هذه الورقة إلى تعريف ومناقشة مفاهيم الخير والجمعيات الخيرية بالإضافة إلى تعريف ظاهرة العولمة وتأثيرها على الخير العربي المعاصر.
إن مفهوم الخير والذي يوازيه باللغة الإنجليزية كلمة Charity أحيانا Philanthropy يشير إلى الاستعداد عند الإنسان لمساعدة الآخرين : الفقراء والمحتاجين عن طريق المال أو الغداء ... الخ. ومصادر الخير في أغلب مناطق العالم ارتبطت بالأديان والمبادئ والفلسفات المستمدة منها. ففي البداية كان عمل الخير يتم عن طريق أفراد من الأغنياء ممن يتوفر لديهم حب الخير ومعاني البر والإحسان, ولكن ما فتئ عمل الخير أن اتخذ أشكالاً أكثر تنظيماً بدافع الإحسان مما جعل مفهوم الخير يشهد تطوراً ملموساً من الناحية الفلسفية وبالتالي التطبيقية بانتقاله من الإطار الفردي المبني على الإحسان إلى مجال اجتماعي منظم بهدف حل المشكلات التي تعدت نطاق الفرد الواحد إلى المجتمع في قطاعاته الواسعة على قاعدة أن الخير حق من حقوق المواطن والمواطنة.

الجمعيات الخيرية العربية:

بدأت الجمعيات الخيرية العربية بالظهور في المجتمعات العربية في القرن التاسع عشر وكان اهتمامها ينصب على كافة المجالات الاجتماعية والثقافية والسياسية, ولما كانت منطقة المشرق العربي نقطة التقاء وتقاطع بين الحضارات والشعوب المختلفة كان لا بد أن تتأثر هذه البلدان بحضارات الشعوب الوافدة إليها والمجاورة لها سلباً وإيجاباً, فمن ناحية, أسهمت فلسفات وتجارب الشعوب الأخرى في إغناء النقاش الذي كان دائراً في المنطقة خاصة في تلك الفترات المظلمة من تاريخها والتي كان مفكروها يعملون جاهدين للنهوض بالمجتمع وتخليصه من ويلات التخلف والانهيار الذي يعاني منه داخلياً, ومن الخطر الذي سيلم به من جراء الأطماع الخارجية التي تهدده. ومن ناحية أخرى, فإن هذه الأطماع الخارجية أسقطته في دوامات الحرب والدمار وفقدان الاستقلال الوطني, الأمر الذي أسقط قطاعات واسعة من شعوب المنطقة في حالات الفقر والعوز من جراء غياب السلطة الوطنية وتفتت البنية التحتية للمؤسسات الاجتماعية, فبلدان منطقة المشرق العربي شهدت تاريخاً سياسياً مشتركاً ومتشابهاً إلى حد بعيد, فمع انهيار الدولة العثمانية التي هيمنت على المنطقة عدة قرون بعد الحرب العالمية الأولى, وإثر اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 قسمت المنطقة بين الانتدابين البريطاني والفرنسي. فوجدت شعوب المنطقة نفسها, والتي حلمت بالاستقلال الوطني وبناء الدولة الحديثة, إزاء أوضاع أكثر قسوة وأشد بلاءً وأمام محتل غير معني إلا بتثبيت سلطته ونهب ثروات البلاد.
فاشتد الفقر وتفاقمت المشكلات الاجتماعية فكان لا بد في مثل هذه الأوضاع أن يبادر أفراد أو مجموعات بمد يد العون للفئات التي كانت أقل حظاً مثل مشوهي الحروب والأيتام والأرامل والمسنين الذين لا معيل لهم, لقد بدأ مفهوم العمل الأهلي الخيري منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بمجال فردي مبني على حب فعل الخير ومعاني البر والإحسان يقدمه الأغنياء الأوفر حظاً للمحتاجين والفقراء. ومع بداية العشرينات من القرن الماضي _ بدأ العمل الأهلي الاجتماعي يتخذ شكلاً أكثر تنظيماً فانتظم الأفراد المحسنون في تجمعات خيرية بدافع الإحسان والبر _ لتحقيق قدر ولو يسير من العدالة الاجتماعية على اعتبار أن ذلك حق من حقوق المواطن _ وليس من دوافع المساعدات والهبات غير الملزمة للمجتمع. ومع بداية حصول دول المشرق العربي على الاستقلال الوطني, دخل إلى عنصر الخدمات والتنمية بشكل عام عنصر هام ومؤثر وهو الجانب الحكومي الرسمي سواء من خلال عمليات التنمية التي اتخذت الحكومات على عاتقها مسؤوليات تنفيذها, أو من ناحية دعم العمل الأهلي وإمداده بالدعم المادي والقانوني, وبناء على ذلك وضعت التشريعات التي تنظم التوجه الشعبي في هذا المجال وتسهم في مسيرته ودعمه. إلاّ أن المتتبع لتاريخ نشوء العمل الأهلي في منطقة المشرق العربي, يلمس تفاوتاً في مسار هذا العمل بين بلد وآخر.

