المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرّواية العالميّة تودّع واحِداً من آبائِها العظام



bode
19-Feb-2008, 11:22
الرّواية العالميّة تودّع واحِداً من آبائِها العظام


الكاتب الفرنسي ألن روب-غريّيه اعْتُبِر"أب الرّواية الجديدة"، وغيّرتْ رِوايَتُه المجْرى الثّابت

قضى الكاتب ألن روب – غرييه في سنّ الخامسة والثّمانين ليلة الأحد- الإثنين 17/18فبراير في المستشفى الجامعي بمدينة كين بعد أن عانى مشكلاتٍ في القلب. وقد اعتبر ألن واحِداً ممّن أثّروا في النّصف الثّاني من القرن العشرين، وشكّلوا ملاحمه الثقافيّة والأدبيّة.

ولهذا فهو وجْهٌ بازغٌ ومعروفٌ في الْخَارِج أكثر منْه في فرنسا موطِنه الْأَصلي الّذي لمْ يكُنْ محْبوباً بِها لمزاجِه المتهكّم والصّداميّ رغْم المسْحة الّتي كان يضفيها عليه كرَجُل غيُورٍ مَثارَ إعْجابٍ وجدَل و، أيْضاً، محطّ احْتِرام كبيرِ بسببِ حيويّته الثّقافية الّتي لم تكلّ حتّى وهو طاعِنٌ في السنّ إذْ ظَهَر لهُ في خريف 2007كِتابه"رِواية عَاطِفيّة"، بعد عمَله السينمائي "إنّها غارديفا الّتي تناديكُمْ"في عام 2006، وحِواراته الإذاعيّة "مدخل إلى حياة كاتِب" في عام2005.

وكانَ روب-غريّيه زعيمَ مدرسةٍ بطبيعةِ الْحَال وهو الّذي ما فتئ يدافِع عنْ عناقاتِه الجماليّة بقوّة، ويتصدّى لشرْحِها والتّنْظير لَها، مثلما ذاع ذلك في "الرّواية الجديدة"الّتي ارتبطَت اسْمِه، وأدْركها كأسلوبٍ وطريقةٍ جاءتْ ردّاً عنيفاً ضدّ الْأَدَب السّهل الّذي اسْتَهلك نفْسَه، وقْتئِذٍ. وتعلّم من تكْوينه كمهنْدس زِراعيّ أنّ في الْفنّ كما في الْعِلْم ثمّة تقدُّم، وأنّ الْحَقائق الْجَديدة تفْرِض نفْسِها حينَ تُصْبح الْقَديمة عاجِزة.

وعِنْدما بدأ الْكِتابة مِن غيْر نيّة في أنْ يصير كاتِباً بدأ يلْفت إليْه مُعاصِروه، وجلبتْ لهُ الشّهْرة رِوايتاهُ الْأُوليَان "الْمَماحي 1953 "الّتي تحمّس لَها جيروم ليندون، ودافع عنْها برغْم ما أثارتْه من خِلاف بخصوص بنائِها، و"الرّائي1955"الّتي حصلتْ عَلى جائِزة النقّاد بفضْل جورج باتاي، وجون بولهان، وموريس بلانشو الّذي تصدّى من الْأَوائِل لدعْم الْكاتِب إلى جانِب جورج لامبريش ورولان بارت. لكنّ رِوايتَه"الغَيْرة" هي الّتي سرقت الأضْواء، ووضعتْ صاحِبَها في مصافّ كِبار الرّوائيّين ليْس في فرنْسا فحسْب، بلْ خارجَها أيْضاً.

لقد خرقتْ "الغَيْرة"، الرّواية البطيئة والملغزة والمحيِّرة، والّتي لا تُقْرأ إلّا بعْد تفكير، والتّجريبيّة في كلّ الْأَحْوال، ومن ثمّة الْأَكْثر تعْليقاً، قواعِد الكِتابة الرّوائيّة إذ لا حدث، ولا حبْكة والشّخْصيّات في متاهة داخل النصّ.

لقد كان روب-غريّيه، في رِواياتِه، يُدافِع عن تصوّره الجديد والمختلف للرّواية الجديدة كاتّجاهٍ أدبيّ يرْفض شكْل الكِتابة التّقْليدي، ويدحض كثيراً من الخصائص مثْل خطِّيّة الحبْكة، والتّعاقب الزّمني الحكْي، والكثافة النّفْسية للشّخصيات. وفي ضوء ذلك، صارت الرّواية الجديدة تُؤْثِر التّخْييل على الرّؤْية. وفي دِراستِه"من أجْل رواية جديدة"(1963) يُبلْوِر ألان روب-غريّي نظريّته. تحْت تأثيره أوْ بالتّجاوُب معه، ينخرط عددٌ من كُتّاب الرّواية أمثال مارغريت دوراس، وكلود أوليي، وناتالي ساروت وكلود سيمون في الإتّجاه الجديد الّذي تعدّتْ شُهْرتُه فرنسا.

وفي مُقامِه الأمريكي، يتوجّه نحْو جماليّات"البوب أرت" الّتي تظْهر أكثر في كتاباتِه الأطوبيوغرافية الإستيهاميّة ذات البعد الإيروتيكي-التّصويري بِدايةً من روايتيه"منزل الموْعد"(1965)، و"مشروع للثّورة في نيويورك"(1970). وفي نصوصِه الْأَخيرة، بدا ألن روب-غرييه يعود إلى الكِتابة الرّوائيّة، الكلاسيكيّة أكثر.

لكنّ كاتِباً مثْله مُغامِراً، ومُنْفتِحاً، ومؤْمِناً بقناعاتِه الجماليّة والْعَمل على إشاعتِها سوْف يتوجّه إلى السّينِما الّتي كانت دائرةُ جمهورها في اتّساع مطّرد فيكْتب، في خضمّ"الموجة الجديدة"، سيناريو فيلم"السّنة الأخيرة في ماريانباد "الّذي نال الأسد الذّهبي بالبندقيّة في عام1963، وبعد عاميْن فيلم "الخالِد" الّذي أخْرَجه هو نفْسه، وفي عام 1983"الأسيرة الحسناء". وفي كلّ أفْلامه التي تربو على العشرة كان يخْلق لدى الجمهور"انتباهاً" خاصّاً.

وفي 17مارس2004، تمّ انْتِخابُه للْأكَاديميّة الفرنسيّة في كرسيّ موريس ريمس، لكن وفاءً لفِكْره المتمرّد رفض أن يرتدي البدْلة، وأن يُلْقي خِطابَه تحت الْقُبّة لأنّه رأى أنّ هذا التّقليد قدّ تجُووِز.

برحيل ألن روب-غريّيه(18آب (اغسطس)1922 / 18 شباط (فبراير) 2008) تفقد الرّواية العالميّة واحِداً من آبائِها العِظام، الّذي ثارَ على تقاليد الجنس الرّوائي، وغيّر مجْراه الثّابت. ولنْ تشْغل صُوَرُه الصّفحات الثّقافية لكُبْريات الصّحف والمجلّات لأيّامٍ وأسابيع تنْعيه إلى قرّائِه المنْتشِرين في المعمور فحسْب، بلْ سوْف تبقى صورَتُه ككاتِبٍ إشْكاليّ راسِخة في ذاكِرة الأدب والرّواية العالمِييْن لسنواتٍ طِوال إلى جانِب إخْوتِه الإشْكاليّين سِرفانتيس وبورخيس وبروست ونجيب محفوظ وهمنغواي، تمثيلاً لا حصْراً.

إيلاف