المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حول خطاب الثقافة العراقية



bode
15-Oct-2007, 11:30
أول محنة من محن الوراقة ببغداد حصلت
إبان الحرب بين الأخوين الأمين والمأمون

http://www.aawsat.com/2007/03/21/images/art.411482.jpg

شارع المتنبي قبل الحادث و بعده

دعونا نتذكر ثقافة الوراقة ببغداد، وهو أعمق نعياً ورثاء لشارعها، ومعلوم أن في اللجوء إلى التاريخ، مع سلبية النوح على الأطلال، قد ينفع في مجابهة الانكسار، لعل التجارب تتكرر، والتفاؤل بالماضي، إزاء واقع الحال، أهون من اللاتفاؤل. يذكر النديم (ت 388 وقيل 438هـ والأول أرجح) سوق الوراقين في جانب الرصافة من بغداد. قال في ترجمة صاحب «كتاب بغداد» أحمد بن أبي طاهر المعروف بابن طيفور (ت 280هـ) «جلس في سوق الوراقين في الجانب الشرقي» (الفهرست).

وجاء في «دليل خارطة بغداد» لأحمد سوسه، ومصطفى جواد «كانت فيها (بغداد) أكثر من مائة حانوت للوراقين». ولعلها السوق المشتبكة مع أسواق البضاعة الأخرى، والممتدة اليوم في سوق الشورجة حتى سوق السراي وشارع المتنبي. ويذكر النديم أيضاً أول محنة من محن الوراقة ببغداد إبان الحرب بين الأخوين الأمين والمأمون، عندما نُهبت الدواوين: «كانت تمحى ويُكتب فيها» (الفهرست). وبعدها أُحرقت على مرأى من الناس، أكثر من مرة، كُتب شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت 460)، وذلك حال دخول السلاجقة بغداد، فاضطر إلى الإقامة بالنجف، وكان ذلك سبباً لتأسيس الحوزة الشيعية عام 448هـ. وحسب ابن الأثير أنه في سنة 510هـ أُحرقت مكتبة المدرسة النظامية ببغداد، لكن الكُتب نجت بأعجوبة. قال: «احترقت خزانة كتب النظامية، وسلمت الكتب. لأن الفقهاء لما أحسوا بنار نقلوها» (المكتبات في الإسلام عن الكامل في التاريخ).

وبعدها كانت كارثة الكُتب إبان الغزو المغولي (656هـ). إلا أن المؤرخين اختلفوا في تقديراتهم، بين مغالٍ قال جرت دجلة بلونين: أحمر من كثرة الدماء وأسود من كثرة المداد. ومن دون ذكر أي رأي آخر ظل المعاصرون يرددون تلك المقولة، مع أنها ليست ثابتة ولا مؤكدة في التاريخ. وجاء في رواية ابن تغرى بردى (ت 873هـ)، وهو من المؤرخين المتأخرين بأكثر من قرنين على الغزو المغولي: «خُربت بغداد الخراب العظيم، وأُحرقت كتب العلم، التي كان بها من سائر العلوم والفنون، التي ما كانت في الدنيا. قيل: إنهم بنوا منها جسراً من الطين والماء عوضاً عن الآجر» (النجوم الزاهرة).

وقد سبقه ابن خلدون (ت 808هـ)، وهو من المتأخرين أيضاً، إلى القول: «ألقيت كُتب العلم، التي كانت بخزائنهم في دجلة، وكانت شيئاً لا يعبر عنه». ويصعب قبول رواية تغير لون ماء دجلة، ولا رواية صناعة جسر من الكُتب. وخلاف ذلك يذكر الفقيه والمؤرخ الحنبلي ابن الفوطي (ت 723هـ) في معجمه «تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب»، أن عالم الفلك الخواجة نصير الدين الطوسي (ت 673هـ)، الذي كان أحد المرافقين لهولاكو مع فقهاء وعلماء آخرين، تكلف بحماية العلماء وحماية المكتبات، فكلف بدوره شارح نهج البلاغة الشافعي ابن أبي الحديد (ت 656هـ) وآخرين بإعادة الكُتب المنهوبة من الخزائن، والتي اشتراها أهل الحلة والكوفة أيام حصار بغداد، قبيل الغزو.

وورد في «الحوادث الجامعة» لمؤلف معاصر للحدث: «كان أهل الحلة والكوفة والمسيب يجلبون إلى بغداد الأطعمة فانتفع الناس بذلك، وكانوا يبتاعون بأثمانها الكتب النفيسة وصفر المطعم». أما كُتب المدرسة المستنصرية فلم يصبها أذى، وظلت المدرسة عاملة حتى القرن العاشر الهجري. إضافة إلى مكتبة المستنصرية (افتتحت العام 631هـ) كان قبيل الغزو المغولي للخواص مكتباتهم، وفي مقدمتها تأتي دار كتب الخليفة المستعصم بالله (قُتل 656هـ). قال أحد الشعراء في يوم افتتاحها: «أنشأ الخليفة للعلوم خزانة.. سارت بسيرة فضله أخبارها». وقيل «شيد (المستعصم) دارين للكتب وراءَها (سوق الرياحين)، وضع فيهما كتبه، ولم يصبها ضرر في الحصار المغولي» (دليل خارطة بغداد).

ومن طريف ما يذكر خازن ونساخ مكتبة المستعصم بالله من الأخير دخل يوماً إلى المكتبة على عادته، فشاهد فتى من الخدم نائماً، وسط هدوء الكتب، متلففاً بالملحفة الخاصة بمقعد الخليفة، فلما شاهده أخذ يتحرك بهدوء حتى لا يوقظه ويفزعه. قال الخازن: «نظرت فإذا هو الخليفة، وهو يستدعيني بالإشارة، ويخفف وطأه فقمت إليه منزعجاً وقبلت الأرض. فقال لي: هذا الخويدم، الذي قد نام حتى تلفف في هذه الملحفة، وصارت رجلاه على المسند متى هجمتُ عليه حتى يستيقظ ويعلم أني شاهدته على هذه الحال تنفطر مرارته من الخوف، فأيقظه أنت برفق فإني سأخرج إلى البستان ثم أعود» (ابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية). ويبدو أن المستعصم بالله كان يقضي جل وقته في خزانة الكُتب، ذلك من الأخبار التي ينقلها المؤرخون حول تواجده فيها، وتسيير الأمور السومية منها.

وإثر مكتبة الخليفة أنشأ وزيره مؤيد الدين بن العلقمي (ت 656هـ) خزانة كتب عظيمة. قال فيها شقيق ابن أبي الحديد: «رأيت الخزانة قد زُينت.. بكتب لها المنظر الهائل» (الحوادث الجامعة). عموماً، ما أُتلف من كتب أثناء الغزو المغولي جاء في حوادث الحرب، وسقوط الدولة، وانعدام الحراسة، مثلما هو الحال يوم التاسع من أبريل/ نيسان/ 2003، إلا أنه أُسترجع ما أُسترجع، ونُقل العديد منها إلى منطقة مراغة، حيث الرصد الفلكي هناك. ولم يحدث لخزائن الكُتب من احراق وتلف متعمد مثلما حدث في سوق المتنبي مؤخراً.

وربما يفاجأ مثقفو العالم، وهم يشاهدون النار تأكل الكتب والتراث الثقافي والعلمي والأدبي العراقي، إذا علموا أن بين أروقة المدرسة المستنصرية ومكتبها اخترعت قراءة وكتابة مكفوفي البصر، أي سبقت باريس وعالمها (بريل) بسبعمائة عاماً، والمخترع هو مدرس المدرسة والمقيم فيها الكفيف زَين الدين علي بن أحمد الآمدي (ت 714هـ). كان ذلك في زمن السلطان المغولي غازان خان (ت). وطريقته نقلها المحقق ميخائيل عواد في كتابه «صور مشرقة من حضارة بغداد»، وصاحب «الأعلام» خير الدين الزركلي من كتاب «نَكت الِهميان في نُكت العميان»: كان إذا اشترى كتاباً أخذ قطعة ورق خفيفة، وفتل منها فتيلة صغيرة، وجعلها حرفاً على حساب الحروف، ثم يقرأها باللمس.

إلا أن سوق الوراقة، التي ذكرها النديم، والمكتبات التي ظلت قائمة بعد الغزو المغولي، لم يبق منها شيء في العهد العثماني. إذ لم يجد الرحالة نيبور، الذي زار بغداد في القرن السادس عشر الميلادي، «سوقاً للكُتب»، ويقصد بيع المخطوطات. ولا ريب أن العديد من المخطوطات، مثلما الآثار الإسلامية، أخذت طريقها إلى استانبول، حيث عُمرت على حساب مدن أقاليم الإمبراطورية العثمانية الأخرى. ولم ينشأ سوق الوراقين مجدداً إلا بداية القرن العشرين.

ووجود الكتاب المطبوع ليس بالجديد ببغداد، رغم محدوديته، فقد نشر أيام الوالي المملوكي داود باشا (1830) كتاب «دوحة الوزراء»، من مطبعة «دار السلام»، لرسول الكركوكلي. كذلك بدأت مطبعة الموصل الحجرية تطبع الكتب منذ 1856، وذلك بجهود الآباء الدوميكان. ولا ندري، إن كان سوق السراي هو وريث سوق الوراقين المذكور سلفاً، إذ تأسست فيه أوائل العشرينات مكتبات قليلة، مثل المكتبة «العصرية»، ومكتبة «النعمان»، والمكتبة «الحيدرية»، والمكتبة «العربية»، ومكتبة عبد الحميد زاهد وغيرها (عباس البغدادي، بغداد في العشرينات).

ثم تأسست في الثلاثينات مكتبة «المثنى»، التي يعد صاحبها الوراق قاسم محمد الرجب (ت 1974) كأحد أهم تجار وصُناع الكتاب ببغداد، وله مجلس أدبي في باحة المكتبة، ظل مفتوحاً حتى وفاته وقد أسس مكتبته بدكان صغير في سوق السراي، وظل يتنقل بها من دكان إلى آخر حتى «اشترى بيت الدكتور صائب شوكت فحوله إلى مكتبة المثنى في شارع المتنبي» (المطبعي، موسوعة أعلام العراق).

وكان للمثنى، التي تعرضت إلى حريق مدمر في نهاية التسعينات من القرن المنصرم، فرع بساحة التحرير، من الباب الشرقي، وقد فهرسها صاحبها بستة مجلدات، وصدر مجلة «المكتبة» الخاصة بعالم الكتب.

ليس لديَّ ما يفيد متى تحولت محلة الأكمكخانة، وتعني محل صناعة الخبز أو المخبز العام، إلى شارع المتنبي حيث صناعة الكتاب وبيعه. وكانت المحلة تعرف بالدنكجية (المميز، بغداد كما عرفتها) أي أصحاب مطاحن الحبوب، وهناك كان المخبز المركزي، حتى أواخر العهد العثماني. وما شارع المتنبي إلا فرع من شارع الرشيد، تحول إلى دكاكين لبيع الكتب، على الرصيف. وبطبيعة الحال، لا يألف هذا المكان غير الكاتب والمؤلف والوراق والقارئ، بمعنى أن مكان الثقافة العراقية الأخير، بعد أن حوصرت بهذا الحصار الخانق.

كان الضحايا من باعة الكتب أكثر من أربعين، ومن الكتب لا يُعد ولا يُحصى. ويبدو من طبيعة الانفجار والحريق، ومن الآثار المدمرة أن النية مبيتة لإزالة هذا المكان من الوجود، بعد أن أخذ يوفر الكتب ليس على هوى الجماعات المتسيدة بالسري وبالعلن. فبعد سقوط النظام، وإلغاء القوانين والتعليمات المقيدة للكتب توافر في شارع المتنبي الأضداد من العناوين، تعرض جنباً إلى جنب.

كانت الندوة الشعرية، ومذاكرة الشعراء والأدباء، لمكانهم العاري من الحماية، تشبه كثيراً فواجع البراكين، وما تخلفه من حطام. لذا كانت منصة المراثي، التي ألقاها الشعراء إثر الكارثة، مزيجاً من الرماد والدم، نعوا فيها الوراقين، ونادل مقهى الشابندر وجلاسها، ذلك المقهى الذي نشأ في ركن الشارع، وكان محلاً لمراجعي دوائر سراي الحكومة، ثم تحول إلى مكان لراحة المتجولين في شارع الثقافة، وبين بسطات الكتب، الأصلية منها والمستنسخة. لم يبق من المكان غير ذكرى، ورماد لا بد أن يخرج منه طائر الفينيق، مكان تدرج من صناعة الخبز إلى صناعة الثقافة.

ان (شارع المتنبي) او ما يطلق عليه بسوق الكتب يعد من أقدم شوارع مدينة بغداد وأحد أبرز معالمها، ويتصل به سوق السراي التراثي المتخصص أيضا ببيع الكتب والقرطاسية، وعلى مقربة منه تقع منطقة (القشلة) التي كانت مقرا للحكومة العراقية في العهدين العثماني والملكي، وشهدت تتويج الملك فيصل الأول سنة 1921، وتحتفظ المنطقة التي يقع فيها الشارع بمعمارها القديم، وهي تمثل شاهدا ومعلما تاريخيا لمدينة بغداد القديمة، فيما يمثل شارع المتنبي فيها رئة تنفس الثقافة العراقية، وتعد مقاهيه وأشهرها (مقهى الشاهبندر) ملتقى الأدباء والمثقفين والكتاب والفنانين.

ويمتد تاريخ شارع المتنبي الى العصر العباسي اذ كان يسمى بدرب زاخا وهي مفردة آرامية، وكان مشهورا بالمؤسسات الثقافية والدينية ومنها مدرسة الامير سعادة الرسائلي، ورباط ارجوان (أي تكية ارجوان)، وفي العهد العثماني سمي بشارع (الاكمك خانة) أي المخبز العسكري.

ومن ابرز الذين عملوا في شارع المتنبي عبد الرحمن افندي الذي كان يبيع الكتب بالمزاد عام 1890، وفي عام 1900 كان الملا خضير يمارس عملية بيع الكتب والمجلات في الشارع، وبعد وفاته جاء ابنه عبد الكريم، الذي اسس مكتبة المشرق، فيما أسس نعمان الاعظمي عام 1905 المكتبة العربية، وكذلك مطبعة كبيرة.

ومع بدايات الحرب العالمية الاولى اسس محمود حلمي عام 1914 المكتبة العصرية، فيما اسس عام 1920 شمس الدين الحيدري المكتبة الأهلية، وبدأت في حينها بنشر كتب مؤسسة فرانكلين. وفي عام 1932 اسس حسين الفلفلي مكتبة الزوراء، التي استمر احفاده في مزاولة مهنتهم فيها، كما اسس قاسم محمد الرجب مكتبة المثنى، وسميت بالمثنى تيمنا بنادي المثنى القومي، وفي ذلك الوقت اتفق مع دور النشر المصرية لتوريد نتاجاتها من الكتب المختلفة، ومن اعمالها ايضا اعادة طباعة قصة الف ليلة وليلة.

وتجدر الاشارة الى ان هنالك العشرات من الذين أسهموا في نشر الثقافة في شارع المتنبي منهم محمد جواد حيدر، صاحب مكتبة المعارف، وعلي الخاقاني، صاحب مكتبة النجاح، وعبد الرحمن حسن حياوي، صاحب مكتبة النهضة، فيما كان عبد الحميد الزاهد احد رجالات ثورة العشرين، من الذين يبيعون الكتب بالمزاد في شارع المتنبي خلال تلك الفترة.
رشيد الخيُّون

سليل
16-Oct-2007, 03:47
مكاتب بغداد من اروع المكاتب التي تضم مجموعه من الكتب وتعددها ومختلف المجالات والقضايا التي تناقشها باسلوب بسيط ومبسط يتناسب مع مختلف المستويات والفروقات الفرديه ....وما ساهم على وجودها هو ان شعب العراق من اثقف الشششعوب في القارءه ومثقفين الى ابعد الحدود فياريت لو تبقى هذه المكتبات ...وهذه الكتب ...


موضوع رائع بودي ...

bode
27-Oct-2007, 04:31
بغداد في المتنبي.. الدورات الزمنية الثلاث
(بغداد عام 318 / 934 )

غريبة هي العلاقة بين المتنبي وبغداد. لقد دُونت هذه العلاقة في الروايات التاريخية التي تناولت حياة المتنبي وشعره لكنها لم تولِ معناها ما يستحقه من تأمل ونظر. كانت العلاقة بين المتنبي وبغداد علاقة سلب مطلق. ما إن تطأ قدما المتنبي بغداد حتى يلوذ بالفرار. ذلك هو المَعْلم البنيوي لتلك العلاقة.

أول ورود للمتنبي على بغداد كان حين هرّبته جدته (آخر الموجودين في نظامه البيولوجي) هرّبته، ليلا، من الكوفة؛ بعد أن أهدر دمه نبلاء قومه لقوله الشعر!! كان هؤلاء النبلاء أو (علية القوم) ينظرون إلى الشاعر كما تنظر إليه بعضُ زوايا مجتمعنا الآن بكونه (شعّارا)!

على أية حال! وصل المتنبي بغداد ودار في طرقاتها حتى انتهى به المطاف!لى أحد أسواقها. فلندع المتنبي بصوته يسرد ما جرى له هناك: "أذكر أني أخذت بجانب منديلي خمسة دراهم وخرجت أمشي في أسواق بغداد فمررت بصاحب دكان يبيع الفاكهة فاستحسنتها ونويت أن أشتريها بالدراهم التي معي..

فقدمت إليه وقلت:- بكم هذه الخمسة بطاطيخ؟

فقال بغير اكتراث:- اذهبْ فليس هذا من أكلك!

فتماسكت معه وقلت:- يا هذا دع ما يغيظ واقصد الثمن

فقال:- ثمنها عشرة دراهم

فلشدة ما جبهني ما استطعت أن أخاطبه في المساومة فوقفت حائرا ودفعت له خمسة دراهم فلم يقبل بها.
وبينما أنا في هذا الموقف، إذ رأيت بائع البطيخ يندفع "فاتحًا يديه" نحو رجل تبدو عليه إمارات الغنى؛

قد أقبل من خان وقال له:- يا مولاي هذا بطيخ "باكور" بإجازتك أحمله إلى البيت

فردّ عليه الرجل ببرود وهو يشير إلى البطيخ:- بكم هذا الباكور ؟

أجاب البائع متلعثماً:- بخمسة.. بخمسة دراهم

أعرض الرجل عنه وهو يتمتم:- بل بدرهمين!

