المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العربية في يومها العالمي



bode
11-Aug-2007, 10:35
ذكرنا في غير مناسبة أن روسيا والبلدان التي تنضوي فيما كان يعرف بـ «الاتحاد السوفيتي« ولاسيما الإسلامية منها، هذه البلدان مجتمعة هي من أكثر أقطار العالم التي يتميز المهتمون باللغة العربية فيها من غير العرب بالقدرة المدهشة على نطقها بإتقان باهر على نحو ربما يفوق ناطقيها الأجانب من كل أقطار العالم الأخرى.

والواقع ان هذه الخاصية التي يتميز بها ناطقو العربية في بلدان الاتحاد السوفيتي السابق لم تتولد من فراغ أو لضربة حظ لازب، بل هي نتاج جذور تراثية وتاريخية عريقة لوجود العربية في هذه الأقطار السوفيتية السابقة، فضلا عن عراقة الاهتمام بما بات يعرف بالاستعراب. فالاستعراب، كما هو معروف، هو يفترق عن الاستشراق بأنه جزء منه وليس مماثلا له، فإذا كان الاستشراق هو الذي يطلق على المهتمين الأجانب بدراسة المجتمعات والبلدان الشرقية دراسة مكثفة من مختلف الوجوه السياسية والاجتماعية والتاريخية والثقافية والنفسية.. الخ، فإن الاستعراب يُعنى أساسا باللغة العربية ويتبحر في دراسة تاريخها وخواصها وتطورها. ويمكن القول إن الاستعراب السوفيتي من أعرق علم الاستعراب العالمي إن لم يكن أعرقه.

ويعد البروفيسور الراحل اي.يو. كراجكوفسكي هو شيخ ومؤسس مدرسة الاستعراب السوفيتية وهو يحظى بتقدير كبير من قبل المستشرقين والمستعربين السوفيت. ومع ان القرن التاسع عشر الميلادي يعد القرن الذي شهد بدايات الاستعراب العلمي في روسيا إلا أن النصف الأول من القرن العشرين وتحديدا الفترة الممتدة من ثورة أكتوبر 1917 الاشتراكية حتى أواخر أربعينيات القرن هي المرحلة الذهبية التي شهدت قفزة في تطور الاستعراب الروسي أو السوفيتي عامة، وذلك من حيث إرساء تقاليده وقواعده المنهجية المميزة المستقلة.

وشارك في هذا التطوير علماء مستشرقون ومستعربون من روسيا وأوكرانيا وآسيا الوسطى والقفقاس، فضلا عن جمهوريات سوفيتية أخرى. وقد أثمرت هذه البحوث والاهتمامات والتنقيبات الاستعرابية خلال تلك المرحلة عن اكتشافين مهمين: الأول: التوصل إلى وجود لهجات عربية غير معروفة سابقا في أقطار آسيا الوسطى. الثاني: وجود أشكال من الأدب العربي المميز في القفقاس الشمالي. وفي دراسة للمستعرب كراجكوفسكي تحت عنوان «الثقافة العربية في القفقاس« يؤكد: ما من أي قطر غير عربي يوجد فيه أدب محلي ارتبط بالعربية كما في القفقاس الشمالي، وتحديدا في داغستان، وعلى الأخص مناطق الانجوش والافاريين. ويضيف: في هذه الأماكن ليس صعبا أن تلتقي مثقفين لا يمتلكون ناصية اللغة العربية فحسب، بل ويلمون جيدا بقواعد العروض والأساليب التقليدية للشعر العربي الكلاسيكي، ويستنبطون أنماطه في أعمالهم الأدبية.

إن معرفة الداغستانيين الفائقة باللغة العربية وقدرتهم المميزة على النطق بها أدهش العرب أنفسهم ممن التقى بعضهم ببعض هؤلاء الداغستانيين. وهذا ما عبر عنه أحد مؤلفي أحد المعاجم اليمنيين العرب لدى زيارة داغستاني يبحث عن هذا المعجم في اليمن، وقد التقاه المؤلف وحادثه في أواخر القرن الـ 18م: «إني لم أر ضريبا له في إحسان التعبير البليغ، وإتقان اللغة الفصحى، وتجنب السوقية والابتذال في الحديث، والتلفظ الرائع«، وعندما سمع الداغستاني هذا الإطراء الذي خصه به محدثه اليمني اجتاحته موجة من الغبطة والفرح وسرت في أوصاله رعدة على حد تعبير كراجكوفسكي.