ففي الوقت الذي نجد أن بلداناً مثل سوريا والعراق ارتأت حكوماتها أن مهمة التنمية الشاملة مسؤولية تقع أولاً وأخيراً على عاتق الدولة ومؤسساتها الرسمية المختلفة الأمر الذي قلص من طبيعة الخدمات التي تؤديها الجمعيات الخيرية, ففي حين اتخذت العديد من هذه الجمعيات بداية ضمن أهدافها برامج لمحو الأمية, ومعالجة المعاقين والعناية بهم على سبيل المثال. ولكن مثل هذه المهام أو الأهداف قد سقطت بعد أن تولت الدولة هذه المهام, وتحولت الجمعيات الخيرية إلى النشاطات التي تعنى بالقضايا الثقافية والفنية والعملية.
أما في الأردن ولبنان, ورغم أن مؤسسات الدولة تقدم الكثير من الخدمات الضرورية للمواطنين إلا أنها أبقت الباب واسعاً أمام الجمعيات الخيرية للإسهام وفق ما ترتئيه في برامج التنمية المختلفة, سواء في النواحي الصحية أو التعليم أو العناية بالمعاقين ... الخ. وفي الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة فقد نظم قانون الجمعيات الخيرية وفق القانونين المصري والأردني حتى عام 1967, وما يزال الكثير من هذه القوانين معمولاً بها حتى الآن. ومن الجدير بالذكر أن الجمعيات الخيرية في فلسطين المحتلة ساهمت ولا تزال تساهم مساهمات فعالة في تقديم العون الذي شمل معظم نواحي الحياة, الأمر الذي ساهم في تعزيز صمود أهلنا في الداخل.
بقي أن نشير إلى أن الجمعيات الخيرية الأهلية يتناسب تواجدها من حيث الكم تناسباً طردياً مع المستوى الاجتماعي والثقافي, فهي متواجدة في المدن وخاصة العواصم بنسب أكبر بكثير مما هو عليه في الريف, مع العلم أن الريف يحتاج لمساعدة وعون ويعاني من المشكلات الاجتماعية والصحية.

العولمـة:

تعتبر العولمة ظاهرة اجتماعية اقتصادية وسياسية وثقافية. وهناك عدة تعريفات للعولمة فهناك من يعرفها على أنها أمركة, أي أن مصدرها وصناعتها ومحركها هي الولايات المتحدة الأمريكية, وهناك من يشير إلى هذه الظاهرة على أنها ثورة معلوماتية نتيجة للتقدم العلمي والتكنولوجي, بالإضافة إلى اعتبارها أداة للغزو الثقافي بهدف جعل العالم يفكر ويتصرف بطرق موحدة.

وللعولمة مؤيدون ومعارضون, فالبعض يرى أن هذه الظاهرة ستعمل على تحسين أوضاع الشعوب من النواحي الاقتصادية والثقافية, في حين أن معارضيها يصفونها بالشر وأنها ستضر بمصالح الشعوب وتوسع الهوة بين الأغنياء والفقراء.

وبغض النظر عن آراء المعارضين والمؤيدين فلا شك أن العولمة لها آثار سلبية وإيجابية. فالعولمة قد تساعد من حيث الإطلاع والاستفادة من خبرات الإنسان في شتى مجالات الحياة, ولكنها في المقابل قد تقضي على الكثير من القيم الإنسانية التي عمل الإنسان على تثبيتها منذ وجوده.

أثر العولمة على الخير العربي:

لا شك أن الخير العربي ارتبط بشكل عام بالدين, فالديانات الإسلامية والمسيحية تدعو إلى العطاء والتطوع لمساعدة الغير. فالإسلام يحتوي على مبادئ أساسية من أهمها الزكاة والصدقة, فالزكاة تعتبر من أركان الإسلام الخمس. وقد ورد ذكر الصدقة في القرآن الكريم مرات عديدة. وبالرغم من أن عمل الخير ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالدين في المنطقة العربية فإننا نجد أن تطور الأفكار والأنظمة الاجتماعية والاقتصادية في العالم دفع العمل الخيري العربي لتبني وظائف علمانية بحيث أصبح عمل الخير يعمل من خلال مؤسسات اجتماعية ودينية وسياسية بهدف تنمية وإصلاح المجتمع.

ولكن بالرغم من وجود المؤسسات والجمعيات الخيرية في المجتمعات العربية فإن العمل الخيري العربي بدأ يتراجع لعدة أسباب من بينها :

1. تفشي القيم المادية في المجتمعات العربية والفشل في توظيف الدين لإشباع حاجات الإنسان في ضوء التغيرات والتطورات التي أحرزها الإنسان.
2. هيمنة السلطة على مؤسسات العمل الخيري ومحاولة السيطرة عليها.
3. تحول العمل الخيري العربي ليصبح أداة عند الكثيرين للاستفادة الشخصية.