تشبث البائع بذراعه وهو يقول:- بدرهمين.. بدرهمين مثلما تريد!

يتابع المتنبي سرد ما حدث:"باعه كومة البطيخ بدرهمين وحملها إلى بيته وأنا متسمر في وقفتي أكاد أتميز من الغيظ وعزمت على ألا أبرح مكاني حتى أقع على أمره، وما لبث أن عاد مسروراً بما فعل!

فاندفعت نحوه آخذا بتلابيبه وقلت:- يا هذا ما رأيت أعجب من جهلك! استمت عليّ في هذا البطيخ وفعلت فعلتك التي فعلت وكنت قد أعطيتك بثمنه خمسة دراهم فبعته بدرهمين محمولا!

فدفعني وهو يقول:- اسكت يا جاهل! هذا يملك مائة ألف دينار ذهبا!

وهكذا وليت هاربا:

فوا أسفا ألا أكب مقبلا ---- لرأسك والصدر الذي مُلئا حزما

وألا ألاقي روحك الطيب الذي --كأن ذكي المسك كان له جسما

بغداد في 970 من الميلاد

بعد ترحاله بين قبائل بادية الشام، وجد المتنبي نفسه نزيل سجن حمص، بعد أن حبسه الأخشيديون بتهم يختلف المؤرخون في أسمائها و أسبابها، وهو أمر لا يهمنا الآن بقدر ما يهمنا انبثاق بغداد من داخل محبسه الحمصي.

إذ ورده، وهو في السجن، كتاب من جدته تخبره فيه بإشرافها على الموت. لم تكن جدته كل ما تبقى له من أسرته حسب، بل كانت، في سني طفولته الأولى، الإطار الذي ضم صورته والروح التي حطمت ذلك الإطار في آن واحد!

خبر جدته أو دنو خبرها، حطم كبرياءه الذي عرف به! ولهذا انتهز فرصة استبدال أمير حمص (إسحق بن كيغلغ) بأميرها الجديد (محمد بن طغج) ليرفع تظلماً؛ أبى أن يرفعه قبل ذلك:

بيدي ايها الامير الاريب ---لاشيء الا لأني غريب

او لأم لها إذا ذكرتني-----دم قلب بدمع عين يذوب

ان اكن قبل ان رأيتك أخطأت- -فإني على يديك أتوب

عائب عابني لديك ومنه --خلقت في ذوي العيوب العيوب

بهذا الاستعطاف حصل المتنبي على حريته المشروطة بطرح عزته مؤقتا، ليشق طريقه، من فوره، إلى الكوفة عبر بغداد. هكذا يعيده القدر ثانية إلى بغداد!

انتظر في بغداد، متواريا، ليستطلع أخبار الكوفة المتربصة به، عن طريق رسوله وخادمه (مفلح). وجاءه الرسول بنذر مأساته: أن جدته تُحتضر وأن خاصته، من قومه، قد علموا، أو قدروا، أنه سيرِد الكوفة لتفقد حال جدته التي كان لايدعوها إلا بأمه، فزرعوا له المكامن لأخذه غيلة، لكنه كان قد اتخذ قراره بأن يتسلل إلى الكوفة، فلم يعد قادراً على أن يتنازل عن النظرة الأخيرة المتبادلة بين روحيهما. لكن ما إن وصل إلى مشارف بغداد حتى جاءه خبر موتها:

فوا أسفا ألا أكب مقبلا ---- لرأسك والصدر الذي مُلئا حزما

وإلا ألاقي روحك الطيب الذي كأن ذكي المسك كان له جسما

هكذا لوى عنان فرسه نافذًا من أفق بغداد المُضبب، إلى حيث لا بغداد!

المتنبي يهرُب، أو على نحو أدق يُهرّب، من سجنه في مصر هو وولده (مُحسد) وخادمه (مفلح) ليعبر سيناء، مخلفاً وراءه صرخات (كافور) أمير الأخشيديين في مصر والشام وهو يأمر قواد جيشه ووزراءه "اطرقوا أبواب الأمصار كلها الشام وبغداد وحمص وشيراز، ادفعوا بسخاء إلى القبائل... أريد لسانه ملفوفاً بقطعة قماش!

كان لسان المتنبي هو مشكلة (كافور) في ثنائية المدح والهجاء؛ زعزعة السلطة أو تثبيتها، إذ هو يعدل ما ندعوه الآن بالحزام الإعلامي MASS MEDIA)). وكان المتنبي في حال؛ تجاوز فيها اليأس إلى القنوط! ولهذا اتخذ قراره بما سماه اقتحام الكوفة: العودة الى الرحم. ومرة ثالثة كان لا بد لهذه العودة أن تقوده إلى بغداد.

وإذ كان يشق طريقه في منعطفات بغداد، كان يحس كما لو أن قدميه كانتا تطآن أرض المأساة!

نزل، موارباً، دار صديق له؛ يروي شعره، هو (عبد الله بن حمزة البصري). كان يبحث في دار البصري عن مكان مؤقت للعزلة، ريثما يشق طريقه إلى الكوفة ،غير أن خبر وصوله إلى بغداد ونزوله دار البصري، قد بلغ مسامع السلطة؛ أمير أمراء بغداد (معز الدولة البويهي) الذي تلقى الخبر من وزيره

(المهلبي) بدهشة:- المتنبي في بغداد!

ثم تمتم:- إنه ليسوؤنا أن يرد على حضرتنا رجل صدر عن حضرة عدونا.

غير أنه ترك الأمر لوزيره:- إنه لك أيها الوزير! فبين له أن بغداد بني بويه ومعز الدولة، ليست إمارة الأخشيد أو قبيلة بني حمدان!

وقد أقدم (المهلبي) على ضربة مستقيمة، حين أرسل من يطلب من المتنبي أن يمثل بين يديه مادحاً! بعد أن غادر رسول (المهلبي) ،

مال عليه (علي بن حمزة البصري) يحذره:- اتقِ هؤلاء!

حينها ينهض المتنبي ويتجه إلى النافذة، ويتطلع إلى حيث تدور في بغداد رحى نفسه! ثم يلتفت إلى مضيفه، ويقول:- لن أمدح... لن أقول شعراً في المهلبي وأميره حتى لو قدما لي أكياساً ملؤها ذهباً محمولةً على بغال بغداد كلها!

ثم بصوت قاطع، قال، وهو يلتفت إلى ولده (محسد) وخادمه (مفلح):- تلقيت دعوة (ابن العميد) وسألبي هذه الدعوة... سأذهب إلى شيراز!

بادره ولده بصوت يشوبه الإنكار:- تذهب إلى شيراز (ابن العميد) وتمتنع عن بغداد (ابن بويه) ؟!

نظر الأب في عيني ابنه وقال:- أمراء الأعاجم في بلادهم يريدون شهرة ويعطون مالا، أما هؤلاء فيريدون شهرة ويعطون ذلا!

عندها يسأل الصبي سؤالا فلسفياً:- أتسعى إلى مال يا أبتي؟

مرة أخرى ينفذ المتنبي إلى عيني ولده ويقول:- ليس لي... بل لك!

كان ذلك تعبيراً عن الإحساس بالنهاية. وكن ذلك في بغداد!

تلك هي الدورات الزمنية الثلاث للعلاقة بين المتنبي وبغداد؛ تلك العلاقة التي تمثل، بنيوياً، علاقة إزاحة، وليس علاقة إقامة.

غير أن المفارقة في العلاقة بين المتنبي وبغداد حدثت بعد موته! إذ اختار الأرض التي لفظته دائمًا، لتكون موطنه الأبدي! فمن بين العواصم والبلدان التي تقلب في جنباتها كالكوفة والموصل وحمص وأنطاكية وحلب ولبنان ومصر وشيراز وواسط، اختار بغداد وطناً للإقامة الرمزية المطلقة! بعد أن ترك جسده في واسط.

في بغداد تملّكَ أروع بقعة للثقافة العراقية الغليظة: شارع المتنبي

كل يوم، ويوم الجمعة الروحانية خاصةً، يلتقي أحفادُه مع خير الجلساء؛ بالشرط المحرر بعقد الفطرة بينهما: حرية العقل، وذلك هو مدلول قوله:

وخير مكان في الدنى سرج سابح ---- وخير جليس في الزمان كتاب

وسرج الحصان الطائر مكاناً، والكتاب؛ ظرف العلم، جليساً رمزان للحرية والوعي. مرة أخرى يستيقظ المتنبي على عادة بغداد القديمة: صناعة الحزن، يستيقظ على إحراق وعيه!

يُكفر وتحرق خزائنه النفيسة:من مصاحف مُنزلة، وأوراق موضوعة بالعلوم والفنون والأفكار، وتراث من حوار الأفكار، وخزين؛ لايُحصى، من المعرفة الالكترونية، وكنوز من الوثائق والمخطوطات. وقد شوهد المتنبي وهو يمسح كتابه المحترق، ثم يتجه، مخترقًا رماد المعرفة، ليتفقد أطلال مقهى الشاه بندر! ويستأنف الكتابة فيه!
بغداد: د. مالك المطلبي

bode
28-Oct-2007, 10:39
http://www.asharqalawsat.com/2006/11/01/images/art.389936.jpg
كتب تحترق في الوطن وأخرى تتنقل من
منفى إلى منفى.. والطريق إلى العراق طويل


كانت المكتبة أول هدف للشرطة السرية بالعراق، فما أن يُعتقل الباحث أو الكاتب، إلا وبعثرت مكتبته بحثاً عن كتاب ممنوع. وكان الأهالي يخفون كتب أحبائهم من المعتقلين بطرق شتى، كدفنها تحت الأرض، أو نقلها إلى جار مؤتمن. وآخرون كانوا يقطعون رأس البلية، الكتاب، بحرقه أو إتلافه بطريقة ما. وما أكثر كنوز، لا صلة لها بالسياسة، أتلفتها أمهات لا يقرأن ولا يكتبن، ويتخيلن كل كتاب مصيبة.

وكل مثقف، عاند السلطة، أو تجرأ على عدم مسايرتها، قصة مع مكتبته داخل العراق، ناهيك من حياة الترحال التي عاشها المنفيون منهم، وما يتعلق بتأسيس المكتبات، ثم لا يحمل منها أكثر من عشرين كليوغراماً، وهو الوزن المسموح به في الطيارت، حين يغادر إلى مناف وملاجئ أخرى، وما أكثرها.

مَنْ بحث في كتاب «العراق بين احتلالين» لعباس العزاوي (ت 1971)، سيقدر عدد المصادر التي استخدمها هذا المؤرخ، وسيتعاطف مع أحزانه، وهو على فراش الموت، على مصير مكتبته العامرة، وقلق ابنته على ذخيرة والدها. وكذلك الحال بالنسبة للأب ماري انستاس الكرملي (ت 1947). كان مصير مكتبة العزاوي، حسب ما نقله لي الأديب مير بصري (ت 2006)، أنه شاهد عمال يرمون بالكتب من الشبابيك إلى بطن سيارة مكشوفة، وكأنهم يرمون بطابوق. أما مكتبة الأب الكرملي، فقد حشرت في مكتبة الموصل، وتفرقت شذر مذر، من دون أن يحفظ اسمه عليها، ومعلوم ما كان فيها من نفائس الأثر.

وللعلم أن نشأة المكتبة الوطنية العراقية كانت فضلاً من أفضال هذا العالم، إذ تبنى نشأتها العام 1922، وبدأت تحت اسم مكتبة السلام، ثم نقلت محتوياتها لتأخذ اسم المكتبة العامة، ثم المكتبة الوطنية (1961)، وأُلحقت بوزارة الثقافة والإرشاد (قزانجي، المكتبات في العراق).

أتذكر عندما صحبني الأديب سالم الدباغ (توفي منتصف الثمانينات)، وكنت أحد تلاميذه، إلى بيت الأديب واللغوي هاشم الطعان (ت 1980) هالني عدم رؤية جدارن في الدار، فقد غُلفت بالمجلدات، وتكوم بعضها على الروازين، وتحت السلالم. وما زاد دهشتي، أنه كان ينوي شراء مكتبة أحد المتوفين من العلماء!.

وسألت هيثم نجل الطعان عن مصير مكتبة والده، فقال بحسرة كبيرة إنه بعد وفاة والده، واعتقاله، ثم إطلاق سراحه، من دون إكمال مدة الحكم 25 عاماً، جاءه الأديب ماجد العزي، وكان بعثياً، وعلى صلة جيدة بوالده، واقترح عليه بيعها إلى جامعة بغداد. لكن الجامعة رفضت شرطه، وهو أن تخزن تحت اسم صاحبها.

ثم أعاد عليه الكرة واقترح بيعها إلى جامعة الكوفة، التي قبلت بالشرط. وسريعاً حُملت الكتب باللوريات تحت نظرات أفراد الأسرة الحزينة، ففي كل كتاب لفقيدهم لمسة من يده وخفقة من روحه، وقد جمعها، رغم العوز، كتاباً كتاباً.

ولما ذهب هيثم إلى جامعة الكوفة لاستحصال ثمن المكتبة، وهو لايزيد على ما يُقابل أربعمائة دولاراً، كانت المفاجئة أن الكتب «فرهدت» قبل دخولها إلى الجامعة، وقسمت بين الأساتذة والمسؤولين، ولم يبق منها غير كتيبات، وليس هناك اسم لصاحبها ولا يحزنون. والأنكى من هذا لم يتمكن من استحصال المبلغ، وقد أنسل ماجد العزي من العملية برمتها. هذه باختصار قصة إحدى مكتبات أدباء ومثقفي العراق في الداخل.

كان الراحل مير بصري حزيناً على مصير مكتبته، خائفاً أن تلاقي مصير مكتبة العزاوي، وأن يزال اسمه من على كتبه مثلما أزيل اسم الكرملي. مازالت مكتبة بصري بداره بلندن. عائلته لم تفعل شيئاً بها، إلا إنها ما تزال بعيدة عن بغداد، وكانت نيته أن تكون هناك. ومن ثمرات مكتبة بصري كتبه في طبقات المجتمع العراق «أعلام السياسة في العراق الحديث»، «أعلام الأدب في العراق الحديث»، «أعلام التركمان.. »، «أعلام الكرد.. » وغيرها.

يعيش المعاناة نفسها المعماري محمد مكية، 91 عاماً، بعد أن أُغلق ديوان الكوفة، ووجدت مكتبته طريقها إلى الخزن، في مخازن باردة، وكان يمر بها يومياً ملامساً ورامقاً صفوفها، وفيها كتب تعود القرن السابع عشر.

وما زال ينتظر نقلها إلى بغداد أيضاً. لكن بغداد، وقبل ثلاثة عقود، لاهية عن الكتاب بعذابها، وليست هناك جهة تؤمن الكتب إلى مستقرها في القسم المعماري الذي أسسه (1959)، ووعد فيها أحفاده وحفيداته من المعماريين عند زيارته بغداد في نسيان الماضي. بدأ مكية بجمعها منذ الأربعينيات، وأخذ يستخدمها كذخيرة، تصاحبها مكتبة من المخطوطات العربية والفارسية، ومجموعة نادرة من اللوحات الفنية لكبار الفنانين العراقيين.

ووجدت وزير المال الأسبق عبد الكريم الأزري، 98 عاماً) محتضناً مكتبته الشخصية كالأب، معتنياً بها كل العناية. ويحاول من أول وهلة إشعارك أنه لا يعير كتاباً، ويرمقك بنظرة اعتراض وأنت تتصفحه، وكأنه ما صُنف إلا له.

فيها الكثير من الكتب النادرة، المعروضة بتبويب مكتبي سليم، وبنظام مريح للباحث. إنها تحتل أكثر من غرفة من داره، ولا ينوي أن يهديها أو يوصي بها، وذلك لشدة تعلقه بها، فبفضلها صدرت له عدة مؤلفات خاصة بالتاريخ السياسي العراقي، إلا أنه ربما أكثر حظاً من غيره، فلديه ولده حيدر مولع بالكتب، لديه مكتبته الخاصة، بعد أن نشأ نشأة طويلة بالعراق.

أما زميله وزير الزراعة الأسبق عبد الغني الدلي، 93 عاماً، فما زال يبحث عن طريقة لحفظ ما في حوزته من كتب، لعله يتمكن من ضمها إلى مكتبته التي تركها ببغداد بدار خاصة. وكان من أمانيه أن يعود إلى العراق، ويؤسس مكتبة في مسقط رأسه سوق الشيوخ، يجمع فيها شتات كتبه. وأبلغني عن مصير مكتبة صديقه القديم الحقوقي عبد المجيد القيسي (ت 2002)، صاحب كتاب «التاريخ يُكتب غداً».

وكان توفي بدولة الإمارات المتحدة، وذووه ما زالوا ينتظرون العثور على مكتبة تستوعبها بطريقة تحفظ اسمه ردحاً من الزمن، بعد أن قُطعت حبال الوصل ببغداد، ومازالت مقطوعة. وما يذكر عن القيسي أنه أقام مجلس فاتحة على روح الملك فيصل الثاني في اليوم الثاني من 14 تموز، عندما كان قائمقام في قضاء الرفاعي، وقد سجن وأُطلق سراحه فمجلس الفاتحة لا يُعد جريمة يعاقب عليها القانون.

وفي لقاء بعمان أخبرني علي نجل اللغوي إبراهيم السامرائي الأكبر (ت 2001) عن مصير مكتبة والده، إنه لما طلب منه أن يصبح مصححاً لغوياً في القصر الجمهوري (1981)، بامتيازات يحصل عليها كبار موظفي القصر، ورد والده على الطلب بالقول: «أنا أستاذ جامعي، وكل وقتي أقضيه بين كليتي والدار، فليس لي غيرهما».

وكان محسوباً على اليسار من غير انتظام في حزب، بمعنى أنه لم يكن على وئام مع السلطة. عندها توجس السامرائي شراً مما ستأتي به الأيام القادمة، على خلفية رفضه طلباً موجهاً من صدام حسين، فحمل مكتبته وأسرته وهجر العراق، وعمل في عدة بلدان، ومنها اليمن، فعاد ثانية واستقر بالأردن حتى وفاته. أما مكتبته، التي تنقل بها من مكان إلى آخر، فأهديت إلى المجمع الثقافي بدبي، ومكتبة المجمع العلمي الأردني، ولا ندري هل يحتفظ باسمه عليها أم لا. وكانت ثمرتها حوالى مئة كتاب من تصنيفه، وأبرزها تحقيق كتاب «العين» للفراهيدي. وكان محمد مهدي الجواهري (ت 1997) لا يطمئن إلا لمشاركة السامرائي في تحقيق ديوانه.