رضي السماك

bode
26-Oct-2007, 01:35
هل حقا يعي المسؤولون الكبار والصغار في دول مجلس التعاون حجم وفداحة الخطرين المفجعين اللذين سيأتي بهما المستقبل غير البعيد بالنسبة لعروبة مجتمعات دولهم؟

فالخطر الأول المتمثل في عمالة أجنبية، غير عربية، تتدفق بأعداد ضخمة، ثم تتوالد، ثم تستقر، ثم تصبح مشكلة اجتماعية وأمنية وسياسية فقد نوقش من قبل الكثير من الجهات الرسمية والمنابر، وصدرت بشأنه الكثير من التوصيات التي لم تنفذ في كثير من الحالات علي أي حال، وهو حديث ذو شجون سنتركه لمناسبة أخري.

أما الخطر الثاني المتمثل في التراجع المتنامي المقلق لوعاء الثقافة العربية، ونعني به وعاء اللغة العربية، فإنه لم ينل نصيباً كافيا من الاهتمام يوازي حجمه ويراعي محوريته في المحافظة علي هوية ساكني هذه المجتمعات. ذلك أن اللغة العربية هي وعاء الثقافة العربية، فإذا ضعفت اللغة ضمرت الثقافة التي بدونها تذوي وتذبل حيوية إنسانية المجتمعات، يتجلي هذا الخطر في الآتي:

أولا: يشهد الجميع بأن الطلبة الخريجين، وعلي الأخص خريجي المدارس الخاصة، يعانون من ضعف شديد في لغتهم العربية الفصحي سواء علي مستوي التحدث أو القراءة أو الكتابة، وبسبب من ذلك يبتعد هؤلاء بعد تخرجهم عن التواصل مع مصادر الثقافة العربية الفكرية والأدبية والعلمية الرصينة، فهؤلاء لا يستطيعون قراءة وفهم القرآن الكريم أو الشعر العربي أو كتابات مؤلفين من أمثال الكواكبي أو طه حسين أو جبران خليل جبران أو محمد عابد الجابري علي سبيل المثال لا الحصر وشيئا فشيئا تقتصر قراءاتهم علي الصحف إذا حدثت والمجلات التي تستعمل اللغة المبسطة والتي لا تربطهم بالنتاج الفكري والعلمي العميق في ثقافة أمتهم، ومع الوقت يتخلي هؤلاء حتي عن ذلك لتقتصر قراءاتهم علي الصحف والمجلات الأجنبية.

ثانيا: ذلك أن الثنائية اللسانية بالنسبة لهؤلاء الطلبة، أي تعلمهم للغة أو لغات أجنبية بالاضافة للغتهم الأم، بدأت تميل أكثر فأكثر لصالح اللغات الأجنبية علي حساب اللغة القومية، ان متطلبات العولمة الاقتصادية التي جعلت الشركات الاجنبية الدولية مهيمنة في الأسواق العربية والتي تتطلب الاستعمال الكثيف للغة الاجنبية وما يرتبط بها من كمبيوتر وانترنت اقنعت أهالي الطلبة والطلبة أنفسهم بإعطاء أفضلية لتعلم علي الأخص اللغة الانجليزية، ووضع كل شيء آخر في هامش الحياة التربوية والتعليمية، هنا تبدأ المشكلة الكبري، ذلك أن العقل أداة للتفكير واللسان العربي مرتبط كأداة للتعبير فاذا ضعفت هذه الأداة تم التفكير بلغة أخري وسقط الفرد تحت هيمنة وقوة أصحاب تلك اللغة الأخري، أي سقط الفرد تحت هيمنة ثقافة الآخرين، ومنذ زمن طويل إنتبه ابن خلدون لظاهرة الارتباط القوي بين هيمنة اللغة والهيمنة السياسية.

فهيمنة اللغة الانجليزية لن تعني هيمنة أداة اتصال محايدة، بل ستعني هيمنة تفكير وهوية وولاء عاطفي، ثم ولاء سياسي، لأصحاب تلك اللغة، ولقد بدأنا نشاهد جيلاً يفهم قضية فلسطين ومأساة إحتلال العراق وتخلف أمته الاقتصادي والاجتماعي من خلال مشاهدته لمحطات فضائياتهم ومن خلال قراءته لكتبهم. إن ضعف لسان هذا الجيل، لغة وكلاماً، سيحمل كارثة ثقافية، والتي ستتبعها كارثة سياسية في المستقبل المنظور.

