المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جولة في الموروث العراقي عبر 'الآداب السومرية'[/



bode
23-Feb-2008, 02:58
http://www.middle-east-online.com/pictures/biga/_58547_adab22-2-08.jpg

استحضار للمنجز العراقي القديم

جولة في الموروث العراقي عبر 'الآداب السومرية'

العدد الثاني من مجلة الاداب السومرية يسجل سبقا
فكريا عراقيا لجمهورية افلاطون ومدينة الفارابي الفاضلة.


أصدرت كلية الاداب في جامعة ذي قار العدد الثاني من مجلتها الفصلية الثقافية "الاداب السومرية" بمجموعة وافرة من الدراسات والمقالات عن تاريخ العراق القديم.

وافتتح الدكتور فاضل كاظم صادق رئيس التحرير العدد بكلمة أوجز خلالها محاولة المجلة انتهاج خط ثقافي ومعرفي تلتزم وتتبنى من خلاله الابتعاد عن التعتيم والتهميش والتشويش على المعرفة، مشيرا إلى أن المجلة ستحتضن "النتاج الحديث للأدباء والكتاب والفنانين من النصوص الادبية والأعمال الفنية التي تستوحي وتستحضر المنجز العراقي القديم".

وأولى دراسات العدد هي "لارسا المدينة والدولة 2025-1763 ق.م." للأستاذ الدكتور جواد مطر الموسوي رئيس جامعة واسط.

وتاريخ لارسا التي يبعد موقعها الاثاري 70 كم عن مدينة الناصرية هو صفحة بارزة من التاريخ السومري خصوصا، فهي سومرية الأصل وتؤرخ للحضارات العراقية القديمة عموما.

وعلى الرغم من سومريتها، إلا أن لارسا أصبحت جزءا من الدولة الاكدية التي كانت حدودها هي حدود العراق الحالية مع إضافات من أراضي دول الجوار ثم صارت جزءا من دولة أور الثالثة قبل أن يتزعمها "نابلانوم" وهو شيخ آموري استغل ضعف الدولة فأعلن انفصال لارسا عنها.

واستكمالا للفائدة فقد أشار الباحث إلى رسالة ماجستير أشرف عليها ونوقشت في 2007 للباحثة سهاد حسن عبد الحسين بعنوان "المكانة السياسية لمدينة لارسا في الحضارة العراقية القديمة"وتضمنت أسماء عدد كبير من المعابد.

ولأهمية ما عُرف بين المؤرخين والآثاريين بـ"دور العُبَيد" وتأثيره البارز في الحضارات العراقية وعموم الحضارة الإنسانية، فإن الباحث قيس حسين رشيد من الهيئة العامة للآثار أعد بحثا عن حضارة العُبيد التي نشأت على تل العُبيد(25 كم جنوب الناصرية) كرَّسَه لتوضيح "المعطيات الثقافية للعبيد: تَلا وعصراً وتاريخاً" وزَيَّنَه بعدد وافر من الصور الدالة على المكانة السامقة لتلك الحضارة الموغلة في القدم.


قَرَنَ هذا العدد من المجلة بين تراثي رائدين راحلين من رواد البحث،هما الباحث والمفكر السوري تركي علي الربيعو والعلامة الآثاري العراقي طه باقر وذلك من خلال بحث كتبه الربيعو عن باقر بعنوان "بحثا عن الأسطورة الخالدة: طه باقر والريادة في عالم مجهول".

وأشارت المجلة الى انها "تعتز بالمفكر الربيعو وإنجازاته فهي تنشر ما سطرَّه يراعه بشأن عالم الآثاري العراقي الخالد طه باقر".

يقول الربيعو عن باقر "إن حماسة طه باقر لملحمة غلغامش دفعه إلى فك أسرها، الأسر الذي تحكمه الدراسات الأكاديمية وتحصره في دائرتها، وإخراجها في طبعة شعبية، فالطبعة الشعبية من شأنها أن تضمن التواصل مع أكبر قطاع ممكن من جهة، ومع التراث الشعبي بحيث يمكن للتأويلات اللاحقة له أن تتفتح على آفاق قد تجد صداها في ملحمة غلغامش،وهذا ما كان يضمره باقر ويصرح به أحيانا".