عراقيون آخرون أرقهم السؤال حول مصير مكتباتهم، بعد سنوات طويلة من جمعها، وحملها بين العواصم، وتحمل شكاوى العائلة وضيق العيش بسببها، إضافة إلى تكاليف شراء الكتب نقلها وخزنها.

صمت نجدة فتحي صفوة عندما سألته عن مصير مكتبة عباس العزاوي، وماذا ستفعل عائلة مير بصري، إن كان لديه تصور، بكتبه، وقبل الإجابة قال: «وأنا كذلك! لا أدري ما سيؤول إليه مصير مكتبتي». وهي تملأ شقة خاصة بها، بالإضافة إلى الكتب الموجودة في شقته المجاورة، التي يسكن فيها. وهو يفكر بإهدائها إلى إحدى الجامعات، والأولى إلى العراق، إن كان هناك مَنْ يستقبلها.

إنها مكتبة ثرية بالكتب التاريخية، وعلى وجه الخصوص تاريخ العراق وتاريخ المملكة العربية السعودية. ولا أدري كم سيكلف نقلها إذا حسم أمره، واختار الإقامة بالأردن، كما يفكر.

المحامي جعفر البياتي قلق كذلك على مصير مكتبته، وهو محقق وقارئ نهم، جمع من الكتب ما جمعه في داره بفيينا، وبفضلها حقق كتاب «سِراج الملوك» لمحمد بن الوليد الطرطوشي (ت 520هـ)، صنف كتاب «مفهوم الدولة عند الطرطوشي وابن خلدون». إن مكتبته هي مدفأته في الغربة، وقد توسط عقده التاسع. ولده ليس له الاهتمام نفسه، وهو يدرك تماماً موقف وريثه منها، ولا يريد تخيل المكان من دون المكتبة، أو حملها إلى متاجر الورق ليُعاد تصنيعها، والطريق إلى بغداد ما زال وعراً للمسافر، فكيف لمكتبة!

ويراود القلق نفسه المحقق والباحث جليل العطية، المقيم بباريس، وقد جمع مكتبة من نفائس كتب التراث، وما يختص باهتمامه، حتى أغنته في العديد من مصنفاته عن زيارة المكتبات العامة، فعمل مثل «الذخائر الشرقية» لتركة استاذه كوركيس عواد، وعشرات التحقيقات لا توفر مصادرها إلا مكتبة عامرة. ولما فاجأته بالسؤال: هل فكرت بمصير مكتبتك؟ قال: «كان الأمل، وما زال، أن تستقر ببغداد، ضمن مركز بحوث ودراسات، أو جمعية تهتم بالتراث والتاريخ، يستفيد منها الباحثون والدارسون».

وخصوصاً بعد ما فقدت مكتبات بغداد من درر الكتب.إلا أنه حتى هذه اللحظة ليس لديه تصور آخر، ولا مفك من القلق على سبعة آلاف كتاب، ومصورات لكتب قديمة ومخطوطات. إنها محنة حقيقية، فأولاده بعيدون عن الاهتمام بمثل هذا الميراث، ولا يعنيهم الكتاب العربي، نتيجة نشأتهم في باريس.

اقتصادي النفط فاضل الجلبي، تحدث عن ترحال طويل ومستمر، كلما شيد مكتبة ودعها بمكان، ولا يحمل منها غير القريب إلى نفسه، إلا أنه تحدث بمرارة عن مكتبة نفيسة ببغداد، التي أودعها في دار أهله، منضدة في صناديق تحتل السرداب، الذي استهرت به بيوت بغداد القديمة، وقد داهمها الماء، ولم ينج منها كتاب واحد. كانت تحتوي على مؤلفات أدباء من الأربعينيات والخمسينيات، مزينة بإهداءاتهم الشخصية، ومنها دواوين الشاعرة نازك الملائكة وإهداءات بخطها.

كان الشاعر فوزي كريم متهيئاً للإجابة أكثر من غيره، بعد معايشة القلق سنوات طويلة على مكتبته، التي تكونت لديه خلال ثلاثين عاماً، واستحوذت على غرف الدار وممراتها. وإلى جانب الكتب لديه مكتبة موسيقية، يصل عددها إلى خمسة آلاف عمل موسيقي، ولوحات فنية من رسمه، ومن أعمال فنانين آخرين، يحلم أن يُلحقها بمكتبته الخاصة ببغداد.

وفعلاً خطى خطوة عملية، عشية سقوط النظام، لينقلها إلى بغداد، لتكون تحت تصرف مركز ثقافي أو مكتبة ، وليس لديه شرط سوى أن تُخزن باسمه، مثلما تجري العادة. طلب، بُعيد سقوط النظام، من وزير الثقافة مفيد الجزائري توفير فرصة النقل، وتأمين مصير لمكتبته بمستوى تعلقه بها وقلقه عليها، إلا أن الأمل أخذ يتضاءَل، وعاد يداهمه القلق من جديد.

كنت أزور الأديب سمير نقاش (ت 2004) بمانشتستر، وتحتل مكتبته فضاء الدار الأسفل وغرفاً من الطابق العلوي. كان يتحدث عن خزنها، وإمكانية نقلها، في ما بعد، معه إلى بغداد. ولما سمع بتصريحات وزراء عراقيين جدد، أن لا عودة ليهود العراق مثل بقية اللاجئين، بذريعة أن وزير الدفاع الإسرائيلي عراقي الأصل، رد بألم: «ربما هو الوحيد الذي سيعود»! وكان لا يكتفي بطبعة واحدة من الكتاب، فإلى جانب طبعة قديمة، ترقى إلى نهاية القرن التاسع عشر، وجدته يتابع الطبعات الجديدة، ويضمها إلى رفوف مكتبته. وبعد وفاته اتصلت بيَّ زوجته فكتوريا، تقول: «ماذا أعمل في الكتب، التي ملأ سمير بها الدار، وصرف عليها شقاء عمره؟ مات سمير ووجدت مكتبته طريقها إلى صناديق مغلقة بلا فهرسة، قد تتآكل من الرطوبة.

أما الشاعر صلاح نيازي فقد حسم قلقه سريعاً، وحافظ على التناسب بين حجم الدار ورفوف المكتبة، وجعلها ثابتة على أربعة آلاف كتاب، حيث أخذ يعزل شهرياً ما يفيض لديه ويهديه إلى مكتبة جامعة لندن، أو مكتبات بريطانية أخرى، وهو يرى أنها أكثر حفظاً وصوناً من تسفيرها إلى بغداد، شأنها شأن الآثار العراقية، التي تحتفظ بها المتاحف الأوروبية بكل قداسة، مصانة من نوبات فرهود أو تحطيم واتجار.

وفي حديثه تذكر هوس الأديب والمترجم نجيب المانع (ت 1982) بجمع الكتب، في كل مدينة وعاصمة يحل بها. أسس مكتبة بالزبير، ثم ببغداد، ثم ببيروت، وقد باعها بـ18 ألف دولار، ليؤسس مكتبة جديدة بلندن. وما تزال شقيقته الكاتبة سميرة المانع تحاول إيصالها إلى جامعة البصرة، حيث مسقط رأسه، أو أي خزانة كتب عراقية تحتضنها.

هذه الأسماء مجرد نماذج قليلة تعكس عمق القلق على مصائر الذخائر من الكتب والمخطوطات، والأعمال الفنية، وكل واحد من هؤلاء، وغيرهم المئات من مشاهير الثقافة العراقية، تركوا مكتبات عامرة لهم بالعراق، موزعة صناديقها على منازل الجيران والأصدقاء، ومنهم مَنْ هجر المكان، وطرحها أمانة عند غيره، ثم انقطعت الأخبار، ومنهم مَنْ غادر الحياة، وصار مصير المكتبات إلى الباعة المتجولين، مفروشة على قارعات الطرق.

كثيراً ما تشير الإهداءات على صفحاتها الأُول أنها تنحدر من مكتبة عالم من العلماء، أو شخصية مهمة من شخصيات بغداد، اضطر إلى بيعها لمواجهة تكاليف الحياة، وهذا ما تناقلته الأخبار عن مكتبة الناقد علي جواد الطاهر (ت 1996). حقاً إنها مصائر مقلقة، فليس لمثقف عراقي طوال الأربعين عاماً الأخيرة تمكن من الاطمئنان على ذخيرة حياته، وعصارة جهده، المكتبة. وربما يكون السؤال أعظم، لو علمنا بمصائر مكتبات كبار مثل: مصطفى جواد، علي جواد الطاهر، ومهدي المخزومي، وكوركيس عواد، وميخائيل عواد، وطه باقر، محمد أمين زكي، ونعيم الناشي، وفؤاد سفر، والطبيب راجي عباس التكريتي وغيرهم.

رشيد الخيون

bode
19-Dec-2007, 07:06
معارك الأدباء والشعراء العراقيين حول تحرير المرأة
ظلالها عادت اليوم إلى الشارع

http://www.asharqalawsat.com/2007/12/19/images/art1.450312.jpg

الكتاب: المعارك الأدبية حول تحرير المرأة في الشعر العراقي المعاصر
ـ المؤلف: محمد جواد الغبان ـ بغداد: 2006

في فترة مبكرة، من القرن الماضي، احتد الخلاف بين شعراء العراق ورجال دينه وأدبائه، وانقسموا إلى حزبين: سفوريين وحجابيين، وحينها ضجت الصحف بالمقالات والردود عليها، ولحراجة الموقف، آنذاك، كتب مؤيديو السفور، من الرجال، بأسماء فتيات. وكان رائد إثارة القضية الشاعر جميل صدقي الزهاوي (ت 1936)، وعُد زعيماً للحزب السفوري إن صح التعبير. أما أبرز الحجابيين ودعاة اعفاء النساء من الدخول في السياسة والشأن العام الشيخ جواد الشبيبي (ت 1944)، والشيخ بجهة الأثري (ت 1996)، ومن جانبه كان صوت الشاعر الشعبي الملا عبود الكرخي عالياً لصالح الحزب الأخير.

في كتابه «المعارك الأدبية حول تحرير المرأة.. في الشعر العراقي المعاصر»، يسجل الأديب والشاعر محمد جواد الغبان مواقف الشعراء تجاه تحرير المرأة من خلال قصائدهم، وما دار بينهم من ردود، وعلى الرغم من دخول الشعراء من الفقهاء في المعارك، إلا أنه لم يقد التعصب إلى إصدار فتاوى، أو ما يخرج عن لياقة الحوار والجدل آنذاك. والغبان النجفي المولد والنشأة والبغدادي الأصل والمقام كان قريباً من حوزة النجف الدينية، وتربطه صلات بالعديد من مراجعها، ويوم كان شاباً حظي بمقدمة لكتابه «جعفر بن أبي طالب» من الإمام محمد حسين كاشف الغطاء (ت 1954).

وترى الغبان يقف موقف الحياد بين الحزبين، مع عدم إخفاء الميل إلى المعاملة المعاصرة مع النساء، تواصلاً مع خلفيته التنويرية، من تأثيرات نشاطه المبكر في: جمعية منتدى النشر، والمجمع العلمي الثقافي، وجمعية الرابطة الأدبية والثلاثة من تأسيس أدباء نجفيين، عارضوا القديم بالجديد، فلقوا المديح واللوم. كانت نواة الكتاب محاضرة بعمَّان - الأردن، بدعوة من مؤسسة عبد الحميد شومان الثقافية، ثم تضاعفت مادتها إلى الكتاب الذي بين أيدينا.

وكم يبدو هذا الموقف متقدماً في عصر روى فيه القاضي أبو علي التنوخي (ت 384هـ)، أمر امرأة تجاوزت الأربعين ولم تعرف شكل الجمل، لأنها حجبت في الدار ولم تخرج إلا وقت السفر من الأنبار إلى بغداد، فلما رأت «جملاً يدير دولاباً، فقالت ما هذا؟ فقيل لها: دولاب الجمل! فحلفت أنها ما رأت جملاً قط» (التنوخي، نشوار المحاضرة 8ص263 طبع خاص 1971).

ومن الغرابة، بمكان، أن نجد ابن الأخوة، وهو من وجهاء المذهب الشافعي، يخالف إمام المذهب محمد بن إدريس الشافعي (ت 204هـ)، فقيل: إنه حين حضرته الوفاة أوصى أن تصلي على جنازته أستاذته في الحديث السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد العلوية (ت208هـ)، فلما مات «أحضروا نعشه عندها فضُربت لها ستارة، وصلت عليه من خلفها، ثم حُمل من عندها ودفن في تربته» (ابن أياس، تاريخ مصر بدائع الزهور في وقائع الدهور، 1ص33). ويا سبحان الله، هل كانت مدرسة الشافعي لا تقرأ ولا تكتب؟!

بعد ذلك الزمن، وفي العصر الحالي، اشتدت في العقد الأول من القرن العشرين المعركة الأدبية بخصوص المرأة ببغداد بين جميل صدقي الزهاوي (ت1936) ورجال الدين، ممثلين في السيد مصطفى نور الدين الواعظ (ت1913) - كان مفتياً بالحلة ونائباً عن الديوانية في مجلس المبعوثان - والشيخ محمد سعيد النقشبندي (ت1920)، أحد أتباع الطريقة الصوفية المعروفة. ومن المفارقات أن المعارك حول شأن النساء كانت بين الرجال، فمما يذكره الغبان في كتابه أن الشاعر عبد الرحمن البناء (ت 1955) قال على لسان فتاة عراقية تنتقد ما يجري بينهم بشأن بنات جنسها:

* ليتـني متُ ولـم أسمع بمَنْ ----- قتلوا الأوقات من أجلي عتابا

* بين حجبي وسفوري اختلفوا -- ولهتكي ملأوا الصحف سبابا.

ومما لم يأت في كتاب الغبان، بدت دعوة الزهاوي إلى سفور وتحرير المرأة من القيود الاجتماعية ذات صلة بقراءاته الفلسفية، وبحياته باستنبول وحبه لفتاة تدعى راحيل، ثم بمكوثه بالقاهرة، حيث معركة السفور والحجاب بين قاسم أمين (ت 1908) ورجال الدين. أغرت تلك الأجواء شاعرنا فكتب مقالاً تحت عنوان «المرأة والدفاع عنها»، ونشره في جريدة «المؤيد» الأسبوعية عدد ( 7 آب 1910).

وصلت مقالة الزهاوي الخطيرة إلى بغداد عبر نعمان الأعظمي (ت 1936)، المدرس في مدرسة الإمام الأعظم والواعظ في الجيش العثماني، نشرها في مجلته الدينية. هنا يقبل فعل الأعظمي لإعادة نشر مقالة الزهاوي الأمرين: نصرة للسفور، فعنوان مجلته «تنوير والأفكار»، أو بنية قصد إيذاء صاحب المقال، والأمر الأخير هو الراجح.

وما حصل، ان كانت المقالة وابلاً على الزهاوي، فقد احتشد جمع من البغداديين أمام سراي الحكومة مطالبين بردع كاتبها (الزنديق) حسب عبارتهم. كان في مقدمة الغاضبين السيد الواعظ، الذي ذهب إلى الوالي ناظم باشا واصفاً الشاعر بالمارق، ودعوته دعوة فاسدة مخلة بالشريعة.

يومها عُزل الزهاوي من التدريس في مجلة الأحكام العدلية بمدرسة الحقوق، واعتكف بداره خشية من الاعتداء وربما القتل. فذات ليلة طرق باب داره ثلاثة من أشقياء بغداد وشطّارها وطلبوا منه السماح لزوجته في أن تجالسهم بالمقهى، وعندما احتج على الطلب احتجاج المرعوب، قالوا له: كيف تطلب من النساء أن يرفعن الحجاب ويختلطن بالرجال؟ وانتهى الأمر بالتهديد بالقتل إن عاد ثانية إلى «مثل تلك الأقوال الفاسدة» (الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، عن شاهد عيان، 3 ص181).

من الذين ردوا على الزهاوي ودعوته إلى تحرير المرأة، من خارج العراق، المصري محمد حمدي النشار في كتابه«المرأة في الإسلام السفور والحجاب» (1911)، ومن العراقيين مدرس مدرسة الإمام أبي حنيفة الشيخ محمد سعيد النقشبندي في رسالة «السيف البارق في عنق المارق» (1910). وتبدو الرسالة من عنوانها بمثابة فتوى قتل، كذلك يبدو من رثاء الزهاوي لصاحب «السيف المارق» أن صلحاً تحقق بين الشيخ والشاعر (المارق) في ما بعد.

جاء في الرسالة: «ورود بعض الجرائد، ناقلة عن بعض الملاحد، ما لم يلمع بارق الصلاح على سطر حروفها، ولا اكتحلت عين بصيرة نامقها بأثمن الهداية لغواية وقوفها، كفر صريح، وكلامه قبيح، نبذ دينه وراءه ظهرياً، واتخذ الكفر الصريح لباساً وزيّاً» (نظيرة زين الدين، السفور والحجاب، ص 214 عن رسالة السيف البارق).

كانت محور حجج صاحب الرسالة في فرض الحجاب، بل النقاب حسب ما ورد في الرسالة، مداراة مشاعر الرجال، وهي: عذاب الرجال لحرقة قلوبهم من رؤية سفور المرأة، سبب قوي للعشق، في الحجاب يميز الإنسان عن الحيوان، القلق من اختلال النظام العام للهو الشباب. لم يناقش الشيخ النقشبندي سفور المرأة من العباءة وغطاء الرأس، بل سفور الوجه واليدين. وأجد الشيخ في هذا التصور قد قطع صلته بالإمام أبي حنيفة (ت 150هـ) لأنه أفتى بجواز تولي المرأة القضاء، وكيف يكون القاضي منقب الوجه واليدين؟!

وتحت التهديد حاول الزهاوي في بيان نشره في جريدة «الرقيب» التنصل من مقاله المذكور، وحاول شحذ همة الوالي العثماني ناظم باشا ضد رجال الدين مذكراً بالدستور العثماني، جاء فيه: «إلى ناظم الحكومة في بغداد، اسمع أن أحد المشايخ المتلبسين بالتقوى في بغداد، البلد الذي يسيطر عليه الدستور وعدلك الوافي، أخذ يدير رحى فتنة جسيمة، فيعرض الجاهلين على الإيقاع بيَّ باسم الدين البريء من الظلم، جزاء مقالة اجتماعية نشرت بإمضائي في المؤيد الأسبوعي، كما في تنوير الأفكار دفاعاً عن المرأة، وهي عدا كونها شبهات ضعيفة استفهامية تزول من نفسها لم يتعين بعد كاتبها أنا أم هي مزورة على لساني من عدو لي في العراق» (الوردي، لمحات اجتماعية 3ص181، عن الهلالي، الزهاوي بين الثورة والسكوت).