ثالثا: ان ثنائية اللغة العربية الفصحي واللهجة العربية المحكية لن تعصم هذا الجيل من الاخطار التي ذكرنا، فالتكلم باللهجات المحلية سيبقي عند هؤلاء القدرة علي التفاهم اليومي مع مجتمعاتهم، ولكنه لن يكون كافيا لربطهم الوثيق بمنابع ثقافتهم الاساسية، فهذه في مجملها مكتوبة ومحكية باللغة العربية الفصحي التي يضحي بها الآن على مذابح مختلف الادعاءات في عوالم المال والاقتصاد.

في إعتقادي أن حل مشكلة اللغة العربية كأداة تواصل وثقافة في نفس الوقت ليس بالصعب، انه يحتاج الي إرادة سياسية وقرارات تنظيمية تضع اللغة العربية الفصحي في قلب الحياة اليومية للفرد العربي، يستطيع القادة في دول مجلس التعاون أن يتغنوا ما شاءوا بكلمات الاصالة والتراث والأجداد والعادات، لكن كل ذلك سيصبح هباء منثوراً إن ماتت اللغة العربية الفصحي.
د. علي محمد فخرو

bode
06-Nov-2007, 02:36
بقلم : محمد كمال ..من المعروف بديهيا أن لغتنا معشر العرب هي اللغة العربية لغة القرآن، فلقد شرفنا الله سبحانه وتعالي بأن أنزل القرآن بلغة العرب ألا وهي اللغة العربية، وهذا فخر لنا جميعا، ولقد قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: علموا العربية فإنها تزيد في العقل والمروءة ، كما كتب رضي الله عنه إلي أبي موسي الأشعري: مر من قبلك بتعلم العربية فإنها تدل علي صواب الكلام وكذلك قال الإمام الشافعي رحمه الله: لسان العرب أوسع الألسنة مذهبا وأكثرهم ألفاظا ، وقال أيضا الخوارزمي وهو فارسي الأصل: والله لأن أهجي بالعربية خير لي من أن أمدح بالفارسية .

واللغة العربية تعد من أغني اللغات بالمفردات وهذا يتيح للمتحدث بها أن يعبر عن كل ما يجول بخاطره بسهولة.

وإذا نظرنا إلي حال الدول العربية مع اللغة العربية نجد أنه حدث انحدار كبير في استخدامها وأصبحت اللغة العامية المختلطة باللغة الأجنبية هي السائدة، فتجد في الجزائر والمغرب وتونس غلبة الفرنسية علي العربية، بل تجد من لا يتحدث إلا الفرنسية فقط وقليل من بقايا اللغة العربية.

وبالنظر إلي دولة ... نجد أن اللغة العربية فيها تأثرت كثيرا ودخلت عليها مصطلحات لم تكن موجودة من قبل وذلك بسبب تدفق العمالة الأجنبية من غير العرب، حيث تجد بعض الكلمات أصبحت متداولة بشكل أساسي من العرب أنفسهم مثل كلمة سيدا وغيرها من الألفاظ الدخيلة علي العرب، وكذلك الأمر أصبحت اللغة الانجليزية هي اللغة الأولي في المعاملات تليها اللغة العربية وهذا شيء مؤسف وخطر يهدد لغتنا بالاندثار وطمس هويتنا.

وقد يقول قائل السبب في ذلك هو أن ... بلد مفتوح وبه عدد كبير من الشركات الاستثمارية من أجناس مختلفة، وهذا يحتم علينا استعمال لغة واحدة وهي اللغة الانجليزية، وأرد عليه وأقول له كلامك صحيح ولكن ما الذي فعلناه لكي نحافظ علي لغتنا من هذا الغزو؟ لماذا لا يتعلمون لغتنا كما نتعلم نحن لغتهم؟ وأقول لك إذا أردت أن تنشيء شركة في بريطانيا مثلا..

هل تعاملاتك هناك ستكون باللغة العربية أم بالانجليزية؟ بالطبع ينبغي عليك أن تتعلم الانجليزية وهم لن يتعاملوا معك إلا بلغتهم وهذا علي العكس منا نحن هنا، فتجد أن كلا منا يتفاخر بأنه ينطق بلغة غير العربية ونستعمل الألفاظ الأجنبية ليس مع الأجنبي فحسب بل نستعملها مع بعضنا نحن العرب فأغلب الشباب الآن إن سألته عن قواعد اللغة البسيطة فإنه لا يعلم عنها شيئاً.

