المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أخلاقيات العمل ، ودور مؤسسات المجتمع المدني في تعميقها



هايل القنطار
21-Feb-2008, 10:20
كنت أقرأ كتابا عن الكونفوشية ، عندما تذكرت أننا في خمسينات القرن الماضي كنا ندرس مقررا اسمه الأخلاق 0وتساءلت عما إذا كانت الحضارة لوحدها هي التي تسببت فيما نحسه اليوم من تدن للقيم أو تشويه لها ، وما أهمية انتهاج أساليب حياة تعتمد على قيم جميلة كالخير والفضيلة والصدق والمحافظة على المال العام والإخلاص بالعمل واحترام الوقت والعدل وحسن التعامل وغيرها ، وهل ما نعانيه من فساد إداري حصل نتيجة انتهاجنا أساليب مناقضة كاللامبالاة والاستغلال والأنانية والظلم وسوء الائتمان وإضاعة الوقت وما إلى ذلك0وخلصت إلى أن الحضارة ساهمت في تعديل بعض القيم ولكنها لم تمس القيم الثابتة ، ففي الدول الغربية التي نضربها مثلا للدول المتحضرة ما زال المواطنون فيها يتمسكون بقيم هي من أساس عقيدتنا ،(جاء في الحديث الشريف : آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان ) فالصدق والمساواة والعدل والنظام وحب العمل تعتبر مسلمات في علاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية ، رغم شيوع روح الفردية لديهم 0ونحن هنا نتكلم عن عامة الناس عندهم أما الخاصة من أصحاب المصالح السياسية والاقتصادية فقد تكون لهم قيم أخرى تعتمد نهج المكيافلية ( التركيز على ما هو كائن لا على ما يجب أن يكون ، والنظر إلى القيم على أنها نشاط اجتماعي أكثر منها نشاط أخلاقي ) 0 فالطموح في المجتمعات الغربية وفي غيرها أمر محبذ ولكن ليس الشطارة بالمفهوم الدارج عندنا ، هذا المفهوم الذي تسبب في ترْكنا للكثير من قيمنا النبيلة التي نعتز بها ، وساهم في نشر الفساد الإداري على نطاق واسع 0
إننا لا ننكر أن بعضا من السياسات الاقتصادية والاجتماعية غير الحكيمة ، ساهمت في اتساع دائرة الخطأ وتفشي الفساد الإداري في مؤسساتنا ،لكن هل السبب فيما آلت إليه الأمور في مجتمعاتنا العربية محصور جميعه بهؤلاء ، أم لتبدل حاصل في ثقافة المجتمع الذي تفشت فيه قيم الانتفاع 0 علينا أن نقر كمجتمع بأن مساعدتنا للعاملين الشرفاء للإبقاء على قيمهم ولتخطي مواضيع الروتين والتعقيد تبدو غير كافية ، فكم من مواطن يسعى إلى الانتفاع من خدمات الدولة وأموالها ولو كان هذا الانتفاع مخالفا للقانون ، مما يحتم على العاملين أخذ الحيطة والحذر الزائد كي لا يقعوا ضحية هؤلاء الساعين إلى الكسب بأي طريق 0 لقد تنبهت العديد من الدول لهذا الموضوع ‘ فأقامت بعضها مراكز لتعميق أخلاقيات العمل في نفوس الجمهور ( مركز دبي لأخلاقيات العمل) بينما عمدت دول أخرى إلى تنظيم ورشات عمل متتابعة لنشر قيم العمل الأخلاقية في مجتمعاتها (معهد الإدارة العامة السعودي) 0وبالعودة إلى الموضوع الأساس وفي ظل الاجتياح اللامحدود لمخرجات العولمة وبخاصة الغزو الثقافي الذي تنشره وسائل الإعلام المرئية ، والذي ساهم في تعميق القيم السلبية التي اتسعت دائرتها في مجتمعاتنا العربية ، يتوجب على مؤسساتنا التربوية والإدارية والاجتماعية بما فيها مؤسسات المجتمع المدني أن تبدأ بوضع خطط لمواجهة التشويه الذي يحل بقيمنا الأساسية وبخاصة منها قيم العمل وأن يكون لكل مهنة ميثاقها الذي يشكل الضابط لسلوك منتسبيها0
ونشير إلى ضرورة أن تحدد هذه المؤسسات أيا كانت صفتها مسؤوليات منتسبيها بصورة واضحة وأن تتأكد من أن الجميع قد ألموا بها إلماما تاما. وان تعمد الجهات الإدارية والاقتصادية على وجه الخصوص إلى إجراء دورات تدريبية بصورة مستمرة لعمالها تؤكد فيها على موضوع أخلاقيات العمل وسلوكيات العامل . كما إن لمؤسسات المجتمع المدني ، وعلى رأسها الجمعيات التطوعية ، دورها في تعميق القيم الأخلاقية فبالإضافة إلى عملية الضبط الاجتماعي التي تمارسها المؤسسات الحكومية من خلال الأنظمة والقوانين التي تحدد الواجبات والمحظورات ، فإن الوسائل التي تمارسها مؤسسات المجتمع المدني على اختلاف أنواعها من خلال مطالبة أفرادها التمسك بالقيم الأخلاقية النبيلة ، لها أثر واضح في المحافظة على السلوك الايجابي للأفراد والحد من انحرافهم 0 ذلك أن الضبط الحكومي غير كاف في ظل ثقافة المنفعة التي تسود مجتمعاتنا العربية .
من هنا نرى ضرورة التوجه إلى ثقافة المجتمع وإعادة شحنها بما يفعل القيم الايجابية الكامنة فيها ، التي تتماشى وروح العصر ، ولا شك أن لعناصر المجتمع المدني – نقابات – جمعيات –منظمات دورا رئيسا في ذلك ، من خلال تطوير برامجها الثقافية وتحسين قدراتها التنظيمية من جهة والارتقاء بسلوكيات أعضائها من جهة أخرى. ولا ننسى أن دور قيادات المجتمع المحلي في تكريس مفهوم أخلاقيا ت العمل يتجلى من خلال سلوكياتهم الخاصة ، باعتبار أن المرؤوس ينظر إلى رئيسه على أنه القدوة والمثل
فإذا كان على الرئيس أن يتعامل مع مرؤوسيه بلطف وأن يحسن الظن بهم 0 ويعي أهمية تقسيم الأدوار وتنظيمها ، في تحسين شروط العمل ، فإن على العامل أن يقبل بنصيحة رئيسه ويحسن التعامل مع زملائه ويحرص على إتقان عمله ويتذكر أن عدم إطاعة رئيسه بلا سبب يفشل المشاريع حتى الناجحة منها 0

هايل القنطار