ولو افترضنا أن الزهاوي تمكن من البراءة من كتابة مقال «المرأة والدفاع عنها» فماذا تراه سيفعل مع قصيدته «أسفري»؟ ورغم أنها دخلت في المنهج المدرسي العراقي، ودُرست بالنجف وفي كل بلدات العراق، وشاعت على المستوى العربي وأهملها علي أحمد سعيد (أدونيس)، رغم إسهابه في الدعوة إلى الحداثة، ولم يخترها بين ما اختاره للشاعر في كتاب «جميل صدقي الزهاوي» (دار الملايين 1983)، ضمن سلسلة ديوان النهضة، فهل يمكنه التنصل عنها أيضاً، وهي تحمل آراءه وطبعه الشعري؟ ومنها:

* أسفري فالحجاب يا ابنة فهر ---- هو داء في الاجتماع وخيم

* كل شيء إلى التجدد ماضٍ ---------- فلماذا يقـر هـذا القديم؟.

[COLOR="DarkSlateGray"]رصد الأديب الغبان، في كتابه «المعارك الأدبية...» معظم ما جادت به حافظة الشعراء حول المرأة، وهم كما أسلفنا، حزبان: محررون ومحافظون. ويعترف ان المعركة العراقية بصدد المرأة كانت صدى لما حصل بمصر، وما تبناه حفيد محمد علي باشا، الخديوي إسماعيل (ت 1895)، يوم أقام بالقاهرة أول مدرسة للبنات، وهو ما شجع على التخلي قليلاً عن النقاب أو الحجاب بهيئته القديمة. ثم تبنى الدعوة ثقافياً وفكرياً قاسم أمين (ت 1908) في كتابه «تحرير المرأة».

كذلك اختلف الأمر عنه بالعراق، حيث بمصر سرعان ما دخلت النسوة في المعركة، وذلك لوجود كاتبات ومثقفات منهن باحثة البادية ملك حنفي ناصف (ت 1918)، ساندتها في دعوتها الأديبة الشهيرة مي زيادة (ت 1941) في سلسلة من المقالات. كذلك كانت هدى شعراوي باشا (ت1947) من أقطاب الدعوة لتحرير المرأة، وقد جازفت وخلعت الحجاب (1926)، أي السفور عن الوجه لا غيره آنذاك. وبعد العشرينات ظهرت نسوة عراقيات في واجهة الدعوة لتحرير بنات جنسهنَّ، مثل: الحقوقية صبيحة الشيخ داوود (ت 1975)، والطبيبة نزيهة الدليمي (ت 2007) وغيرهما، وقيل كان للأخيرة دور في إصدار قانون الأحوال الشخصية (188/ 1959)، خلال تسلمها حقيبة وزارة البلديات، وكونها قيادية في الحزب الشيوعي العراقي، ومؤسسة ورئيسة لرابطة المرأة العراقية.

كانت الجرائد والمجلات طريق انتقال دعوة تحرير المرأة من مصر إلى العراق، ومنها «العروة الوثقى»، «والمقطم»، و«المقتطف»، و«الهلال» و«المؤيد». وكلها من الدوريات المجددة، وكانت متيسرة الوصول إلى بغداد والنجف، وتتلقفها النخبة المثقفة وتتداولها، وتراسلها. وهذا لا يعني أن العراق كان خالياً من نوازع التقدم، ومن الكتابة والمواقف المخالفة للسائد من الأحوال، وحتى النجف لم تنقطع فيها المعارك بين المجددين والمحافظين، ومن الحوزة الدينية نفسها، مع أن التصفيق في الاحتفالات كان يُعد بدعة محظورة، وكذلك يعد جلوس علماء الدين على الأرائك مخالفاً للدين.

وإن تحدث فصل الكتاب الأول عن مؤثرات تلك المعارك الأدبية حول تحرير المرأة، فأن فصله الثاني كان رصداً لتجديد الشعر العراقي وما يخص الدعوة إلى تعليم المرأة منه. ويرى مؤلف الكتاب أن المعركة ما كانت بين حزبين: رجعيين وتقدميين، أو مجددين ومحافظين، أو متحررين وتقليديين، مثلما توهم العديد من الكتاب والباحثين بوصفهما أو تسميتهما، وإنما هو مجرد اختلاف وجهات نظر. ودليله على ذلك، أن الذين عارضوا الدعوة إلى السفور لم يعارضوا بدافع ضد السفور بقدر ما كان بدافع التوجس والخيفة مما ستسفر عنه الدعوة، وأن العديد منهم دعا إلى معالجة أحوال المرأة، وإزاحة التخلف عن كاهلها.

وها هو الشيخ محمد رضا الشبيبي تحول مع عجلة التطور، بعد أن عُد من أنصار الحجابيين، وكان موقفه من عمل المرأة وخروجها من المنزل لا يقل محافظةً عن موقف ابن الأخوة، السالف الذكر، فهو القائل (1909):

* وأرباب الحجا لهم حقوق --- بنسبتهم كربات الحجال

* بتدبير المنازل هنَّ أولى ---- وهم أولى بتدبير النـزال.

وتراه وهو وزير للمعارف (التربية والتعليم) يشرف على فتح مدارس حكومية لتعليم البنات. وفي أواسط الأربعينات قال لمير بصري، وهما يحضران حفلة تخرج طالبات من المدرسة الثانوية: «هل ترى تقدم الحركة النسوية في جيل واحد أو أقل من جيل في بلادنا؟ لقد كنت وزيراً للمعارف سنة 1922، أي قبل عشرين عاماً فقط، وقد فتحنا مدارس رسمية لتعليم البنات، واستقدمنا المدرسات من لبنان، وغير لبنان، لكنه لم يكن في وسعي أن أزور مدرسة من تلك المدارس! ونرانا اليوم نحضر الحفلات ونشهد تقدماً لا مثيل له»! (بصري، أعلام الأدب في العراق الحديث 3 ص 27).

كذلك برز ببغداد القاضي توفيق الفكيكي (1924) بلقب «نصير الحجاب»، وقد ناقش الفكيكي مَنْ ردَّ على مقالاته في نصرة الحجاب (دعاهم بالسفوريين) معتبراً الحجاب ضرورة فرضتها الشرائع الإلهية، وأن مَنْ يدعون ضده هم أولئك الماديون. وتراه حصر وظائف النساء بالحمل والرضاع وتربية الأطفال، ويسأل إذا ما خرجت المرأة للعمل، ونراه حجة لا تصمد أمام واقع الحال: «ماذا يصير بحال المرأة الحامل إذا انضمت إلى صفوف العمال المضربين عن العمل، أما تعرض نفسها للوكز والدفع والمزاحمة إلى أشد الأخطار على حياتها وحياة جنينها، وإلى أين تؤول صحتها وقت ما تنفعل لرأيها وبذلك الانفعال النفسي تفسد لبنها فتسقي ولدها منه سماً زعافاً وهنالك المصيبة العظمى والقضاء المبرم» (الفكيكي، مقالات في الحجاب والسفور، ص36).

وبعد حين تراه يتحول، تحول الشيخ الشبيبي، ويتبنى اقتراحاً في البرلمان العراقي، قُبيل ثورة 14 تموز 1958، لتعديل الدستور والاعتراف بحقوق المرأة السياسية، وكيف تمارس المرأة السياسة إذا لم تصطدم بالرجال (بصري، أعلام الأدب في العراق الحديث 2 ص 522).

وكان أبرز الداعين إلى تعليم المرأة الوجيه النجفي والعلوي محمود الحبوبي (ت 1969)، نجل المجتهد والشاعر محمد سعيد الحبوبي (قُتل 1915) ودخل المعركة، من أوسع أبوابها، الشعراء: جميل صدقي الزهاوي، ومعروف الرصافي (ت 1945)، ومحمد مهدي الجواهري (ت 1997)، وقد جابه الأخير المجتمع النجفي المحافظ من رجال الدين وغيرهم، وهم يحتجون على فتح مدرسة للبنات بالنجف (1929):

أنجب الشرق جامداً يحسب المرأة عارا، وأنجبت طيارا

تحكـم البرلمان من أمـم الدنيا نساء تمثل الأقطارا

ونساء العراق تُمنع أن ترسم خطا، أو تقرأ الأسفارا

وتأتي فصول كتاب الغبان تباعاً: الشعراء المجددون ومشكلات تزويج المرأة، والمعارك الشعرية بين السفور والحجاب. وبما ليس بعيداً من موضوع الكتاب يأتي الفصل الخامس تحت عنوان: «مطارحات الشعراء حول زيارة أم كلثوم الأولى للعراق»، حيث كتب في مدحها شعراء نجفيون.

عموماً، الكتاب بمجمله يعيد إلى الأذهان تلك المعارك، لكن سير الزمن قاد إلى انتصار دعاة التحرير، فبغداد خلال أعوام قلائل دفعت إلى دوائرها: محاميات، وقاضيات، وطبيبات، ومهندسات، ومعلمات ومدرسات، وأديبات، وفنانات، وسياسيات في أحزاب سرية، وإن كان العبء على الأخيرات كبيرا جدا، فهنَّ يقاسين الأمرين: موانع المجتمع وموانع السلطة.

وما يجدر ذكره أنه بُعيد سقوط النظام (9 أبريل 2003) عادت إلى الشارع العراقي ظلال تلك المعارك، وكثر الجدل حول القوانين الخاصة بالنساء، وفي مقدمتها قانون الأحوال الشخصية، وهو أهم المكاسب، التي حصلت عليها النساء، ولا يعوضهنَ عنه النسبة أو الكود البرلماني (25) في المائة من نواب البرلمان، وعدد من الوزارات، وايجاد وزارة المرأة. كذلك عانت النساء وما زلنَ من التضييق في الشارع والدائرة، وذلك لهيمنة الأحزاب الدينية، على الدوائر والطرقات. ومع ذلك، والأهم من هذا، أن المعارك التي كانت بين الرجال والرجال حول المرأة تحولت إلى بين الرجال والنساء، فهنَّ اليوم ببغداد يتولينَ معركتهنَّ بأنفسهنَّ.
رشيد الخيون

bode
24-Jan-2008, 07:45
منجز القصة العراقية


أود في هذا الحيز الضيق تقديم نظرة تقييمية مكثفة عن المنجز القصصي العراقي منذ النشأة حتى الأن، رغم صعوبة الأمر، فعمر القصة العراقية يقارب عمر الدولة العراقية التي نشأت بحدودها الحالية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ممثلة بنصوص ـ محمود أحمد السيد ـ الذي يعود له فضل تأسيس قالب القص بشكله المعاصر، وما تلاه من أجيال جاهدت من أجل بلورة قالب قصصي يناسب البيئة والتجربة العراقية بين الحربين العالميتين..

الحيز ضيق وغرضه ألقاء الضوء على ظاهرة، نص، جيل، لذلك سأتناول جانباً جوهرياً بصيرورة النص القصصي العراقي إلا وهو مسيرة نضج السرد القصصي فنيا كي يعي ذاته، فبمقدار ما يتخلص السرد من الأفكار الأيدلوجية المسبقة ذات المقاصد والمباغي سواء أكانت خيّرة أو شريرة يصل إلى نضجه بحياديته، فيستطيع لمس كيان الإنسان عميقاً مما يبرر النص القصصي المكتوب كونه فناً يحمل قيمته الجمالية أولاً، التي تحقق بدورها قيمة أيدلوجية مطلقة بالضد من الأيدلوجيات المتصارعة من أجل السلطة والمال.

أيدلوجية معنية بالإنسان ومحنة وجوده وأغترابه تنبثق هذه القيمة من باطن ارتصاف الحروف بجسد الكلمة، والكلمة بجسد الجملة السردية المنشأة بتلابسها مع الما قبل والما بعد كوناً.. مناخاً مختلفاً يحرض على الحلم يشابه الواقع لكنه ليس واقعا، وبشابه الخيال ولكنه ليس خيال.

من هذه الزاوية.. ومن خلال دراستي للقصة العراقية منذ نشأتها أستطيع القول:

أن مرحلة التأسيس المضنية التي انطلقت من العشرينات أثمرت في الخمسينات عن ولادة بنية قصصية واعية لذاتها على يد المبدعين الكبيرين ـ عبد الملك نوري ـ في مجموعته ( نشيد الأرض ) و ـ فؤاد التكرلي ـ في ( الوجه الأخر ) لكن الأخير أي التكرلي تميز بتنقية السرد من كل ظلال الأيدلوجيا سوى مطلقها المعني بكينونة الإنسان، مما أكسب تلك النصوص نضارة دائمة تجد تجسّدها في سر قراءتها رغم غبار الزمن وكأن ما يحصل لذوات شخصياتها المقهورة في قصص.. العيون الخضر، موعد النار، الوجه الأخر وباقي القصص يحصل لحظة القراءة. هذه الذروة الفنية التي أمسكت بلحظة أبدية في بنيتها السردية كان من المفترض أن تدفع بالفن القصصي العراقي إلى مرحلة جديدة، لكن ظلت ـ الوجه الآخر ـ شاخصة كمعلم فني وحيد جوار ـ نشيد الأرض ـ وبعض أقاصيص سابقة أسست لفؤاد وعبد الملك إلا وهي أقاصيص ـ يوسف متى ـ الذي ضاع أثره، إلى فترة متأخرة نسبياً بسبب التسيّس الحاد للمجتمع العراقي في أعقاب وصول العسكر إلى السلطة في 14 تموز 1958 حيث طغت الشعارات السياسية الفجة على مناحي الحياة وألسنة العراقيين، أعقبها تناحر دموي بين رؤوس السلطة العسكرية انعكس سلباً على النص الفني، وأستطيع القول: أن التناحر اللامعقول ألقى ظلاله المعتمة على بنية السرد القصصي، حيث انشغل العراقي وقتها بمحنة المحافظة على الكينونة.. سلامتها خشية بطش السلطة.. كان ذلك لفترة ليست بالطويلة إذ سرعان ما أستعاد جيل الستينات الذي شبَّ في لحظة انحسار الأحلام وتألقها.. بين واقع بحور الدم التي أغرقت القوى المتصارعة وحلم ثورة تحقق عدالة مستحيلة.. وفي سنوات ضعف السلطة العراقية النسبي بالفترة الواقعة بين 1964 ـ 1970 في تلك الفترة من تأريخ ظلال الحرية في العراق ولد جيل الستينات الأدبي المتمرد متأثراً بأفكار سارتر وكاموا الوجودية، وبأفكار جيفارا الذي ذهب إلى حلمه وحتفه في أرياف بوليفيا.

أستطيع القول ـ فيما يخص ما ركزتُ عليه ـ: أن النص القصصي العراقي أنتقل أبعد في تأمله بالشأن البشري، متخلصاً من كل أدران الأيدلوجيا السياسية والتي أخذت طابع العشائرية في بنية المجتمع العراقي.. وذلك في نصوص ـ جليل القيسي ـ ( صهيل المارة حول العالم ) الصادرة عن دار النهار اللبنانية 1968. و ـ محمود جنداري ـ في ( أعوام الضمأ ) 1969. و ـ عبد الرحمن مجيد الربيعي ـ في ( السفينة والسيف ) 1966. و ـ أحمد خلف ـ في ( نزهة في شوارع مهجورة ) 1974. و ـ فهد الأسدي ـ في ( عدن مضاع ) .

وـ موسى كريدي ـ في ( أصوات المدينة ) 1968. وـ عالية ممدوح ـ في ( هوامش السيدة ب ) الصادرة عن دار الآداب بيروت. وـ محمد خضير ـ في ( المملكة السوداء) 1972 المكثفة بنصوصها الثلاثة عشر، وكأنها البوابة التي أفضت إلى تلك اللحظة الكامنة بين الحلم واليقظة.. اللحظة الوهم التي لا هي واقع ولا هي حلم.. لحظة تشبه أحلام اليقظة..تذكر الحلم.. أو حلم دائم يحياه القارئ لحظة القراءة.. ومن يريد استعادة مثل هذه اللحظات فما عليه إلا الاستغراق في عوالم نصوص ( أمنية القرد ) وحتى النص الثالث عشر ( التابوت ).

لم يترك القاص ـ محمد خضير ـ ثيمة في التجربة العراقية إلا وتناولها في نصوص مملكته السوداء، الحب، الحرب، الفقدان، الاغتراب، الفراق، الطفولة.. بـ ـ محمد خضير ـ أصبح من العسير على الكتاب الشباب إيجاد أسلوبهم دون المرور بأسلوبه المذهل؛ السهل ظاهراً.. العسير المنال جوهراً.. هذا ما حدث للعديد من الشباب المبدعين قبل أن يعثروا على صوتهم الخاص..

لم يستمر الأمر طويلاً، فسرعان ما ساد خطابان أيدلوجيان متناقضان تحالفا حلفاً شكلياً طوال فترة السبعينات من القرن العشرين المنصرم: البعثي والشيوعي؛ حيث طغى الخطاب الأيدلوجي على كل ما هو متأمل وحقيقي.. لينتهي بتناحر لا يختلف في جوهره عن تناحر أواخر الخمسينات وأوائل الستينات. سحق مطلق للرأي الأخر، وتسييس قسري لكل عراقي شاء أم أبى، فأتت الحروب كمحصلة وكنقطة تحول في حياة المجتمع العراقي المعاصر والنص القصصي العراقي.. وما أعقبها من دمار وتشديد الإرهاب والهجرات الواسعة للكتاب والمثقفين.

وضعت الظروف الجديدة القصة العراقية في امتحان عسير حيث ضغطت السلطة باتجاه تشجيع تيار أدبي مجّدَ الحرب والقتل؛ فظهر العديد من الكتاب الشباب الجدد أنصاف الموهوبين الذين كتبوا سيلاً من النصوص الركيكة المتغزلة بالحرب والقتل والضباط والقادة في محاولة لإضفاء الشرعية على ذلك الموت المجاني الذي طال العراقي المساق إلى النار قسراً. هذا التيار الجارف المعروف والموثق في كتب صدرت تحت لافتة ـ قصص قادسية صدام ـ أربك العديد من المبدعين ـ جيل الستينات ـ الذين عايشوا الوضع في الداخل، فأدى الوضع الجديد ومنذُ أواسط الثمانينات إلى بروز تيار جديد في القصة العراقية فرضته ظروف الحرب.