وأيضا تجد في بعض البيوت العربية ذات المستوي الرفيع التعاملات تتم فيما بين أفراد الأسرة بلغة غير العربية ويفاخرون بذلك ونسوا أن هذا يعد عيباً كبيراً في حقهم حيث إنه كما تعتز بعروبتك يجب أن تعتز بلغتك، ولغتك هي مقياس لقوتك، فلقد كان في الماضي اللغة العربية هي الشائعة عالميا، وكان كل الباحثين من مشارق الأرض ومغاربها لكي يقوم أحد منهم بالدراسة في مجال ما من المجالات فكان عليه أن يتعلم العربية، أما الآن حدث العكس نحن العرب لكي نتم الدراسة في مجال ما من المجالات يجب علينا تعلم لغة غير لغتنا، وهذا له دلالة خطيرة سأتركك أيها القاريء لأن تستنتجها.

وكلامي هذا ليس معناه ألا نتعلم اللغات الأخري بل علي العكس فلقد حث النبي الصحابة علي تعلم اللغات الأخري، ولكن ليس معني ذلك هو أن تحل هذه اللغات محل لغتنا الأم في تعاملاتنا مع أبنائنا وأهلنا وأصدقائنا بدعوي التقدم.

إذن يجب علينا معشر العرب أن نحافظ علي هويتنا ولغتنا الأم لغة القرآن مع تعلم اللغات الأخري بقصد التعامل بها من أجل انجاز المصالح لا من أجل أن تصبح هي لغتنا التي نتعامل بها مع بعضنا. أتمني أن تكون الفكرة قد وضحت.

bode
20-Feb-2008, 12:17
العربية في يومها العالمي


نحتفل غداً الحادي والعشرون من فبراير باليوم العالمي للغة العربية، فكثير من المدارس في الدولة- وقد يكون في دول عربية أخرى- تنظم محاضرات عامّة أو ندوات أو بعض الأنشطة المناسبة لطلبة المدارس احتفالا بهذا اليوم، وتعبيرا عن تقدير اللغة العربية والاعتزاز بها، وكذلك قد تفعل بعض المؤسسات والجهات المعنية بالثقافة والأنشطة ذات العلاقة.

وإنّه لشيء جميل حقا أن يأتي علينا يوم في كل سنة نخصصه للغتنا القومية، فنحتفل بها ونحتفي، وإنه لشيء جميل أيضا أن تتاح الفرصة لأطفالنا الصغار أن ينخرطوا في أنشطة بسيطة ممتعة يعبرون بها عن حبّهم للغتهم وارتباطهم بها، وأن يجتمع الشباب منهم أو الشابات في لقاء يتحدث فيه إليهم بعض المختصين أو المثقفين عن لغتهم، وعلاقتها الجوهرية بهويتهم وكيانهم وتاريخهم وتراثهم ومستقبلهم. فهذا كله مما يجدد الإحساس بالرابط المتين بين المرء ولغته،.
ومما يربي الأجيال على الوعي بأهمية اللغة في حياتهم، ودورها الفاعل في تعزيز انتمائهم إلى أمتهم ودينهم، وأثرها العميق في إغناء فكرهم وتوسيع معارفهم.

على أنّ الاحتفال بيوم اللغة العربية يجب أن يتجاوز مثل هذه الأنشطة التي لا تعدو أن تكون شكلية في الغالب، فهي في أحسن أحوالها لا تتجاوز ساعة من نهار تقضى في الكلمات الاحتفالية المشحونة بالانفعالات والبكاء على الماضي، ثم يعود الحال على ما كان عليه، ولا نحتاج هنا أن نذكر بهذا الحال وتجلياته في واقعنا اليومي، فهو مما لا يجهله أحد، ولا ينكره أي واع حصيف.