هناك أزمة خطيرة في نظري بين القيم الإنسانية والقيم المادية في المجتمعات العالمية وخاصة في المجتمعات التقليدية والنامية. فالإنسان في الماضي كان يعتبر هدفاً بحد ذاته, واليوم نرى أن الإنسان أصبح وسيلة لأهداف مادية.

إن النظم المادية المعاصرة أخذت تعصف بالنظم الاجتماعية والاقتصادية التقليدية – فالمجتمعات وشعوب العالم الثالث بدأت تنجرف وراء المجتمعات الصناعية دون أن تلتفت إلى أن بعض القيم ترتكز عليها البنية الاجتماعية أخذت بالاختفاء دون أن تطور قيما جديدة لتحل محلها, فمثلاً فإن القيمة المرتبطة بعناية ورعاية الكبار في السن باتت مهددة, وأصبحت مشكلة ويثور تساؤل الشيخوخة في طريقها لتصبح من أخطر التحديات للمجتمعات التقليدية. ماذا سيحل بالآباء والأمهات الذين كرّسوا حياتهم للعناية بأبنائهم ليكتشفوا أن أولادهم غير مستعدين أو قادرين على عنايتهم ورعايتهم وأن الحكومات غير قادرة على إيجاد الملاجئ لإيوائهم في سن الشيخوخة. لقد اكتشفت المجتمعات الصناعية أن مؤسسة الأسرة المتماسكة هي أكثر المؤسسات القادرة على حل مشكلة الشيخوخة في المجتمع. ونحن اليوم أمام مؤسسة الأسرة التي يبدو أنها في طريقها إلى التفكك كما حصل ويحصل في المجتمعات الصناعية. فكما أوردنا سالفاً فإن الدين يعتبر من أهم مصادر القيم الإنسانية التي تحافظ على كيان الأسرة ووظائفها.

والملاحظ أن هناك عزوفاً عن الدين في المجتمعات العربية والإسلامية وعدم اعتباره قوة روحية ويحتاج إلى مفكرين قادرين على موائمة المفاهيم الدينية لتتماشى مع العصر. ومن هنا فقد تعمل العولمة على إضعاف القيم الدينية التي ما زالت تلعب دوراً أساسياً في حفز العمل الخيري العربي, لذلك فإنه من الضروري العمل على إيجاد بدائل علمانية دون التفريط بمكانة وأهمية الدين لكونه ضابطاً اجتماعياً. بالإضافة إلى الأسباب المسؤولة عن تراجع العمل الاجتماعي العربي هناك هيمنة وسيطرة الحكومات على المؤسسات والجمعيات الخيرية.

ولا شك أنه من الضروري للسلطة المركزية أن تنظم عمل الجمعيات, ومن الضروري أيضا أن تعترف الدولة بدور الجمعيات الخيرية التي برهنت على قدرتها على المساهمة مع الدولة في عملية التنمية. ومن هنا فقد يكون للعولمة أثر إيجابي في التأثير على الحكومات العربية بتخفيف قبضتها على المؤسسات الاجتماعية أسوة بالاتجاه التحرري العالمي نحو المنظمات غير الحكومية.

وأخيراً, هناك اتجاه عند الكثيرين الذين يستغلون العمل الخيري لمكاسب شخصية. وهذه المكاسب إما أن تكون على شكل استفادة مادية أو معنوية. فهناك من يستغل العمل الاجتماعي عن طريق نهب الأموال تحت الإدعاء بتقدم خدمات للمجتمع المحلي أو أن يهب أمواله لبناء جامع يعرف باسمه على أمل أن يؤمن له مكان في الجنة. ولا شك أن بناء الجوامع أمر هام ومفضل ولكن نشاطات الجامع لا يجب أن تقتصر على الصلاة والمصلين, بل على الجامع أن يكون مركزاً اجتماعياً وثقافياً يعمل على تنمية مجتمعه المحلي ويقيم نشاطات هادفة مثل المحاضرات العملية ويتصدى للمشكلات الاجتماعية.

والعولمة ربما تكون مفيدة في نقل الخبرات والمفاهيم المرتبطة بعمل الخير, فالإحسان لا يجب أن يقتصر على الزكاة والصدقة بل يجب أن يتجاوزه إلى التبرع بالأموال للمؤسسات الخيرية والتعليمية مثل الجامعات والمدارس والمعاهد الطبية ... الخ. وعلى الخير العربي أن يتهيأ للتحديات المستقبلية, فالعولمة ستعمل على خلخلة جميع مرافق المجتمع. لذلك هناك مسؤولية كبرى ملقاة على عاتق المؤسسات الخيرية لحماية ما يمكن حمايته من قيم ومعايير.

المصدر: مركز التميز للمنظمات الغير حكومية