تيار نأى عن نصوص الحرب المؤدلجة الممجدة لفعل الشر ـ الحرب ـ، واستدار عن مأزق الإنسان العراقي وأمكنته الممزقة بآثار الحرب الطويلة والمستمرة، ليدخل مأزقه الخاص ويتغرب عن عصره منشغلاً بكائنات أساطير بلاد الرافدين القديمة والأمكنة المندثرة لحضارات ازدهرت ما بين النهرين وبشرها المختلفين عن بنية العراقي المعاصر الأقرب إلى بنية حضارات مازالت حية كالإسلام والمسيحية، مما جعل الرموز ومدلولاتها محصورة بحدود النص ومصادر الكتب القديمة وأطلال الأمكنة، مما أدى إلى خلق بنية سردية مبتكرة وجديدة على السرد العراقي والعربي، فالتبست طريقة السرد حتى على كاتبها لدى ـ محمود جنداري ـ الذي تفجر في مجموعته القصصية ـ مصاطب الآلهة ـ فظن أنه يكتب نصا بلا حبكة في محاضرة في اتحاد الأدباء في العراق كما ذُكِرَ في مقدمة المجموعة الصادرة عن دار أزمنة ـ الأردن ـ، لكنني وجدت فيها لدى تحليلها نصاً تأتى حبكته من سبر غور التاريخ والدم المساح في العراق في نشيد أعمق من الشعر أفضى به إلى زنزانة الإعدام ثم إلى الموت بالسكتة قبيل صدور مجموعته المشار إليها.

ولدى المخضرم والمجدد ـ محمد خضير ـ تحول النص إلى معمار لغوي ينحت ماضي الأمكنة مطعماً بألغازها وأحجيتها الملتبسة في غموض يقتل المدلولات قصة ( رؤيا البرج ) وحول بعض قصصه إلى أحجية كقصة ( صفيحة التساؤلات ) وغيرها من مجموعته القصصية ـ رؤيا الخريف ـ الصادرة في الأردن أيضا.

ولدى ـ جليل القيسي ـ المميز بأسلوبه الواضح إذ تحولت القصة لديه إلى بنية الحكاية السابقة لمفهوم النص القصصي الحديث ( مملكة الانعكاسات الضوئية ).. وبعض أقاصيص ـ لطفية الدليمي ـ ذات المسحة الصوفية. ومحصلة هذا التيار إغناء القصة العراقية والسرد العراقي والعربي بأشكال وبني سردية جديدة من جهة، وَتَغرب النص العراقي عن مأزق العراقي زمن الحرب حيث كان الإنسان العراقي بأمس الحاجة إلى متخيلٍ فني يعادل قباحة الواقع ويجعل من الحياة أكثر احتمالاً.

بالعكس من التيار المذكور، ومنذ أواسط الثمانينات أيضاً بدأت تنمو خارج العراق قصة منفى عراقية تميزت دون كل التجارب الأخرى كونها لصيقة بما يجري للعراقي في الوطن، سرعان ما رسخت كمصطلح جديد في الأدب العراقي السردي يستند إلى نصوص نُشرت لكتاب تبلورت موهبتهم ورؤاهم الفنية والفكرية في أجواء الحرية المكتسبة من فعل النفي العراقي بدوافعه الأيدلوجية ـ السياسية المختلفة عن واقع المنفى العربي عدا التجربة الفلسطينية المفترقة بدورها عن جوهر تجربة النفي العراقية، مما جعل النص القصصي العراقي المكتوب في المنفى يطرح إشكاليات جديدة في القص العربي المعاصر تختلف عن إشكاليات أدب المهجر اللبناني السوري في بدايات القرن العشرين، وعن أدب المقاومة الفلسطيني، فما زال المنفي ـ المبدع ـ العراقي يحلم بعودة قريبة؛ ينام ويصحو عليها منذ لحظة مغادرته تراب وطنه، يحلم.. ويحلم بالبشر والأمكنة مما جعل نصوص الكتاب المنفيين تبدو وكأن كتباها يعيشون في العراق لكن لديهم حرية التعبير عن المأزق الذي يعيش فيه العراقي دون رقيب، فعرضت تلك النصوص محنة العراقي في ظل الديكتاتورية والحرب وظروف القسوة بوضوح، خوفه، استلابه، أحلامه، تشوّهه، موته العبثي..

نجد ذلك في نصوص جنان جاسم حلاوي ( قصص الحب.. قصص الحرب ).. التي تناولت معضلة الإنسان في ظل الحرب العراقية الإيرانية وهموم الجنود في الجبهات وفي الإجازات في المدن، ونجم والي في مجموعته ( ليلة ماري الأخيرة ) التي تناولت نصوصه فيها أوضاع مختلفة للبشر من أطفال وجنود زمن الحرب، وكريم عبد في ( الهواء يوشك على الوجوم ) التي تناول في نصوص عدة محنة الموت في الحرب سواء في جبهة الحرب العراقية الإيرانية أو في الجبل بين الثوار، وشاكر الأنبا ري في ( ثمار البلوط ) .. و ( أنا والمجنون ) إذ تناولت بعض نصوصه محنة الجندي الهارب من الحرب وطريقة تسلله إلى الجبال لعبور الحدود قصة ـ ثمار البلوط ـ وموضوعات تتعلق بمحنة الإنسان في زمن الحرب والدكتاتورية في نص ـ دكة الموتى ـ وغيرها، وكاتب هذه السطور في مجموعته الأولى ـ رؤيا اليقين ـ 1994 دار الكنوز الأدبية ـ بيروت. التي تناولت نصوصها السبعة محنة العراقي في تجربة الثوار في الجبال شمال العراق، و ـ سرير الرمل ـ دار حواران دمشق 2000 التي تناولت في نصوصها مأزق الإنسان في المنفى، والحب في الصبا والشيخوخة، أضافة إلى تيمة فقد الأحباب في المعتقلات والحرب، وسلام عبود في ـ العودة إلى آل أزيرج ـ و ـ ضباب أفريقي ـ الصادرة عن دار المنفى 1998.

وعندما يخوض النص في كينونة المنفي ومعناه يكون شديد التوتر، يفيض بالقلق المتولد من تقاطع الشعور بوقتية النفي وطول زمنه؛ ـ إبراهيم أحمد ـ في ( بعد مجيء الطير ). ـ حسين الموزاني ـ ( خريف المدن ). أما ـ هيفاء زنكنة ـ فقد صدرت لها مجموعة ـ بيت النمل ـ التي خاضت في جميع نصوصها بالخراب الروحي الذي يورثه المنفى بكينونة المنفي. كما لابد أن نذكر ـ علي عبد العال ـ في مجموعته ـ العنكبوت الصادرة عن دار المنفى ـ السويد 1997 ـ التي تناول فيها محنة المنفى في نص طويل وجميل من نصوص المجموعة.

بالإضافة إلى انشغال العديد من النصوص في إعادة بناء أمكنة الطفولة وشؤونها في العديد من نصوص الكتاب المذكورين وبروح مختلفة متأتية من خصوصية إلتباس تجربة النفي العراقية، تجلى ذلك بتميز لدى ـ جبار ياسين ـ في ( وداعا أيها الطفل ) المركز العربي للفنون والآداب ـ بلجيكا ـ بروكسل 1995. إذ مزج الطفولة بالواقع السياسي العراقي الدامي.. فجاءت القصص بعيني طفل يرى العنف في الشوارع زمن الانقلابات العسكرية أواخر الخمسينات وخلال الستينات. أما لدى ـ سالمة صالح ـ فتحول النص إلى رسم أمكنة الطفولة وحكاياتها بأسلوب طغى عليه العاطفة الجياشة وأغرقه الحنين في ( زهرة الأنبياء ) دار المدى 1994.

أما أساليب القص فمتنوعة في تقنياتها ومذاهبها من أسلوب القص التقليدي كما لدى ـ علي عبد العال ـ و ـ سلام عبود ـ إلى أسلوب السرد الحديث والمبتكر كما هو لدى ـ جنان جاسم حلاوي ـ و ـ جبار ياسين ـ . رغم هذا التباين الأسلوب الغني فقد تميزت لغة النصوص بالوضوح والرشاقة والتكثيف والبناء بالمتانة، عدا أن غالبية المبدعين المذكورين مثقفين يمارسون الكتابة النقدية الإبداعية في الصحف والمجلات العراقية الصادرة بالمنفى والعربية.

( لابد من الذكر هنا أن الكتاب المنفيين من الأجيال السابقة لهذا الجيل استمرت بالنشر وبنشاط مجاميع قصصية أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر؛ ـ فاضل العزاوي ـ، ـ محمود سعيد ـ، وغيرهم لكن النصوص التي أطلعت عليها متخلفة من ناحية الصوغ الفني وطريقة تناول الموضوعات عن الجيل الأنف الذكر... وهنا أود تذكير القارئ بأني أقصر حديثي هنا عن ـ القصة ـ وليس الرواية التي ساهمت الأسماء المذكورة فيها وكانت جهدها الرئيسي في الكتابة والنشر ولي وقفة معها في موضع أخر يخص الرواية العراقية..).

منذ أوائل التسعينات بدأ يتبلور تيار جديد من القص العراقي.. هو جيل من الكتاب الشباب خارج لتوه من هول الحروب، الحصار، الجوع، القمع، ملتجئا إلى معسكرات اللجوء في دول الجوار؛ إيران والسعودية أو تشّرد بين عمان ودمشق ودول اللجوء في أنحاء العالم. ويظهر لاحقا كتاب ممن بقوا داخل الوطن يعانون ويكتبون بصمت وبطريقة مبتكرة وجديدة. هذا المخاض القصصي العراقي المحتدم احتدام الواقع العراقي الثقافي والاجتماعي والسياسي نشر أظهر أسماء طموحة بدأت بالتنظير قبل تحقق النص مثل جماعة البصرة التي نشرت بياناً وضعت له عنوناً عريضاً يقول ـ مختبر جماعة البصرة أواخر القرن العشرين ـ وعنوان طبيعة الموضوع ـ أنساق القصة القصيرة جداً ـ إضاءات الرحلة ـ هواجس التجربة ـ ووقع هذا البيان؛ قصي الخفاجي/ كاظم الحلاق/ نجاح الجبيلي/ كريم عباس زامل/ محمد عبد الحسن.

لست بصدده لأني لا أميل إلى التنظير قبل النص.. لكنني تابعت ما استطعت من نصوص لهذا الجيل فوجدتها مهمومة بمواضيع جديدة، مختلفة تماما تروي ما لم يروه جيل الستينات المتواجدة رموزه في اللحظة الراهنة في العراق والمنفى، وما لم يستطع أن يرويه الجيل الناضج فنياً الذي ترعرع في المنفى، لكنني تلمست في غالبيتها تخلفاً من ناحية وعي السرد لذاته التي حققتها الأجيال السابقة، فالنصوص التي أطلعت عليها متشظية، تريد قول كل شيء.. كل المآزق.. كل الهموم الفلسفية.. كل تفاصيل التجربة دفعة واحدة لا تتيحها القصة القصيرة كقالب فني محدود المساحة، مما شظاها بنيةً ولغة، وهذه قراءتي استمرت طوال تسعينات القرن الماضي. وهنا لابد أن أضيف العديد من الأسماء التي أصدرت مجاميع قصصية من هذا الجيل أذكر منهم ـ محسن الرملي ـ، ـ هادي السعدون ـ عدنان حسين أحمد ـ، المرحوم ـ محمد الحمرني ـ وغيرهم.

وهذا الجيل يحتاج إلى دراسة نقدية مستقلة تقلب جهده ومساره في مسيرة القصة العراقية لست بصددها الآن. كنت وقتها أتساءل مع نفسي:

ـ هل سيبلور هذا الجيل الشاب الجديد ـ عند استواء نضجه الفني القريب الأكيد ـ سرداً فنياً جديداً في القصة العراقية جديرة به لما لها من فرادة في التجربة تختلف كليا عن المحيط العربي والأجنبي الملاصق لها؟!.

وكنتُ واثقا من ولادة أو بقولٍ أدق تميز نصوص تطور ما وصل إليه النص القصصي العراقي.. وكنت أنتظر ذلك بحرارة.. وتحقق هاجسي حينما قرأت مجموعة القاص العراقي ـ نعيم شريف ـ ( عن العالم السفلي ) الصادرة عن دار الشجرة دمشق 2000. ( يجد القارئ تحليل لقصص المجموعة في هذا العدد من القصة العراقية ) ومجموعة القاص ـ لؤي حمزة عباس ـ ( على دراجة في الليل ) الصادرة عن دار أزمنة 1997 الأردن.

ومجموعة القاص ـ جلال نعيم ـ ( بينما يحدث في بغداد الآن ). الصادرة عن دار ألواح 2007. تأكد هاجسي وثقتي بالعراقي المبدع والحياة. ولي وقفة خاصة في تحليل نصوص الكتب التي أشرت إليها لتبيان ما أضافته للقصة العراقية القصيرة من تجديد وعمق يمس جوهر العراقي كذات في المنفى وفي العراق.. أعمار القصاصين متقاربة اثنان منهم في أمريكا وواحد في البصرة..

هذا التشخيص يتعلق بما وقع بين يدي من نصوص هؤلاء الكتاب، فعذرا لمن لم أطلع على نصه أو ما كتبه فهنالك الكثير والعراقي معطاء رغم الجهل وقيم مجتمعه المغلق الذي لجأ إلى بنية متخلفة في هذا الزمن بنية العشيرة السابقة للدولة.

سلام إبراهيم -قاص وروائي عراقي

جمعية فتاة البدائع
24-Jan-2008, 10:56
بعمر الشعب العراقي كان ابداع العراقيين شعرا و نثرا
ارض الحضارات انجبت السياب شاعرا ابكاني مع كل قطرة مطر
ومنها كان المبدعون كتاب و قاصين
اشكرك اخي على هذا العرض الرائع

bode
24-Jan-2008, 11:16
كما تفضلت اختي
ان تاريخ بلاد الرافدين متشح بالحزن والسواد وما يتبعه من معاناة
تترك اثرها في الثقافة المحلية التي انتجت عمالقة من الشعراء
والكتاب والرواة

شكرا لمرورك وتعليقك

bode
01-Feb-2008, 05:21
http://www.middle-east-online.com/pictures/biga/_57667_salim.jpg

حركة العطاء الثقافي للشعوب لا تنقطع

سر طغيان السياسي على الثقافي في العراق

حركة الثقافة العراقية ومجريات أوضاع
المثقفين امام تحدي 10 الاف سنة من العطاء.

عُرِف العراق بأنه موئل الكتاب وسوقه، إذ أنَّ العراقي شغوف بالقراءة حتى لم تكفِهِ مطابعه وإنتاجها، وهو أساسا لا يكتفي بمنتجه المعرفي على الرغم من تنوعه بل اتجه دائما لقراءة النتاج الثقافي الإنساني ما جعل المكتبة العراقية غنية دائما ممتلئة الرفوف بأنواع الكتب الصادرة في محيطه الإقليمي القريب والدولي البعيد...

وليس غريبا على العراقي بأطيافه ولغاته القومية المتعددة مثل هذا الأمر فهو سليل أجيال أسَّست أول مدرسة وكتبت أول حرف وبَنَت أول مكتبة وكانت عاصمة عالمية للمعرفة حيث زمن دار الحكمة والجامعة المستنصرية..

ولقد اعتنى العراقيون بسوق الكتب وبمكتباتهم العامة والخاصة والشخصية.. لكنَّ ذلك لم يكن إلا مفردة بين مفردات حركة الثقافة لديهم.. إذ أنَّ أسس حركة الثقافة موجودة في عناية الأسرة العراقية بإرسال أبنائها وبناتها إلى المدرسة وهي الأسرة التي توفر من قوتها البسيط بنزره اليسير نسبة مميزة لشراء الكتاب.. وهي الأسرة ذاتها التي تنقل جينات الموروث الثقافي الثرّ للأجيال الجديدة...

وكان لهذا الاتساع والاهتمام الشعبي الكبير بالثقافة نتائجه في تصدّر عمالقة المعرفة العلمية والأدبية ونتاج الثقافة إقليميا وإنسانيا.. فمن منّا لا يعرف عبدالجبار عبدالله العراقي بنتاجه العلمي وهو الصابئي المندائي المتنور الذي ظل يحتفي بعراقيته وسمو روحه الوطني هلى كل السمات الأخرى لمفردات هويته؛ ومن منّا لا يعرف عبدالله كوران العراقي بنتاجه الشعري الكردي الخالد أو محمد مهدي الجواهري العراقي بنتاجه الشعري العربي الغزير الخالد.. وكلاهما يرفعان رايات العراق واسمه عاليا...

والثقافة ممثلة بنتاج أدبي أو معرفي أو بموروث القيم والتقاليد البناءة بهويتها الشعبية تظل سمة لأنسنة أنشطة البشرية ورقيِّها وسموها بمنطقها العقلي التنويري ومُثُله الجمعية المشتركة التي تُعلي من الوجود الاجتماعي للإنسان من دون أنْ تُهمل أو تغفل وجوده الفردي المبدع والمندمج بالجماعة البشرية...

إذن، لقد احتفى العراقيون بالثقافة إكراما لمنطقها التنويري وإعلائها للعقل وإنتاجه وأثره في توجيه السلوك الاجتماعي بأوسع قيمه.. وبات المجتمع العراقي يُكرم مثقفيه وينزلهم المنزلة العليا منتظرا دوما أنْ يعود ذلك عليه بالصحة وبمعالجة معضلاته ورسم الخطوط الاستراتيجية الكبرى لمسيرته وهويته...

ولم يكن لوجاهة في المجتمع العراقي أنْ تتقدم على وجاهة الحكيم فيهم أي المثقف صاحب رجاحة العقل وسعة المعرفة ورحابة الصدر وعظيم الخبرة... وذلكم يؤكد أهمية الردّ من جانب المثقف كما هي التقاليد الثقافية الرصينة لتاريخ الثقافة العراقية بعطاء جدي حقيقي ينطبع بلسما في كل مفاصل يوميات العراقي...

وبعد هذه الكلمات العجلى لابد من توكيد تلك المقولة التاريخية التي رأت في ديمومة انتصار الثقافة العراقية أيام سومر وآلاف سنين الشدائد التي كان العراق فيها ينكسر عسكريا ولكنه يغلب ثقافيا وينتصر لوجوده وهويته معاودا باستمرار مواصلة مسيرته بفضل تلك الخلفية أو ذياك الأساس الثقافي المتين...