فهل نعفي أنفسنا من تحمّل مسؤولية لغتنا حين ننظم لها احتفالا في يوم من أيام السنة؟

وهل نكون بذلك قد أدينا ما علينا تجاهها وتجاه الأجيال القادمة من أبنائها؟ أم أننا في هذا اليوم نكتشف عظم تقصيرنا في حقها، وتواضع جهودنا المبذولة في خدمتها وفي تسخير الطاقات والعلوم لتيسير تعلمها وتوظيفها التوظيف الفاعل في حياتنا مقارنة بجهود الأمم الأخرى وما تبذله من غال ورخيص في سبيل تمكين لغتها وتحقيق السيادة لها بين أبنائها وحول العالم كله؟

يحق لنا ونحن نحتفل باللغة العربية أن نسأل سؤال الحريص المحب:

ماذا فعلنا لها لنحتفل بها؟

وما الإنجازات المادية الملموسة التي أنجزناها في خدمتها؟

وما المشاريع العلمية الكبيرة (أو الصغيرة) التي قطعنا فيها أشواطا، وحققنا فيها نتائج حقيقية تضع العربية بين يدي المتعلمين والباحثين صغارا وكبارا في هيئة تخرجها عن النمطية والجمود والتقليد؟

وكم عدد البحوث العلمية الجادة التي أنجزت في حقل العلوم اللغوية لخدمة العربية والانتقال بها إلى مصافّ اللغات العالمية في مجال الحوسبة ودمج التقنية الحديثة في تهيئة العربية للدارسين والمتخصصين؟

وكم عدد المشكلات أو الصعوبات التي استطعنا أن نحلها ونتجاوزها في مجال تعليم اللغة العربية لأبنائها أو للناطقين بغيرها؟

وهل حال العربية اليوم في مجال التعليم أو الإعلام أو غيرهما من المجالات أفضل من حالها بالأمس؟

الأسئلة كثيرة لا عدّ لها ولا حصر، ويكاد الجواب يكون واحدا؛ فاللغة العربية وعلى الرغم من ذلك فإنّ العربية لم تعدم من يحمل همّها، ومن يعمل بصدق وإخلاص لخدمتها وتعزيز مكانتها وتسخير العلوم الحديثة من أجل تقديمها لطالبيها والباحثين بها تقديما يليق بمكانتها ويستجيب لمتطلبات العصر في أيامنا هذه.

ولا أقصد هنا أولئك المدّعين الذين احترفوا الكلام، واتخذوا من اللغة العربية وسيلة للمجاملات، ومطية لتحقيق مآربهم الشخصية ومصالحهم الضيقة، فهؤلاء غثاء كغثاء السيل، تنوء العربية بهم، ولا تحظى منهم بشيء. ولكني أقصد أولئك العلماء الذين يعملون بجد وإخلاص متسلحين بعلمهم الغزير وانفتاحهم على معطيات العصر، وحبهم الكبير للغتهم، وإحساسهم بالمسؤولية تجاهها، متحلين بالصبر والمثابرة والإصرار، رغم ضآلة الموارد وقلة الدعم المادي والمعنوي من الجهات الرسمية وغير الرسمية، الذي يشير إشارة صريحة إلى تناقض المواقف، وتباعد الفعل عن القول، فما أسهل الكلام علينا نحن العرب! وما أصعب الأفعال والإنجاز!

فالمشاريع العلمية التي تؤسس لخدمة اللغة العربية تعاني الكثير من التجاهل وعدم الاهتمام، فتسير سيرا متعثرا، وقد تعطّل تماما، وقد يتوقف العمل بها لسنوات، ثم يستأنف وقد جدّ جديد، واستحدثت أمور، فيصير لزاما على القائمين عليها أن يعيدوا النظر في مسائل كثيرة، من أجل تعديلها وتحسينها لتتماشى مع ما جدّ، وتستجيب لما استحدث، وهكذا تهدر سنوات وجهود، ونظل نراوح مكاننا، ثم نلقي باللائمة على لغتنا، ونكثر من القول فيها، وهي لا تعدو أن تكون لغة كغيرها من اللغات، فالعلة ليست فيها، بل في أهلها ومن يُسمّون باسمها.

وأذكر هنا مشروع المعجم التاريخي للغة العربية، وهو مشروع لغوي حضاري أساسي مهم، ومع ذلك فإنّ السنوات الطوال تمرّ السنة تلو الأخرى، وهذا المشروع لم ير النور حتى يومنا هذا، ولا أكون مبالغة إذا قلت إنّ أهم سبب وراء تعثره هو غياب الدعم المادي المستمر، وغياب التنسيق الحقيقي الذي يضع المصلحة العامة فوق كل المصالح.