وساهمت أمل بوتر التي قدمتها المجلة للقراء على إنها فنانة ومؤرخة فن في بحث بعنوان "فن تصميم وصناعة الأثاث في حضارة وادي الرافدين" بينما سلط الدكتور عادل هاشم علي أضواء على طبيعة "القرابة والصداقة في المجتمع العراقي القديم" وقد اعتمد الباحث على مجموعة من النصوص الأدبية القديمة منها المثل والشعر والوصايا.

ولأن البابليين هم مؤسسو علم الفَلَك، فقد ساهم الدكتور حسين أحمد سلمان بدراسة تناولت تأثير ذلك الانجاز العلمي العراقي الباهر على العلوم الإغريقية،إذ كان عنوان بحثه "الفلك البابلي وأثره في الفلك الإغريقي"، ولعل اعتراف الإغريق بأن علم الفلك إنما هو علم كلدي، الدليل على دور البابليين الكلدانيين في تأسيس وتنمية هذا العلم.

ولما ورد في بحث سبق أن نشرته مجلة ميزوبوتاميا في أحد أعدادها تحت عنوان "تَكَوّن الأهوار في العراق" للباحث برهان شكر سلمان، فإن الباحث قاسم راضي حنين من الهيئة العامة للآثار والتراث رأى أن يتصدى لما ورد فيه ببحث عنوانه "تاريخ تكوين الاهوار في العراق".

ولأهمية موقع مدينة أور، فإن "أثر الموقع في نشأت مدينة أور وتطورها الاقتصادي" للباحث عدنان محمد مجلي ناقش تلك الأهمية وحيثياتها آخذا بنظر الاعتبار إفرازات الموقع وطبوغرافية الأرض وما لهذين العاملين من أثر في تسهيل الاستيراد والتصدير والوساطة التجارية وما تمخض عن ذلك النشاط التجاري من تأثير على طبيعة المجتمع والحضارة في تلك المدينة العراقية.

ويظل أصل السومريين مشكلة تُحَيِّر الباحثين، فالإجابات على أسئلة تطرح عن أصلهم ومكان سكنهم السابق قبل قدومهم إلى جنوب العراق ودوافع القدوم تبقى نظريات قابلة للدحض أو التأييد، وهنا نجد مساهمة من الباحث فارس عجيل متمثلة ببحث سماه "المشكلة السومرية" اصطف الباحث في سياقه إلى جانب العالمين الراحلين طه باقر وسامي سعيد الأحمد الذين يريان أن السومريين لم يأتوا من خارج البلاد بل هم من الجماعات التي كانت تستوطن أصلا بلاد الرافدين ثم انحدرت إلى منطقة السهل الرسوبي بعد أن أصبح صالحا للسكن بحدود الألف الخامس قبل الميلاد.

ولما للكم الهائل الذي نملكه من الحِكَم والأمثال السومرية فإن البحث في الحكمة السومرية يظل مصدر أغراء للباحثين. وفي هذا العدد يأخذنا الباحث حسن علي خلف في سياحة ممتعة بين "الأمثال في الأدب السومري" خلص في نهايتها إلى أن تلك الأمثال هي بعض ما يدلل على عظمة هذا الشعب الشغول كما يصفه الباحث.

ولأن السومريين لم يجدوا في سكنهم المختار في جنوب العراق غير الطين وما تنتجه الأرض، فإنهم سَخَّرُوا ذلك الإنتاج لما يسهل حياتهم ويدفعهم نحو بناء الحضارات الأولى الأساسية لكل حضارات البشر، من هنا فإن "مكانة الطين ودلالته في الموروث السومري" كان من بين الأمور التي تستحق التقصي وهذا ما فعله الباحث عبد الأمير الحمداني من الهيئة العامة للتراث والآثار.

واعتمد الحمداني في تكوين المادة الأساسية لبحثه على وثائق تاريخية كبقايا المباني والأختام الاسطوانية والرُقيمات التي تضم قصائد وغيرها إضافة إلى ما ورد في ملحمة غلغامش عن القصب.

وللجهود البحثية التي بذلها الباحث ناجح المعموري في مجال التراث العراقي القديم، فإنه وضع يده على "المسكوت عنه في ملحمة غلغامش" ثم ترك المجال للباحث جاسم عاصي صاحب الولع بفك رموز وشفرة النص ليرفد القراء ببحث جديد يتناول "من إستقرار الآخر إلى قلق الذات في ملحمة غلغامش" فالشخصية القلقة بنظر عاصي هي شخصية غلغامش الملك السومري الذي تسبب ظهور أنكيدو في إيقاظ إيجابي في نفسيته، ما جعله المحرك الأساس في هذا الإيقاظ.