فهل سينطبق هذا التاريخ وعراقته على حاضرنا ومستقبلنا؟
وهل حركة الثقافة العراقية ما زالت بخير وقادرة على مواصلة مسيرتها المخصوصة؟
وما إشكالاتها القائمة اليوم؟

ينبغي قبيل الإجابة عن مثل هذه الأسئلة أنْ نشير إلى أنَّ الثقافة الإنسانية في ظل مراحل نشأة المجتمع البشري انطبعت بالتنوع بحسب إمكانات الاتصال وطبيعة ذاك التفاعل والمتاح له بطريقة مباشرة وغير مباشرة.. فيما هي اليوم تمتاح من حالة التداخل والتقارب والاتصال المباشر بما يكفي للحديث عن الوحدة الإنسانية الكونية التامة في التنوع والاستقلال لكل هوية تمتلك فرصها للعطاء ذاتيا وموضوعيا...

ونحن نقرأ أوضاع المثقف العراقي، أسّ الثقافة العراقية، وهو في شتات المنافي يساهم بدوره المميز على أساس ما امتلكه من خلفية متينة وقادرة على العطاء والتأثير وهو كذلك نسبيا في الإطار المكاني العراقي بسبب من محاصرته بأدوات معاداة الثقافة وآليات اشتغالها...

إنَّ حركة الثقافة عامة والعراقية خاصة ليست منجزا شعريا على أهمية هذه المفردة وهي ليست منجزا معرفيا في ميدان تخصصي بعينه وهي ليست مفردات لعلم نفس أو اجتماع أو لعلم أدبي أو لظواهر سلوكية وأدائية اجتماعية بعينها بل هي كل ذلك مجتمعا...

وعليه فما دام العراق وطنا يشيده (شعب) فلابد لهذا الشعب من نتاج ثقافي يطبع وجوده ومستويات عيشه وآليات حركته... كما ينبغي أن نؤمن بأنَّ مثقفي هذا الشعب يمتلكون الفعاليات والفاعلية في العطاء بمقدار ما يُتاح لهم من فرص العمل وفرص التقديم والعطاء...

ولأنَّ الشعوب لا تموت، ولأنَّ حركة عطائها الثقافي لا تنقطع.. فإنَّ لهذه المرحلة على أزمويتها وتراجيديتها فرصَ العطاء الثقافي بمعنى وجود العلائق الإنسانية الصحية الصحيحة والسلوكيات القويمة وإنْ تنَحَّتْ بفعل سيادة منطق الجور والظلم وعتيِّ سطوة الطغيان وقسوة العنف والمصادرة المسلحة للطبيعي في يوميات المواطن العراقي...

ألا ننظر إلى رسوخ العلاقة بين الإنسان العراقي ووطنه واسمه وهويته؟ ألا ننظر إلى ثبات العلائق الاجتماعية الوطنية على الرغم من عنف قوتين همجيتين وهول تخريبهما وتعرضهما لهذه العلائق: الإرهاب والطائفية؟ ألا ننظر إلى عمق جذور القيم السامية لوجود المجتمع العراقي موحدا معتزا بغناه في تنوعه وتعدديته.. وفي احترامه لمكوناته جمعية وفردية؟

لكن ما يطفو على السطح ليس بالضرورة هو ما يمثل السمة الجوهرية لوجود إنساني بعينه كما في العراق.. وإنما سبب ظهوره وسيادته إنَّما يكمن في فرصة العنف والقوة السلبية في السطو المؤقت على الحياة الإنسانية ومفرداتها إلى جانب وجود أمراض تصيب الثقافة وحركتها ومنتجيها مثلما تصيب الجراثيم الجسم بأمراض بعينها....

وللحقيقة لابد لنا من الاعتراف بوجود مثل هذه الأمراض في حياتنا الثقافية: حركةَ َ وشخوصا حقيقية ومعنوية [مثقفين ومبدعين وجمعيات وروابط ومنظمات].. وفي ضوء هذا الاعتراف سيمكن قراءة الوضع القائم بتفاصيل قدرات التقدم وعقبات التراجع والاحباط...

لقد انجلت يوميات العراقي البسيط عن ظروف قاسية من العنف وسطوة القوى المسلحة ما أدى إلى مشاغلته بالتهديد الخطير للآلة الجهنمية التي تستبيح حياته مهددةَ إياه وعائلته ومحيطه بالخراب والدمار المأساويين... وفي ظل مثل هذه الحال نجد العراقي يعاني في محاولاته التشبث بأية قيمة من قيم الاستقرار الإنساني والبناء عليها لقيم العلائق الصحية المنتظرة..

ومن ذلك ما يخص تشبث العراقي بمكانة العلماء والحكماء المثقفين فيه وإنزالهم منزلة التميّز على الرغم من غبار الراهن وهزات الواقع يوميا وفي كل ساعة بفعل متفجرات لا الموت الجسدي لأبناء العراق بل والخراب الروحي..

إذ من أين يمكن للعين البحث في جماليات القبح مضافا عليها تراجيديا العنف الدموي التي تستبيح الجسد بعدد ولكنها في الحقيقة تستبيح الروح بأعداد مضاعفة ومفتوحة على ما لا نهاية أي حتى منتهى الوجود الكامل للعراقيين...

هذه واحدة من أخطر عراقيل أو عقبات الحياة الثقافية.. وكل ما هو موجود بالفعل ليس سوى تشبث ببقايا صور استعدادا لانبعاث قابل مجددا وولادة حيوية تالية. إذ لا تعايش بين الثقافة واللا- استقرار وما يمكن أن نسميه تجاوزا ثقافة العنف والدم والجريمة هو توكيد لحقيقة انتفاء قيم إنسانية صادقة تعتمد خطاب الثقافة...

إنَّ الذي يجري هو تشويه متعمد وضرب لحركة الثقافة وعطائها وإمكان مواصلتها مسيرتها، طبعا لمصلحة طغيان لا تهمّه إلا مصالحه الخاصة بالمطلق.. في سابقة للعودة لزمن العبودية بطريقة أبشع...

فما التشوهات التي نرصدها في حركة الثقافة العراقية؟ وما العقبات التي تنال من مثقفينا؟

إنَّ أخطر تلك التشوهات هي تلك المتعلقة بمفاهيم دخلت حركة الثقافة والثقافة نفسها من بوابة زمن طويل من السحق وعقود من الهيمنة لفلسفة المصادرة والاستلاب ومن ثمَّ رؤى لتفريغ الثقافة من جوهرها الإنساني وتسطيحها وجعلها تتناغم ورغبات مرضية لطبقة تحكمت بالحياة العامة وبيوميات الناس فدفعت بكل بهرجة وتطبيل وأشغال الإبهار الشكلاني لتمثل التناول الذي طفا وسيطر على المشهد الثقافي بعامة..

وإذا كنّا نؤكد أنَّ ذلك لم يلغِ الثقافة الحقيقية وجوهرها على الرغم من تحييدها وتنحيتها ووضعها على أرصفة التهميش.. فإنَّنا في الوقت ذاته نعترف بسيادة السطحي والمرضي المشوّه وبروزه بكل ما لهذا المشهد من آثار سلبية خطيرة..

ويمكننا هنا أنْ نرصدَ خطاب الفردنة والشللية والاصطراعات بين موضات وأشكال طارئة وتنافسا محتدما بين تلك الأطراف على أسس سباق مادي رخيص، لا يلتفت إلى / ولا يهتم بـِــ الجوهري لمادة الثقافة الإنسانية من قيم روحية ومنطق عقلي موضوعي يستهدف الجمعي والفردي بطريقة متزنة صحيحة..

وفي ظل هذا المشهد تحديدا تظهر حالة تقديم خطابات دخيلة على الخطاب الثقافي نظرا لتسطيح هذا الخطاب وتفريغه من جوهره ومحتواه وتطغى آليات الخطابات الدخيلة على آليات الخطاب الثقافي مغيِّبة ذلك أو مهمِّشة حتى لا نرى من ممارسات حركة الثقافة إلا ممارسات داخلة في الخطابات الأخرى وآلياتها كما هو حال تغليب السياسي على الثقافي بوعي أو من دونه وبمعرفة أو من دونها وهو الأمر الذي لا يُتاح راهنيا فرصة معالجته جذريا.. بل نعيش آلامه وجراحه الفاغرة وتداعياته بمزيد من الاحباطات والتفتقات المرضية...

وإذا سألني سائل عن سرّ طغيان السياسي على الثقافي فإنني أقول: إنَّ ذلك يعود لقرب السياسي من المباشر ومن الإجرائي والعملي التطبيقي في يوميات الإنسان العادي منه إلى بُعد الثقافي عن العملانية الإجرائية ودخوله في التنظيري الفلسفي فضلا عن حاجة فرص نتائجه لمديات زمنية بعيدة قبل أن تبدو متمظهرة في شكل سلوكي أو عادة أو تقليد أو شعيرة أو ما شابه...

فالثقافة ليست قرارا إداريا ولا تخضع لمثل هذه الأمور الإجرائية؛ وحركة الثقافة محكومة بحركة المجتمع البشري وعوامل فاعليته أو تلكؤه وعرقلته وما يكتنفه من ثغرات... وفي ضوء ذلك سنجد النتيجة في مجتمع جرت عملية تشويه القيم فيه متجهة نحو كفة التشويه أو واقعة في كفة الاستسهال من جهة وسمات الهروب فضلا عن خلط الأوراق والخطابات بطريقة غير موضوعية...

في مثل هذه الأجواء نلاحظ أن الجماعة الثقافية لا تظهر في ضوء جوهر إبداعي وقيم روحية عميقة بقدر ما تظهر على أسس لقاء شللي [من الشلّة أيّ الجماعة المرضية أو الطارئة] طارئ سرعان ما ينهار بالانتقال للممارسة الحياتية... وبدل من التعبير عن الجماعة التي تنسجم ومذهب أدبي أو فني أو فكري أو آلية أو طريقة للتعبير عن نشاط أو فعل إنساني عميق سنصطدم بشلّة لا جامع بينها إلا حالات من الادعاء أو المستهدفات العرضية المؤقتة.. وتلكم من عقبات حركة الثقافة وتنظيمها...

وهذه الأجواء هي بالضبط ما تحتوي على فردنة الأمور وظهور الحساسيات المرضية ونوازع الاختلاف والتشظي والتقاطعات والاصطدامات التناقضية بين أغراض الأفراد وتطلعاتهم ورغباتهم ومواقفهم الشخصية في الأنشطة والعلاقات وهذا ما ينعكس سلبا على تطور العلاقات الاجتماعية واستقرارها وعلى توافر أجواء تطور الحياة الروحية الثقافية...

فيما يكون من الطبيعي أن تميل حركة الثقافة لتشكيل أطر تنظيمية مناسبة لها بسبب من العلاقة المكينة بين الثقافة والعمل الجمعي المنظم بوصفه العمل الأنسب للتعبير عن فعالية الخلق الثقافي، ولكنها لن تنجح في هذا من دون ضوابط ومحددات حضارية تتناسب والمستوى الراقي المميز لمعنى ثقافة ومن دون تجنّب ما أشرنا إليه من أمراض الشللية والفردنة أو الشخصنة المرضية في أغلب أحوالها...

ويمكن التمثيل لقضية محاولات العمل من أجل ولادة تنظيم للثقافة العراقية بصيغ الروابط والجمعيات والمؤسسات والبرلمانات والجماعات الثقافية بأية مناهج أو آليات عمل، فنجد أنَّ أغلب تلك المحاولات باءت بالنهايات السريعة والتوقف عن مواصلة المشوار حتى بات كثير ممن تابع تلك التجاريب في حالة إحباط وهلع من ولادة أية تجربة جديدة...

ونضيف هنا ظهور نتائج عرضية من نمط التشكك والظنية بالآخر الذي يواصل مشوار التحدي والمحاولة فيـَـصِل إلى موضع التأويل ومن ثم اتخاذ موقف خاطئ في ضوء المنطلق التأويلي المعوج الخاطئ.. وتتحطم علائق جدية وتنخلق حواجز تطفو منها حال التمزق ومشهد التشتت والتشرذم..

وبخلاصة القول فإنَّ مجموع تلك السمات المرضية متأتية من شتات جغرافي للمثقف العراقي وتوزع بيئة الحاضن الثقافي بين ثقافات تختلف تماما في خلفياتها القيمية وأشكال تمظهرها. كما أن الجاليات العراقية التي يتصل بها المثقف ومنتجه لم تستقر بعد بوصفها كيانا بهوية مخصوصة ويمكنها أن تتوجه لهذا المنتج أو تعقد الصلات معه...

إنَّ جملة الشروط المادية بالمعنى الواسع للمصطلح تظل عبر تشوهاتها غير قادرة عل توفير الحاضن المجتمعي لحركة ثقافية بالمستوى المميز نفسه للمثقف العراقي.. ومن هنا فإنَّ الثغرة أو المسافة بينهما تظل شاسعة بعيدة لا يمكن أن يتحقق في ظلها نجاح جدي منشود..

إنَّ العلاج المنتظر لن يكون إلا بكفالة علاقة متينة مع وطن مستقر الأوضاع ومنظمات وجمعيات ثقافية وطنية يدعمها واقع حافل بالعلائق الصحية الصائبة بين الشعب جمهورا للفعالية الثقافية ومنتجها القيمي..

وتطبيق هذه الحالة يكمن في فروع لحركة الثقافة وتجلياتها سواء تنظيما موحدا أو مستقلا مدعوما بما يكفي له لإدامة دورة الانتاج والإبداع في مجالات الثقافة كافة...

وكل ما عدا ذلك سيبقى عقبة تثير الإحباط واليأس أو في أفضل أحواله مجرد ومضة طارئة تمضي بلا نتائج ذات شأن وديمومة ما سيعني انقطاع مسيرة حركة الثقافة بهويتها العراقية.. وذلكم ما سيكون سابقة خطيرة أولى بعد تاريخ 10 آلاف عام من العطاء!!!

ولهذه المقاربة متابعة مثلما يطلب كاتبها أولا: رؤى الآخرين في أسئلة حركة الثقافة العراقية؟


د. تيسير عبدالجبار الآلوسي

أكاديمي ومحلّل سياسي - ناشط في حقوق الإنسان

bode
03-Feb-2008, 07:26
غربال الذاكرة : بدر شاكر السياب

في ليلة عيد الميلاد من عام 1964 توفي في الكويت الشاعر العراقي البصراوي بدر شاكر السياب عن 38 سنة ( ولد عام 1926 في قرية جيكور من ضواحي البصرة ) ومثل الكثير من العباقرة في التاريخ الذين عاشوا عمرا قصيرا ترك السياب اثرا رياديا في الشعر العربي الحديث ، تأثر وسيتأثر به الكثيرون ..

وكتب وسيكتب عنه الكثيرون ، ولن اضيف شيئا لذوي الاختصاص لو كتبت في النقد الشعري والبنية اللغوية والنظمية او تحليل الاساليب والمعاني ، او التركيب المعماري لشعر السياب ، ولكنني – وكما اعتدت في غربال الذاكرة – ارغب ان اتذكر لحظات شخصية علقت في الذاكرة عمن اكتب عنهم ، ربما تساعد على تجسيد صورة عن قرب لبعض من صفاتهم وخصائصهم او لحظات حياتية لا يكتب عنها الانادرا !!

عرفت السياب في بداية الخمسينات حيث كنا نلتقي امام واحدة من المكتبات الاربع التي كانت تتوزع في اركان باب المعظم حيث المحطات النهائية لاهم خطوط الحافلات التي تسيرها امانة بغداد في انحاء المدينة ..والتي اعتاد الناس ان يستعملوا كلمة امانة فيتسميتها للباص .. فيقولون ( نركب الامانة ) ..!!

كانت مكتبتنا المفضلة هي الاولى على يمين القادم من الاعظمية ، وكان صاحب المكتبة يهودي عراقي اسمه سميع ، يحب الشعر والادب ، ويسمح لنا ان نقف طويلا امام مكتبته ( التي هي في الواقع كشك كبير ) نتصفح المجلات والجرائد ونطلع على اصدارت الكتب الجديدة . وكان السياب قارئا مثابرا فقد قرأ الكثير في الادب العالمي والثقافة العالمية، كما انه قرأ لكبار الشعراء المعاصرين قراءة اصيلة عن طريق اللغة الانكليزية التي كان يجيدها . وكان يقرأ الكتب الدينية كما يقرأ الكتب اليسارية !!

كانت ساحة باب المعظم - الملتصقة بالسجن المركزي المقابل لوزارة الخارجية- تمتاز بحيوية رائعة تتعدى كونها ملتقى خطوط الباص ، فقد كانت تعج بالطلبة والاساتذة ، الذين يملاْون المقاهي المنتشرة حولها وذلك لقربها من جامعة بغداد وخصوصا كلية الاداب ودار المعلمين العالية حيث كان يدرس بدر شاكر السياب ليصبح معلما !!

كان سميع نادرا ما يتذمر من ازدياد عددنا ونحن نتجمهر امام مكتبته ، نقرأ مجانا ، ونسد عليه باب رزقه !! بل كان يفرح لوجودنا وينشغل عن البيع بالحوار الثقافي وحتى السياسي .. وعندما يقول له احدنا ( كأنك لست يهوديا ) يقول باصرار ( انا عراقي ) ..

كان السياب احد المدمنين على الوقوف امام مكتبة ( كشك) سميع حيث تتحول وقفاتنا تلك الى نقاش وجدل بصورة عفوية ، يشترك فيها من يحضر فيقف دقائق قصيرة او طويلة ، وكنت اصغر الحاضرين سنا ، واقلهم كلاما ، وكذلك السياب على ما اذكر لم يكن كثير الكلام ، ولكنه كان يفتخر انه من البصرة المدينة التي انجبت الاخفش وبشار بن برد والجاحظ وسيبويه والفرزدق وابن المقفع. ..والفراهيدي واضع عروض الشعر !!

وكان يقول انه كالمتنبي ربته جدته لامه ، بعد وفاة امه كريمة بنت مرزوق وهو في السادسة من عمره ، واتم دراسته الابتدائية في البصرة ، وانهى الثانوية عام 1942 ، وفي السنة نفسها توفيت جدته وبفقدانها فقد السياب صدرا حنونا فقرر ترك البصرة الى بغداد ، كما فعل المتنبي قبل الف سنة عندما ترك الكوفة وتوجه الى بغداد بحثا عن افاق جديدة !!