ويأتي مشروع «الذخيرة العربية» الذي يرأسه الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح من الجزائر في مقدمة المشاريع العلمية الواعدة، وهو مشروع يؤسس لبنك معلومات آلي يضم إنتاج الفكر العربي القديم والحديث، ويواكب الإنتاج العلمي العالمي، ولا يهمل، بالإضافة إلى ذلك، المعلومات التي يحتاجها طلبة المدارس والجامعات على اختلاف مادة بحثهم وتفاوت مستواها.

ولعل مشروع الذخيرة اللغوية يعد حجر الأساس في إنجاز المعجم التاريخي، إلى جانب دوره في نشر العلوم باللغة العربية، وتسهيل البحث بها، واختصار الوقت والجهد للحصول على المعلومات.

فهل سنحتفل السنة القادمة باللغة العربية وقد بدأت تباشير هذا المشروع تطل علينا فيكون احتفاؤنا بها حقيقيا ملموسا لا خطبا فارغة لا تغني ولا تسمن من جوع؟

لطيفة النجار

bode
27-Mar-2008, 10:37
غربة في الوطن



لا أخفيكم سراً بأن الغربة بدأت تدب وتسير في أوصالي مسرى الدم في العروق، لم أكن في يوم من الأيام أظن أن تلك الغربة التي تتصف بتلك الصفات القاسية ستتمكن مني ولكنها قد تمكنت في الفترة الأخيرة وأخذت لها تلة في القلب تشرف على باقي الهمسات والخواطر.

مناسبة حديثي المحزن المبكي المتحسر الضائع التائه المتخبط العشوائي، قولوا عنه ما شئتم وانعتوه بما شئتم من صفات التيه والحسرة هو ما حل بلغتنا الأم اللغة العربية، ما هذا الواقع المؤلم والشنيع الذي نحياه، صحيح أن الحديث حول هذا الموضوع ليس بجديد.

بل هو طرح متجدد لمجموعة من عقلاء هذا الوطن باتوا يستشعرون بخطره وتمكنه وباتوا ينادون بأعلى أصواتهم كيف للغة أجنبية تحل محل اللغة العربية الأم، لغة القرآن والسنة، لغة العقيدة والفقه.

لغة التاريخ والتراث، لغة الآباء والأجداد، لغة الهوية والحضارة، لغة التفكير والحديث، كيف لنا أن نرضى بتبديل جلودنا، كيف لنا أن نرضى بتشويه هويتنا، كيف لنا أن نرضى بازدواج شخصيتنا، كيف لنا أن نرضى ونرضى ونرضى!

سؤال مهم ومحوري ورئيسي ما هو الهدف الأساسي والرئيسي لاستبدال اللغة العربية باللغة الأجنبية، هل القوم قد ألموا بتفاصيل العربية اللغوية والصرفية والنحوية والتعبيرية وكتبوا علومهم وحفظوها ووثقوها حتى ينتقلوا لاستخدام لغة أجنبية! الإجابة بالطبع لا ولا ولا.

فالقوم ما زالوا لا يفقهون من أسرار اللغة وتاريخهم وجغرافيتهم وموروثهم الشفهي والمرئي والسمعي ما يؤهلهم للانتقال إلى لغة أخرى، فأنا مقتنعة أشد الاقتناع ومؤمنة بأن القوم لو كانوا قد ألموا بلغتهم وبعلومها وتاريخها لتمسكوا بها أشد التمسك ودافعوا عن حماها ضد كل مستعمر داخليا كان أم خارجيا.

أعتذر لكم قرائي الأعزاء، فقد نسيت سبب حديثي وأخذتني العزة بالحزن الشديد الذي انتابني أثناء زيارتي لأحد المراكز البحثية والذي يفترض بأنه معني بالدرجة الأولى بجمع و توثيق تاريخ دولة الإمارات من جميع المصادر التاريخية.

فهذا المركز العريق سواء بقدم فترة تأسيسه أو بأهمية الدور المناط به، قد أقر استخدام اللغة الإنجليزية في معظم برامجه وأنشطته الإعلامية والثقافية، وعندما تسأل لماذا هذه السياسة اللغوية في التحول من العربية إلى الأجنبية في مركز يفترض منه هو من يسعى للمحافظة على العربية وإقرارها كلغة رئيسية في جميع أنشطته.

يجاب بأن جزءاً كبيراً من الجمهور المتردد على هذه الأنشطة هم من الأجانب، ولو كان الجمهور أجنبي في معظمه فهذا ليس مبررا أبداً باستخدام اللغة الأجنبية، وإنما من المفترض إقرار اللغة العربية باعتبارها لغة الدولة والوطن والمواطنين الرسمية واستخدام تقنيات الترجمة المختلفة.

