المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحِكْمَة ونَقائِض الحَضَارَة



bode
23-Feb-2008, 02:53
الحِكْمَة ونَقائِض الحَضَارَة



إنّ التراث الحضاري ذا الأسس الصحيحة لأيّ أمّة كانت ، يعدّ رصيداً إنسانياً لكلّ البشرية ؛ و من ناحية أخرى يعتبر الثراث ركيزة ثابتة ، تُرسى عليها جسور التواصل ، التي تربط بين الأمم والشعوب والمجتمعات المختلفة بعضها مع البعض الآخر

فالحضارات تمتلك رصيداً ضخماً من الثقافات ، والثقافات عبارة عن ركائز حضارية ، تعمل كحلقات تواصل بين الشعوب المجتمعات المختلفة . فعن طريق المشتركات الحضارية والثقافية التي تربط بين الجميع ، تستوثق علائق الأمم ، وتستحكم عناصر تواصلها . فبتواصل الأنشطة المعرفيّة بين الأفراد والمجتمعات والشعوب والأمم ، تتحقق فكرة تكامل الحضارات ، فلكل حضارة حصتها في ترسيخ مفاهيم الخير وإبراز عناصر الجمال .

ومن خلال هذه الوشائج الموصلة بثقافات الاخرين تظهر صور ، الحِكَم و الأشعار و الأمثال ، لتعمل بمثابة رُسُل شفافة رقيقة ، تحمل وتنقل الأفكار والتصورات بين العوالم المختلفة ، وتكون مواداً تختزن منطلقات فكرية معبّرة ، يتحلق حولها عشاق الخير ، ومحبو الصلاح وخدمة الانسان .

فمحبو الفضيلة لا تحصرهم حدودٌ جغرافية ، أو انتماءاتٌ قومية ، أو محدداتٌ لونيّة ، أو جنسياتٌ وطنيّة ، أو جنسانيّاتٌ مظهريّة . فنرى الأبيض منهم إذا كان ذو ذوق سليم ، يأنس بالآخر الأسود ، إذا كان سليم الذوق أيضاً في تصوراته ، وصحيحاً في أفكاره ، ومنسجماً مع التطلعات المستقيمة التي تحترم الإنسان وجوداً وفكراً وشعوراً ، بالرغم من ظاهرة التضاد اللوني بين الطرفين .

إنّ الفطرة الإنسانيّة السليمة ، يتأصل فيها كلّ ما هو نبيل ورفيع ، لذا نلحظ أنّ الفرد الذي يعشق قيم الجمال والخير ، ينجذب إلى من يشبهه في هذه التطلعات ، وبالوقت نفسه نرى هذا الفرد ، ينفر ممن يحمل الضدّ من تصوراته وتطلعاته . فالأصل في الوجود الإنساني، هو عشق العمل الصالح الجميل ، الذي يهدف خدمة الآخرين ، ومساعدتهم وإسـعادهم . والإستـثناء هـو فعـل الشـر ، وعبادة الأنا ، والغرور بالذات ، والتعالي على البشر ، وهضم حقوقهم واتعاسهم .

من هنا كان للكلمة الطيبة الصادقة ، وللموقف الهادف ، أعداءٌ طبيعيون ، هم الذين لا يستيطعون التسامي بأنفسهم ، فوق غرائزهم الحيوانية ، وأنانيتهم الضيقة . فأصبح البشر فريقين ، أحدهما يمثل الخير ، والآخر يمثل الشر . وإذا كان المنطق والعقل الرصين يحكمان ، بأن حقيقة الخير ، هي الاستقامة والاعتدال . وأن حقيقة الشرّ هو الفساد والضلال والاعوجاج ، فيكون الخير بناءاً على ذلك ، هو الحقيقة الأزليّة الباقية ، وهو القاعدة على الدوام ، بينما يكون الشر هو الوهم الزائل ، وهو الاستثناء على الدوام أيضاً . ومن يؤمن بنفسه بأنّه إنسان صالح وصادق ، فليثق بنفسه بأنّه يمثل قيمة رفيعة ، وعنصر سامٍ في هذا الكون .

وأنّه عامل مهم من عوامل صناعة الخير والصلاح والجمال . وفي كنف هذه الثوابت ، يُسعد الإنسان أينما كان في العالم ، وهي التي تعطي للعالم ، مميزات التواصل والتآلف ، والمحبة والبناء والتقدم ، وهي التي تجعل العالم يتسع ، ويتطور ويزهو ويزدهر . والعكس من ذلك ، هو الحقد الذي يسحب الإنسان ، إلى مواقع التخندق والانكماش على النفس ، في بؤر التضييق والتّعسير .

فتنأى المجتمعات بعداً ، بعضها عن البعض الآخر ، و يستوحش الأفراد أحدهم من الآخر ، ويزداد الأمر سوءاً ، حتى يصل إلى مرحلة الحقد ، التي لا يطيق الإنسان فيها الإنسان الآخر ، فيعمد إلى قتله ، والتخلص منه نهائياً . والأفراد أو المجتمعات الذين يحملون هذا التصور ، تقذف بهم رياح تطرفهم ، بعيداً عن ركب الحضارة الإنسانيّة . فبهذا التصور المريض الشاذ يتضيق العالم الرحب ، وينحسر حتى يندثر في آخر المطاف .

لأنّ دائرة الكره حلقة متضيقة بنفسها على نفسها ، فهي تتجه في حركتها التاريخية ، من المحيط إلى المركز . فينتهي الأمر بالمنتمين لهذه الدائرة ، أن يتركز وجودهم في شخصية واحدة ، تمثل نقطة المركز . وهذا السلوك يعني إلغاء الكلّ مقابل إحياء الفرد . إذن لابدّ أنْ تكون الإستقامة ، هي الحقيقة الواضحة ، ولابدّ أنْ يكون الانحراف ، هو الوهم والأذى . ومن كان يؤمن بالحقيقة ، فلا يخشى السراب .

ومن الجميل أنّ الكتب السماوية تؤكد هذه الحقيقة ، حقيقة الاستقامة ، ووضع الاشياء في محلها ، أي بمعنى الواقعية الصحيحة بالتعامل مع الاشياء ، وقد عبّر القرآن الكريم عن ذلك بمفهوم (الحكمة) ،

فقال تعالى في ذلك : (.... وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ....)(البقرة /269) .

بينما عبّرت التوراة عن هذه الحقيقة بمفهوم (الاستقامة)
فياتي فيها القول: (المستقيمون يسكنون الأرض ، والكاملون يبقون فيها .

أما الأشرار فينقرضون من الأرض والغادرون يستأصلون منها)(العهد القديم ص/939) .

أمّا الإنجيل فيقول : (لأن هكذا هي مشيئة الله ،
أن تفعلوا الخير فتُسكتوا جهالة الناس الأغبياء)(العهد الجديد ص/377) .

(إذا كنت تقف بشكل منتصب ، لا تخف من الظل المنحني . (مثل صيني)) .

ستبقى الحكمة والاستقامة وعمل الخير ، مَقصَداً ومَنْشَداً لجميع البشر الأسوياء ،
وسيبقى الضلال والشر قيّداً وسجناً ، لؤلئك الذين لا يحبون الخير والحكمة والاستقامة.

محمد جواد سنبه كاتب وباحث عراقي