في السنوات التي كنت التقي فيها بالسياب امام مكتبة باب المعظم كان السياب قد تغلب على غربته في بغداد الى حد كبير ووجد اصدقاء بين المثقفين والشعراء الذين اهتموا بعطائه الشعري مع اول قصائده التي نشرها في جريدة الاتحاد وهو مازال طالبا في دار المعلمين التي فصل منها عام 1946 لمشاركته في المظاهرات ضد السياسة البريطانية في فلسطين ! ولكنه عاد لاكمال دراسته وتخرج معلما ليعين مدرسا في ثانوية الرمادي !! ثم منع من التدريس لمواقفه السياسية ، وسجن لفترة ، وتنقل باعمال مختلفة متناقضة مع جسده الضئيل ونحافته الشديدة التي كانت احيانا مادة للتندر بين اصحابه ... وعندما جرحت يده مرة وسال دمه قال احد الخبثاء ( كنت اعتقد ان جسد بدر خالي من الدم !!)

تخيلوا بدر شاكر السياب في الوظائف التي شغلها في تلك الفترة : مأمور مخزن في شركة لتعبيد الطرق ، عامل في شركة التمور العراقية - و مستخدم في شركة نفط البصرة !!

اهتم السياب بما كنت اكتبه وانا ما زلت طالبا في الثانوي ، واغتبط عندما علم انني نشرت اول قصة لي وانا في الصف السادس ابتدائي !وقال انه ايضا بدأ كتابة الشعر وهو طالب في الابتدائية !! وعندما نشرت موضوعا بعنوان ( من انا ) في جريدة الراية الموصلية قرأه ثم نظر الي طويلا وقال ( هذا اكبر من عمرك ..)

واهداني نسخة من ديوانه ( أزهار ذابلة) وقد سحرني كونه رومانسيا غارقا في الرومانسية، كان يعيش في عالم خيالي مليء بالضباب ويعبر عن حزن عميق غامض مليء بالخيالات والاوهام والهروب من الواقع ، وهذا ينسجم مع مشاعرنا في تلك المرحلة حيث تغلب الروح الرومانسية الحزينة الغامضة ونحلم بعالم افضل.

وشجعني السياب على قراءة الكتب السياسة وخاصة الماركسية والتقدمية قائلا انها تفسر لك العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وبدون ادراك ذلك يكون تفكيرنا قاصرا !!

( من المعروف ان السياب ارتبط بالماركسيين عدة سنوات ، ثم انفصل عنهم وارتبط بالاتجاهات السياسية القومية . وكتب سلسلة من المقالات في بداية الستينات من القرن الماضي بعنوان( كنت شيوعيا) ، وقد تبنته بعض الحركات القومية او المناهضة للشيوعية ، مع انه لم يكن منتميا الى أي حزب من الاحزاب القومية. )

في عام 1952 حينما اضطربت الاوضاع السياسية في العراق بعد الانتفاضة اختفى السياب عن مسامراتنا الواقفة امام مكتبة سميع في باب المعظم ، وعلمنا انه هرب متخفيا الى ايران ومنها الى الكويت حيث حصل على وظيفة متواضعة في شركة الكهرباء ! وسافرت انا لاكمال دراستي في فيينا !!

وفي عام 1954 وصلتنا مجلة الاداب وفيها قصيدته الرائعة والفريدة ( انشودة المطر )

ومنذ ان كنا صغارا كانت السماء

تغيم في الشتاء

مطر

مطر

مطر

عدت الى بغداد في تموز 1958 وشاءت الصدفة ان يكون من اوائل الذين التقيت بهم بدر شاكر السياب في مقهى سينما روكسي . وكان يشكو من الام شديدة قال انه يعاني منها منذ سنة .. مرض غامض لم يجد له الاطباء شفاء وكان هذا المرض كفيلا بأن يضاعف حساسيته وقلقه واضطرابه ، ومما كان يزيد من مرارته واضطرابه انه كان يعاني من ضيق ذات اليد .. لقد بقى السياب طوال حياته القصيرة فقيرا ، يعاني العوز و يصارع صروف الحياة القاسية ومتاعبها الكثيرة بلا مورد مالي يضمن له حياة مريحة !!

في تلك الفترة حدثت ثورة 14 تموز ، وكان السياب متحمسا لها ، وشاءت الصدف ان التقيه يوم 17 تموز هو والشاعر المبدع حسين مردان (1927- 1972) امام مطعم وفندق النهرين قرب ساحة حافظ القاضي ، وطلبا مني ان ادعوهما الى وجبة قوزي او تشريب !!

وبينما نحن نتناول غداءنا ، سمعنا ضجة في الشارع صارت تتزايد ، مما دفعنا الى الخروج نستطلع الامر ، فعلمنا بان الناس قد امسكوا بنوري السعيد ، وشاهدنا المنظر البشع لجثته يسحبها الهائجون بالحبال !! وبينما وقف حسين مردان يراقب المنظر بصمت وكأنه لا يصدق ما يرى ، سحبني السياب الى داخل المطعم معبرا عن رفضه وادانته للاعمال الغوغائية التي اعتبرها مسيئة للثورة !

**********

في عام 1961 بدأ ت صحة السياب تتدهور حيث بدأ يشعر بثقل في حركة واخذ الالم يزداد في اسفل ظهره بعد ذلك ظهرت حالة الضمور في جسده وقدميه

انا قد اموت غدا فان الداء يقرض غير وان

حبلا يشد الى الحياة حطام جسم مثل دار

نخرت جوانبها الرياح وسقفها سيل القطار

وظل يتنقل بين بغداد وبيروت وباريس ولندن للعلاج دون فائدة اخيرا توجه الى الكويت للعلاج فتوفي بالمستشفى هناك في 24 كانون الاول عام 1964 عن 38 عاما ونقل جثمانه الى البصرة حيث دفن في مقبرة الحسن البصري في الزبير..

بعد ثلاثين سنة من وفاة بدر شاكر السياب ، عادت سيرته تملاء دارنا في بغداد حيث بدأت هند كامل بتمثيل دور البطولة في مسلسل ( السياب ) الذي كتبه سامي محمد واخرجه فارس طعمة التميمي وانتجه المطرب سعدون جابر والذي يقام بالتمثيل فيه بدور مغني صديق للسياب ومثل دوره حكيم جاسم !!

وكعادة هند كامل عند استعدادها لاداء دور في فيلم او مسلسل تلفزيوني قامت بتحضير نفسها للعمل الجديد، خاصة وانه يدور حول شخصية حقيقية واقعية لا افتراضية ،وكانت اصلا من المعجبين بشعر السياب ، فاخرجت من مكتبتنا المنزلية الكتب التي لها علاقة بالسياب ، واقتنينا كتبا جديدة ، وصار السياب وحياته وشعره شغلها الشاغل لبضعة اشهر وكثيرا ما يصبح الحديث عنه جزء من جلسات السمر مع الاصدقاء ، وفي تلك الفترة ، ومن خلال قراءة هند لسيرة السياب – وهي تحضر لدورها في المسلسل عن حياته – ازدادت معرفتنا بالسياب كشاعر كبير بكل معنى الكلمة ، شاعر ترك وراءه رغم انه مات في الثامنة والثلاثين من عمره ثروة من الشعر الغزير الخصب الذي جعل منه احد اعظم شعراء العربية المعاصرين في تنوع انتاجه وغزارته وشموله لكثير من القضايا والتجارب الانسانية ، وبالرغم من شهرته عاش فقيرا طيلة حياته ونكب بمحنة المرض وهو في قمة شبابه، ورحل بعد ان تألم كما لم يتألم أحد، لقد كان يعاني آلام المرض العنيف الذي سكن جسده ولم يبرحه ولكنه مع ذلك كان يحس بالامل وكان يحتمل في صبر كل جراحه وكان يحلم ان يعود من المستشفيات الى قريته ( جيكور) فيخاطب ربه قائلا :

لانه منك حاو عندي المرض

حاشا، فلست على ما شئت اعترض

والمال؟ رزق سيأتي منك موفور

هيهات ان يذكر الموتى وقد نهضوا

من رقدة الموت كم مص الدماء بها دود

ومد بساط الثلج ديجور

اني سأشفى ، سأنسى كل ما جرح قلبي

وعرى عظامي فهي راعشة والليل مقرور

وسوف أمشي الى جيكور ذات ضحى

وكان السياب يشبه نفسه بايوب حيث ابتلته الاقدار بمرض قاس أليم كما ابتلت أيوب،
وكان عليه ان يصبر ويتحمل كما صبر أيوب .

ففي قصيدته ( سفر أيوب) تعبير عن هذه المحنة التي جعلت منه ايوبا معاصرا:

يا رب أيوب قد اعيا به الداء

في غربة دونما مال ولا سكن

يدعوك في الدجن

يدعوك في ظلموت الموت أعباء

ناء الفؤاد بها فارحمه ان هتفا

اعدني الى داري الى وطني

لك الحمد مهما استطال البلاء

ومهما استبد الالم

لك الحمد ان الرزايا عطاء

وان المصيبات بعض الكرم

فهل تشكر الارض قطر المطر؟

وتغضب ان لم تجدها الغمام؟

شهور طوال وهذى الجراح

ولا يهدأ الداء عند الصباح

ولا يمسح الليل اوجاعه بالردى

ولكن أيوب ان صاح صاح:

" لك الحمد ، ان الرزايا ندى

وان الجراح هدايا الحبيب

اضم الى الصدر باقاتها،

هداياك في خافقي لا تغيب

هداياك مقبولة . هاتها"

فيصل الياسري

فوزيه الخليوى
04-Feb-2008, 08:42
نقل رائع..

لانه منك حاو عندي المرض

حاشا، فلست على ما شئت اعترض

والمال؟ رزق سيأتي منك موفور

هيهات ان يذكر الموتى وقد نهضوا

من رقدة الموت كم مص الدماء بها دود

ومد بساط الثلج ديجور

اني سأشفى ، سأنسى كل ما جرح قلبي

وعرى عظامي فهي راعشة والليل مقرور

وسوف أمشي الى جيكور ذات ضحى

نسأل الله العظيم ان يغفر ذنبه ويتجاوز عنه ..وان يجعل ما اصابه كفارة

bode
06-Feb-2008, 02:11
شكرا لك المرور والتعليق

اخت فوزيه

محمد س
12-Feb-2008, 07:27
شكرا على الموضوع

bode
13-Feb-2008, 02:31
حكايات عن السياب .. تراجيديا الحب والموت


مرت الذكرى الثالثة والأربعون لرحيل الشاعر الكبير بدر شاكر السياب في الرابع والعشرين من ديسمبر الماضي، حيث ودع الحياة في الرابع والعشرين من ديسمبر 1964 بالمستشفى الأميري في الكويت، ولم يكن معه سوى صديقه الشاعر الكويتي علي السبتي الذي دفنه في مقبرة الزبير في منتصف الطريق بين العبدلي ومركز مدينة البصرة.

لم يعش طويلاً ولم يكمل عقده الرابع، فقد ولد عام 1926 في البصرة ورحل عام 1964، ولكنه ترك لنا نتاجاً شعرياً غزيراً، وحقق المعادلة التي عجز شعراء العربية قبله بقرون طويلة من تحقيقها، وفتح الباب على مصراعيه لحركة تحديث الشعر العربي، ليقدم للعربية ما سمي بقصيدة التفعيلة. السياب عاش حياة معاناة، بل تراجيديا مؤلمة مع الحب والمرض والموت والغربة والفقر أيضاً.

ولأنني ابن مدينته، وكثير من أقاربي يعرفونه شخصياً فأذكر عنه حكايات لم تنشر، مثلاً علاقاته مع بعض العطارين مثل المرحوم سيد جليل فخر الدين الذي كان يعود له كلما اضطرته الحاجة المادية، وسيد جليل رجل عطار، يبيع الأعشاب الطبية، لكنه يعشق شعر السياب، ويحفظ الكثير منه،

ويحرص بدر أن يهدي دواوينه للسيد جليل للود الذي بينهما، على الرغم من الفارق الثقافي الذي يفصلهما لكن معظم الشخصيات الشعبية العراقية كانت تحترم الشعر والشعراء وتقف إلى جانبهم، بل وتحفظ لهم أيضاً، أذكر أيضاً في هذا السياق المرحوم محمد حسين عاقل وهو تاجر أطعمة مجاور لمحل السيد جليل،

وكلا الموقعين يقعان على نهر العشار في البصرة، خلف مقام الإمام علي وجامع المقام، وحكاية محمد حسين عاقل والسياب لا تختلف في العلاقة عما ذكرنا عنها مع السيد جليل، محمد حسين يحب الشعر ويحفظه ويعجب بالسياب شاعراً وأديباً، ويساعده بالمال كلما دعت الحاجة لذلك، ولقاء ذلك فالسياب يهدي دواوينه إلى محمد حسين بتوقيعه، وكانت هذه الدواوين أثيرة على نفس التاجر،

ويحتفظ بها في مكتبته التي كانت غزيرة بكتب الشعر والتراث العربي والأدب القديم والحديث، وفجأة وجد التاجر محمد حسين نفسه أمام قرار ترحيله إلى إيران على اعتباره إيراني الأصل غير أنه كان من العشائر العراقية العربية في طويريح على الفرات الأوسط،

وأجبر على ترك بلاده، ووزع وباع أملاكه وأمواله، بل لم ينس مكتبته، فما وجد أفضل مني في الحفاظ على هذه المكتبة ومعرفة قيمتها المعنوية وثروتها الفكرية، فجاء بالكتب إلى بيتي، وأوصاني بالقول «هذه الكتب ومنها دواوين السياب أمانة لديك، أن عدت إلى وطني آخذها منك، وأن لم أعد فهي ملكك - أي ملكي»

كانت التركة ثقيلة ومحببة إلى نفسي، وكان يعز على أن يغادر محمد حسين وهو بمثابة العم والجار العزيز، وأذكر أنه قال إلى مدير الأمن: إنني عراقي في الأصل والمولد، أنا سنديانة جذرها يمتد عميقاً في الأرض أن قلعتني سأموت.

وبالفعل بعد فترة قصيرة مات محمد حسين في إيران، وترك عائلته وأبناءه هناك، وقد خسرهم العراق، أما المكتبة التي تركها لي فقد كانت تذكرني به وبالسياب كلما قرأت إهداء بخط بدر إلى صديقه محمد حسين.

وبعد سنوات قصار اضطررت إلى الهجرة من وطني وتركت ما أملك ومنها المكتبة، أستبيح بيتي واستباحوا المكتبة، ودواوين السياب، وضاعت ثروة من الكتب وذكريات بشر، هكذا هم الجهلة الرعاع حينما يصبحون سادة البلد، يحرقون كل شيء جميل حتى يسود القبح الذي يحملونه معهم.

وأذكر حكايات عديدة عن بدر شاكر السياب حتى بعد رحيله، بعد أن تذكر العراقيون شاعرهم، ونصبوا له تمثالاً نحته صديقي نداء كاظم، ووقف عند تخوم شط العرب في بداية الكورنيش شاهداً على نبوغ أهل البصرة ودورهم في بناء حضارة العرب وأدبهم، وثقافتهم، وفلسفتهم، أهملت بلدية البصرة التمثال، ولم يتابع أحد تنظيف الحديقة المحيطة به، أو تلميع التمثال وغسله، أو الاعتناء بالمنصة التي وقف عليها،

وأذكر أن أستاذاً مصرياً أكاديمياً كان مجنوناً بشعر السياب منذ صغره، وأكمل دراسته الجامعية قسم الآداب من أجل التعرف على شعر السياب، ثم أكمل دراسة الماجستير ليتعمق بشعر السياب، ثم بدأ يعد أطروحة الدكتوراه عن السياب أيضاً، وصادف أن وجهت للأستاذ دعوة لحضور مهرجان المربد الشعري الذي كان يقام في البصرة موطنه منذ مئات السنين.

وصل الأستاذ المصري إلى البصرة كما يقول هو، وسرعان ما ترك الفندق، باحثاً عن أثر للسياب في مدينته، فاهتدى إلى تمثاله عند تخوم شط العرب، وجلس أمام التمثال يستذكر أشعاره وحياته مع ذاته، ومستغرقاً بحلمه عن شاعر أحبه وعشق شعره، دون أن يبالي بما يحيطه من قاذورات وبقايا مواد بل وزبالة.

فجأة وقفت سيارة تاكسي، ونزلت منها امرأة كهلة رسم الزمن على وجهها آثاره ومعها فتاة في عمر الزهور، يحملان سطلاً ومكانس ومنظفات وبدآ يغسلان التمثال بماء من شط العرب ويزيلان الأوساخ والقاذورات والزبالة من حول التمثال. تقدم الشاب المصري من المرأة، وسألها بفضول، عن الأسباب التي دعتها والفتاة الشابة من هذا العمل.

نظرت المرأة إلى وجه تمثال السياب، قالت هذا واجبي الا تعرف أنه تمثال بدر شاكر السياب، وقد وصل وفود مهرجان المربد اليوم إلى البصرة ولا بد أن أصدقاءه ومريديه ومحبيه سيزورون المكان، أليس من واجبي أنا زوجته إقبال وهذه ابنته أن تجعل تمثاله جميلاً مثل جمال شعره ورشاقة قصيدته.

لم يصدق الشاب المصري، وصفق بيديه، وشجبها فوق رأسه وقص لها حكاية عشقه لشعر بدر شاكر السياب، منذ أن تعرف على قصيدته الأولى، حتى إعداد أطروحة الدكتوراه. وبطبيعة أهل البصرة، وانفتاحهم على العالم وكرمهم، دعته زوجة السياب لزيارة مسقط رأس الشاعر عند «بويب» لم يصدق أن بعض حلمه سيتحقق، وسيدخل بيت السياب عابراً، «بويب النهير الصغير» وأن يعيش في الغرفة التي كتب بها،

ونام فيها ولم يمت على سريره فيها. والحكاية كما أعرفها نشرها الصديق رجاء النقاش في مجلة الدوحة القطرية يوم كان يرأس تحريرها، ولعل ذاكرة النقاش أكثر حيوية من ذاكرتي فيذكر اسم هذا المعجب بشعر السياب والذي ظل يحلم به منذ أن تعلم فك الحرف، وتلمس عروض الفراهيدي، فتحقق له أن يعيش أياماً في ضيافة عائلة السياب البصرية الكريمة.