وترجم أحمد الباقري ثلاث قصائد سومرية هي "إينانا وبيلولو" و"ترتيلة من كوديا" و"قصيدة أوتو حيكال" بينما وجد الدكتور رياض شنته جبر في قصيدة "الفردوس السومري"عالما رحبا للبحث والنقاش كونها تذكرنا بنزوع الإنسان الفكري الذي تخيَّلَ عبر الأزمان عالماً مثالياً إنسانياً راقياً يختلف تماماً عن عالمه الذي يعيشه، عالم يسود فيه العدل والوئام كما يؤكد الباحث. وفي هذا سبق عراقي لجمهورية أفلاطون ومدينة الفارابي الفاضلة،وكل اليوتوبيات اللاحقة.

وفي مجال التوثيق، سجل زيدان حمود بحثا في "المنحوتات السومرية: توثيق أمثل لحضارة مزدهرة" فيما رأى الفنان التشكيلي محمد سوادي أن الفنان الراحل جواد سليم يعد أنموذجا لـ"أثر الفنون السومرية في التشكيل العراقي المعاصر".

وكما عَوَّدَ صفاء ذياب قراءه فإنه أجرى حوارا شيّقاً ومفيداً مع الآثاري والمؤرخ البارز الدكتور فاضل عبد الواحد علي تستند فكرته الأساسية على "التراث الرافديني متواصل ومتراص" افتتح ذياب الحوار بسؤال عن أصل السومريين ثم أثار المُحاور قضايا عديدة أخرى من بينها فكرة الخلود وعلاقة الزقورات بالابراج ومدى جواز اعتبار التوراة كتابا تاريخيا وتشابه طفولة سرجون الاكدي مع طفولة النبي موسى "الإلقاء في النهر" وأمور فكرية عديدة تؤكد براعة الأستاذ صفاء ذياب في إدارة حوارات ثقافية مفيدة وممتعة.

كان عنوان الصفحة الأخيرة جذاباً ولافتاً للأنظار "المطلوب 56" باعتبار أن الغزاة الأميركيين أصدروا خمساً وخمسين ورقة لعب(كوتشينة)عليها صور ستة وخمسين مطلوباً هم صدام حسين وأعضاء القيادة الحزبية السابقة وعدد من الوزراء والقادة العسكريين والأمنيين.


هنا يرى كاتب المقال الذي وقع مقاله بالحرفين "أ.د." أن الآثار العراقية هي المطلوب السادس والخمسين مُذكراً بنهب كنوز المتحف العراقي تحت نظر وموافقة الغزاة الأميريكيين،وما تلى ذلك من "عدوان إجرامي ضد آثارنا كالعبث المدمر بالمواقع الاثارية والتعسكر غير المبرر بين أطلالها وغير ذلك من جرائم الحرب".

والكاتب الذي استفزه "إبدال الأمريكان صور الخمسة والخمسين مطلوبا على أوراق الكوتشينة بصور لمعالم أثرية كمدينة بابل ومدينة أور وغيرها"، يتساءل "هل وصلوا إلى قناعة بانتهاء دورهم العسكري ليتحولوا إلى رجال دعاية للسياحة في المواقع الاثارية العراقيةما يبرر سعيهم لجعل الآثار العراقية المطلوب رقم 56؟".

وتضمن العدد قصائد ونصوص ولوحات حديثة ذات علاقة بالإرث الحضاري العراقي ومنها لوحات للفنان كامل الموسوي وتحديدا تلك التي تصور غلغامش ينتحب ويبكي، وهو جالس قرب صديقه أنكيدو المسجى والذي صَوَّر وجهه سابحا في شفق حلمي وقد انبثق حيوان خرافي من أحدى زوايا اللوحة يجاور شمسا صفراء تنبي بكارثة الموت.

وفي الطرف الآخر من اللوحة صورة البغي تشمخ بشهوانية فاضحة وكأنها تهدف إلى إغواء غلغامش الكئيب كما أغوته صديق من قبل. احتلت هذه اللوحة المعبرة الغلاف الأخير سابحة ببحر من الألوان الأخاذة.

ميدل ايست اونلاين
بغداد – من حسن عبيد عيسى