لم يكن الغربي يعنيه في يوم من الأيام تطوير منطقتنا ولا يهمه ذلك، فالغربي لا يتحرك إلا في نطاق مصالحه فقط، وما تمليه عليه الظروف الإقليمية والدولية، وفي الوجود البريطاني في المنطقة عبر القرون الطويلة التي مكثها لخير دليل على ذلك، فعلى الرغم من وجود بريطانيا منذ القرن الثامن عشر في المنطقة.

إلا إنها لم تلتفت لتوفير أدنى مسؤوليات المستعمر إزاء مستعمراته، على الأقل افتتاح مدرسة أو مستوصف أو رصف طريق أو حفر بئر، لم تلتفت للمنطقة إلا بعد الحرب العالمية الثانية أي بعد اكتشاف النفط الذي أصبح عصب الحياة الاقتصادية في أوروبا الصناعية فخشيت من المنافسة الإقليمية لمصالحها في المنطقة، فاهتمت بالمنطقة وجاء الاهتمام بالطبع سطحيا وبسيطا وقائما في الأساس على توفير الاحتياجات الأساسية للشركات النفطية.

فلولا هذه الشركات لن تفعل بريطانيا أي شيء يذكر في مجال التنمية، ولولا كذلك حركات المد القومي العربي التي انطلقت من مصر بعد ثورة يوليو عام 1952 وبعثات جامعة الدول العربية التي وفدت على المنطقة منذ عام 1963 حاملة معها برامج المساعدات المختلفة في مجال التعليم والصحة ورصف الطرق، لتنتشل المنطقة من الواقع المتخلف والكئيب الذي تعيشه، فلولا هذا المد القومي العروبي ولولا ظهور النفط ولولا إرادة حكام المنطقة المخلصين وأهلها لظلت المنطقة على ما هي عليه.

وعلى الرغم من أن هذا الموقف الذي أحزنني كثيرا وأثار لدي ما أثاره من حزن على واقع لغتنا وهويتنا، قد وقع قبل إصدار القرار السامي من قبل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي حفظه الله باعتماد اللغة العربية كلغة رسمية في جميع المؤسسات والهيئات الاتحادية في كافة إمارات الدولة.


إلا أن بصدور القرار قد أثلج سموه صدورنا برد الاعتبار للغة العربية، ولكن لا بد أن يصاحب هذا القرار مشروع وطني يبدأ من الأسرة أولاً التي يجب أن تحرص على تعليم أبنائها باللغة العربية وتنشئتهم تنشئة وطنية صحيحة، فأكثر ما استغرب منه تهافت الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم باللغة الإنجليزية وحرصهم الشديد على اختيار المدرسة ذات المنهاج الغربي الصرف.

فالأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع إذا صلحت صلح المجتمع كله، كذلك يجب على جميع المؤسسات الحكومية ابتداء من المؤسسات التعليمية إقرار اللغة العربية كلغة رسمية وأساسية في المعاملات.

كما يجب على المؤسسات الثقافية إعادة الاعتبار للغة العربية فهي المعنية أكثر من غيرها بالحفاظ على اللغة وتفعيلها ونشر حملات توعية للمجتمع بأهمية اللغة العربية، فهذه المؤسسات هي المنابع الفكرية التي لا بد أن يشع نورها ليشمل جميع أطياف المجتمع، لا أن تعتمد على اللغة الإنجليزية كلغة أساسية كما يفعل كثير منها.

تحية لكم أيها الصامدون في وجه رياح الغربة العاتية التي تحاول جاهدة اقتلاعنا من أماكننا لتزرع أشباه بشر تتنازعهم ازدواج الهوية وتضاربها، أقولها والعبرات تلملم خيوط الغربة والحزن على ما أحل بنا، تحية لك أيها الكاتب الوطني الغيور على هويتك وحضارتك، تحية لكي أيتها الكاتبة الوطنية التي تنادي بأعلى صوتها خوفاً على لغتها وهويتها.

أخيراً يبقى صوت المجتمع وضميره ليعلن عن رأيه حول هذا الموضوع هل سيفعل من لغته أم انه سيمارس دور الغريب التائه المتخبط ؟

بقلم :فاطمة مسعود المنصوري