أما عن حكايات حبه الكثيرة ـ القليلة، فيقال انه عشق سبعاً من النساء، بينهن شاعرتان، واحدة عراقية كانت تزامله في دار المعلمين العالية، جامعة بغداد، وكان يسبقها بمرحلتين على ما أذكر، وأخرى أجنبية تعرف عليها في نهاية العمر تماماً، إلا أن الكاتب والناقد ماجد السامرائي يعتبر هذه العلاقات «نسيجاً من الأحلام والأوهام» على تعبيره في احدى مقالاته عن بدر،

ومهما كانت حقيقة هذه العلاقات فإن ما وصلنا من شعر بدر حول نسائه السبع يجعل متابعة الموضوع شعرياً، يمتلك مشروعية الإبداع والمتعة معاً، على الرغم من أنه لم يحقق وصالاً مع أي واحدة منهن إلا زوجته إقبال التي ظهرت بشكل كثيف وواضح في ديوانه الأخيرة، وقصائده عند الاحتضار يقول في ليلة وداع، وقد كتبها في 21/ 8/ 1964،

أي قبل وفاته بأشهر قلائل «أو صدي الباب/ فدنيا لست فيها/ ليس تستأهل من عيني نظرة/ سوف تمضين وابقى/ أي حسرة؟/ أتمنى لك ألا تعرفيها/ آه لو تدرين ما معنى ثواني في سرير من دم ؟ ميت الساقين محموم الجبين/ تأكل الظلماء عيناي ويحسوها فمي/ تائهاً في واحةٍ خلف جدار من سنين/ وأنين/ مستطار اللب بين الأنجم».

لم يكن جميل الوجه، ولكنه كان مبدعاً حقيقياً، لذا على الرغم من حبه لعدد من النسوة الجميلات اللواتي مررن بحياته، إلا أنه لم ينل منهن غير إقبال زوجته، وقد كتب كثيراً عن هذه العلاقة الإنسانية وعن عشقه لهن ابتداءً من حبه الأول للشاعرة لميعة عباس عمارة،

وصولاً إلى آخرهن الشاعرة البلجيكية «لوك نوران» عام 1963، التي بكت من شدة إعجابها بما كتبه عنها وقد ترجم القصيدة إلى الإنجليزية خصيصاً لها، والقصيدة واحدة من روائع السياب التي يذكرها الشعر العربي ويقول في نهايتها: لم يبق منك سوى عبير/ يبكي وغير صدى الوداع/ إلى اللقاء/ وتركت لي شفقاً من الزهرات جمعها إناء.

أما حبه الأول لميعة عباس عمارة فكانت مثل زميلاتها لا يحببن من السياب سوى شعره، وقراءة دواوينه، وقد أدرك ذلك، ورغم ذلك فقد كتب بلميعة وببعض من تعرف عليهن أجمل قصائد الحب، مثلما اضطر ليهجينهن بعد أن أدرك تحجر عواطفهن تجاهه، يقول عن لميعة:

وتلك شاعرتي التي كانت لي الدنيا وما فيها/ شربت الشعر من أحداقها ونعست في أفياء/ تنشرها قصائدها علي/ فكل ماضيها/ وكل شبابها كان انتظاراً لي على شط يهوم فوقه القمر/ وتنعس في حماة الطير/ رمش نعاسها المطر/ فنبهها فطارت تملأ الآفاق بالأصداء ناعسة/ تؤج النور مرتعشاً قوادمها/ وتخفق في خوافيها/ ظلال الليل/ أين أصيلنا الصيفي في جيكور ؟!

عند الرجوع إلى ديوان السياب سنعثر على قصائد مختلفة في حب النسوة اللواتي ما أحبوه يقول في قصيدة كتبها في باريس 19/ 3/ 1963: وما من عادتي نكران ماضي الذي كانا/ ولكن.. كل من أحببت قبلك ما أحبوني/ ولا عطفوا علي/ عشقت سبعاً كن أحياناً/ ترف شعورهن علي، تحملني إلى الصين/ شقائق من عطور نهودهن/ أغوص في بحرٍ من الأوهام والوجد/ فالتقط المحار أظن فيه الدر،

ثم تظلني وحدي/ جدائل نخلة فرعاء/ فأبحث بين أكوام المحار، لعل لؤلؤة ستبزغ منه كالنجمة/ وإذ تدمي يداي وتنزع الأخطار عنها، لا ينز هناك غير الماء/ وغير الطين من صدف المحار، فتقطر البسمة/ على ثغري دموعاً من قرار القلب تنبثق/ لأن جميع من أحببت قبلك ما أحبوني».

وفي الديوان ذاته نقرأ عن أخرى يحلم بلقائها غداً، لكننا نفاجأ في مكان آخر عن ندمه في أنه لم يمزق قميصها «وغداً سألقاها/ سأشدها شداً فتهمس بي/ رحماك، ثم تقول عيناك/ مزق نهودي - ضم أواها/ ردفي.. وأطو برعشة اللهب/ ظهري، كأن جزيرة العرب/ تسري عليه بطيب ريّاها».

أما المرض والموت فتلك حكاية ومعاناة عاشها السياب طيلة حياته، مثلما عاش أحزانه العاطفية وانعكست على شعره، لقد نكب السياب من بداية حياته بصحة عليلة، وصورة ليست جميلة، وحس مرهف لكنه ظل مطارداً في حياته وغربته، وسجنه،

ومعاناة بالفاقة بعد أن طرد من العمل عدة مرات، أنها حياة تراجيدية حقاً، فمن حبيبة لا تبادله الحب إلى حياة سياسية مضطربة، وتقلبات أهواء السياسة وصراعات حزبية انتهت به إلى كوارث حياتية إلى جانب مرضه الذي تفشى بجسمه حتى أصابه بالانهيار فانزوى في المستشفى الأميري في الكويت يعاني من خيبة الحب، ورفض مجتمعه له،

وفاقة شديدة بعد فصله من العمل، وغربة حقيقية ومرض استفحل عليه، وعائلة بعيدة عنه وهو يودع أنفاسه الأخيرة في الحياة، لذا فقد ترك لنا قصائد مفعمة بالحزن والأسى واللوعة، من خيانة الأصدقاء والحبيبة، ومن بعد الأهل، والغربة عن الوطن ومن الفاقة يقول في سفر أيوب:

لك الحمد مهما استطال البلاء/ ومهما استبد الألم/ لك الحمد ان الرزايا عطاء/ وان المصيبات بعض الكرم/ ألم تعطني انت هذا الظلام/ واعطيتني أنت هذا السحر/ فهل تشكر الأرض قطر المطر/ وتغضب ان لم يجدها الغمام/ شهور طوال وهذي الجراح/ تمزق جنبي مثل المُدى/

ولا يهدأ الداء عند الصباح/ ولا يمسح الليل أوجاعه الردى/ ولكن أيوب أن صاح صاح/ لك الحمد أن الرزايا ندى/ وأن الجراح هدايا الحبيب/ أضم إلى الصدر باقاتها/ هداياك في خافقي لا تغيب/ هداياك مقبولة هاتها

إن السياب شاعر الحب والمشاعر المجهضة، هو أيضاً شاعر الحزن والألم والغربة، رحل شاباً، ولم يعش حياته كما ينبغي في عراق مضطرب.

عبد الاله عبد القادر

bode
13-Feb-2008, 05:42
حول خطاب الثقافة العراقية وحُسن قراءة العالم

( إن استحالة تقديم الوهم للناس تنتمي إلى نفس نوعية استحالة إعادة اكتشاف مستوى مطلق للحقيقة ..)

جان بودريار ( الصور الزائفة )

عبر حكم الأنظمة الشمولية العتيدة ، هناك ما يوازي إنجازاتها المدروسة في تحطيم الإنسان والقيم والمجتمع ، ألا وهو إنكارها الزائف للثقافة بوصفها قيمة تحررية مناهضة للطغيان ، وسعيها الأبدي لتحويل المعرفة الإنسانية إلى نسق كلياني أوحد ، يسمح لها بتمرير التشدد السياسي لعقيدة ما إلى مختلف الأنشطة والممارسات الثقافية . وحيث يشمل ذلك كل المجالات والمعاني الادراكية والأخلاقية والتعبيرية ، تخضع الثقافة كغيرها من الممارسات الواعية إلى مختلف صور الإرهاب والإنكار والتشويه والاعتقال ، وبأسلوب مراوغ يدعي التحديث الحزبي للأطر التقليدية التي تخالف أهداف الحزب ومرجعياته .

ورغم النجاحات الباهرة التي أحرزتها الأنظمة الشمولية في ميادين حروبها الدموية مع الأفراد والجماعات والمفاهيم والقيم ، لا تكتفي سلطة الحزب / الدولة بتبديل تلك الأطر والأشكال والممارسات المدنية ، إنما تجاهد لتدمير البنى الفاعلة في حياة الإنسان ، من خلال سعيها المغامر لتنفيذ مشروعها الأمثل في تهشيم الجوهر الإنساني المغاير وإلغائه . لذا عادة ما تضطر الثقافة تحت ضغط الأنظمة القمعية المغلقة إلى الهجرة -كما البشر - نحو ضفاف آمنة ، فتجرب حظها في حياة المنافي . تنزع بعض هويتها لتلبس جواز الانشقاق والمعارضة .

هكذا نرى أن الثقافة العراقية في عقود حياتها المريرة مع الدكتاتورية ، عانت ككل أشكال الحياة الأخرى من اضطهاد عنيف واستلاب قسري ، بسببه تعرضت هي ورموزها إلى حرمانات طويلة تركت ظلالها القاتمة على المشهد العراقي برمته . لكن من الإنصاف القول أن الثقافة العراقية لم تكن ذات حظ وافر يوما ما منذ تأسيس الدولة العراقية حتى يومنا هذا ، إلا في فترات محدودة جدا ، انتعشت فيها لأسباب غير ثقافية غالبا . الأمر الذي جعل خطابها الإبداعي معزولا عن لحظاته التنويرية التي تفتحت هنا وهناك من دون أن يتاح لها النضج في أي مشروع معرفي مكتمل ذي تأثير بارز .

ولم يكن المثقف العراقي هو الآخر بمنأى عن هذه التشوهات التي طالت الحياة بسعتها ، خاصة حينما تورط في عقد شراكة ما مع برامج السلطة السياسية ، وهي المحترفة في لعبة تغير رقعة الشطرنج من حوله ليبدو مثقفنا ( الثوري ) و ( اللاثوري ) الذي قيل دوما انه ضحية أفكاره ، اشد المدافعين عن مشروعها ، بعد أن غادر خطابه الطليعي حقل المراهنة على نجاح الغايات الوطنية والتعددية الأيديولوجية وقضايا التحرر في معترك الأزمات العنيفة للحياة العراقية .

وليس خافيا انه خلال مخاضات العقود الثلاثة الماضية ، كان البعض قد تصور ، فيما ادعى البعض الآخر ، إن السلطة هذه تمثل جلَّ طموحاته الثقافية ومبادئه السياسية ، بينما انقسم الجمع المتبقي بين مشارك صغير ومعارض هامشي . وقد تواصلت الإشكالية الثقافية تلك بألوان وأشكال متغايرة الخواص ، بين رياح مدٍ وجزر ، إلى أن ختمت أزمات السلطة السياسية وحروبها المأساوية على بقايا الصورة الإعلامية الخادعة التي بدا أنها تهشمت قبيل ذلك بسنوات في بشائر ثقافة ظل مشاكسة ، شكلت فيما بعد جزءا هاما من طبيعة الصراع الثقافي الذي على أيديها قد ترتسم في ثناياه صورة مستقبل الثقافة العراقية .

في حال أمعنا النظر في جانب آخر من جوانب المحنة العراقية التي خلفتها الحقبة الدكتاتورية على لائحة المعرفة الاجتماعية وثيقة الارتباط بالثقافة عامة ، سنجد أننا أمام إشكالية كبيرة تتمثل في الأمية المتفشية خلال عقود طويلة من التجهيل تسببت بانهيار قيمي واعتباري لكل ما يمت لقطاعات التعليم بصلة داخل صيرورة المجتمع العراقي . وفقا لذلك قد لا يمكننا الحديث عن أحوال الثقافة في مجتمع انحدرت فيه القيمة التعليمية والتربوية إلى أدنى مستوياتها بمعزل عن تشخيص العوائق التي تجعل اغلب المثقفين غير متخلين عن نخبويتهم بعد أن أضل خطابهم الثقافي علامات الطريق إلى وجدان الناس ، مكتفيا بمساحات فردية مغلقة ، أعدمت فيها مظاهر التواصل الإيجابي والتبادل الحر مع من يراد تمثيلهم في حقل الممارسة الثقافية .

ورغم المزاعم والشجون التي قد يثيرها الحديث عن انعدام الصلة الحميمة بين التثقيف والتعليم في العراق ، يبدو لنا أن ثمة فرصة سانحة لإعادة إنتاج وبث تاريخ الثقافة العراقية في المناهج التعليمية والتربوية عامة ، والتي كانت قد حفّظَت متلقيها بتلقين قسري أسماء كل شعراء الحزب والثورة ، من دون أن تعرف يوما أن في سمائها حشد بارز من أعلام الفكر والإبداع العراقي في شتى ميادين المعرفة والأدب والفن .

ستحتاج الثقافة إلى أن تتفشى كما يتفشى الجهل ، قبل أن تتصف حياتنا بالعقم والخمول ، لا سيما وان الخطاب الثقافي العراقي يحاول في ضوء المتغيرات السياسية التي تعصف بحياتنا الآن ، أن يتلمس الطريق الموصلة إلى إقصاء كل أشكال الثقافة الحزبية سيئة الصيت ، مجربا منح ثقافة الحوار والشفافية الفكرية فرصة أن تحيا بعيدا عن شهوة الرقابة والانجراف وراء السلطة المتسترة تحت عناوين العنف الرمزي وآلياته المتحالفة . ولن يصبح متاحا ذلك من دون سعي العملية الثقافية الراهنة إلى امتلاك قدرا من الاستقلال والحرية ، يكون بوسعه إذكاء الإمكانيات المخلصة واستنفار طاقاتها الحقة في رسم سياسات جديدة تستند إلى جملة من الأسس والمعايير والمفاهيم المسؤولة عن إعطاء الثقافة هويتها التنويرية في مناخات تتطلع لقيام مجتمع مدني حديث ، بعيدا عن أية فروض أو برامج مؤسساتية تجعل من المثقف موظفا هامشيا يعتاش على نفقة الوزارة ، في الوقت الذي تتطلب الشفافية الثقافية هنا قدرا آخر من الممارسة المستقلة والفاعلة عبر اختيار الثقافة لمؤسساتها واتحاداتها ونقاباتها ومجالسها غير الاستهلاكية . ويمكنها فيما بعد أن تأخذ على عاتقها وبخبراتها الواسعة مهمة إعادة تعريف الجهاز المفاهيمي الملتبس لجملة علائق ووقائع لا تنفصل عن مجمل التحولات الجدلية المتلاحقة عن صور المثقف والسلطة والعالم .

هكذا نستدل ،كأناس فاعلين ، إلى إيجاد روابط وآليات وطموحات غير طوباوية وسط الأفكار وبها ، حيث يكون علينا إدراك أن ( الأفكار تكتسب أهميتها لا من كونها تكشف عن الحقيقة ، أو عن الواقع الموضوعي ، بل من كونها تسهم في إنتاج الحقائق ) 1نفسها .

لكن في الوقت عينه ليس من مصلحتنا اليوم إعادة إنتاج المشكلات والمصاعب في إطار صياغات فكرية استهلكت مرارا فيما خلقته لنفسها من مشاريع وأوهام شعاراتية ، فـ ( حيث عملت النخبة على توعية الجماهير ، ازدادت الأخيرة تبعية وهامشية ، وكيفما شُكلت أنظمة سياسية على يد النخب أو باسمها ، كانت هي الأسوأ . ومكمن العلة هنا ليس في الجماهير ولا في الواقع ، بل في ثنائية الطليعة والجماهير ، أو النخبة والعامة ، أو الحزب والأمة . إن مثل هذه الثنائيات تكشفت عن عيوبها وفقدت مصداقيتها كإطار للرؤية أو كأداة للعمل ..)2 .

بمعنى آخر يلزمنا التفكير بإعادة بناء البيت العراقي وترتيبه ، بعناية شاملة تمسك بكل مكامن الخلل الواقعي الراهن ، وتعيد قراءة الصورة من الداخل ، من مقاعد الدراسة إلى كراسي الحكم ومن السوق الشعبي إلى البنى الاقتصادية ومن العادات إلى المفاهيم ، من دون أن يرتكن عملها هذا إلى التأكيد على تلميع إحدى غرف البيت ، بطريقة تسمح لها أن تبدو ديكورا خادعا يظهر سلامة البيت من زاوية مموهة .

لذا ستكون عملية ترسيم خطاطة عراقية لطريقة إرساء دعائم المجتمع المدني مطلبا سياسيا واقتصاديا وثقافيا بقدر يتساوى في الأهمية ويتناغم في الهدف والإنجاز . خاصة ونحن نواجه انهيارات لا حد لها تطال اشد مفاصل حياتنا حساسية ، إلى الدرجة التي تجعل المشكل العراقي عصيا على التناول المفهومي . فبعد خلط سئ للأوراق ، جرى تشويش متعمد للعديد من المفاهيم : الوطن ، العدالة الحرية ، الهوية ، لدى مختلف الشرائح العراقية التي تكابد في صراعاتها الحالية للاعتراف بحق الآخر في أن يحيا داخل وطنه مستشعرا للمرة الأولى معنى أن يمتلك حقا في لوائح حقوق الإنسان العالمية .

أليس من مهام الثقافة بشكل عام ، بوصفها ركنا حيويا من أركان المجتمع المدني ، إشاعة مناخات عصرية منفتحة تسمح بالتعبير عن فرادة الآخر وتمايزه بعيدا عن النزعات الطائفية والأيديولوجية الضيقة ، ليكون بمستطاعها تبني ما يوائمها من المفاهيم المجتمعية داخل منظموتها المرنة على نحو تنويري يتيح للجميع ممارسة حقوقهم ويؤمن لهم ضفاف العيش بسلام ، طالما " إن الحرية في النهاية فضاء تداولي نسهم في خلقه أو توسيعه " بتعبير علي حرب .

لا شك أن الحداثة الثقافية إذا ما جرى تفعليها على أساس العلاقة بين عملية التحديث الاجتماعي من ناحية ، وبين التطور الثقافي من ناحية أخرى ، فإنها قادرة على إخضاع شؤون الحياة لضرورات النظام تحت ضغط التناغم مع آليات النمو الاقتصادي والإنجازات التنظيمية للدولة الحديثة ، مع الإشارة بالطبع أهمية تصور آخر يرى في الحداثة وما بعدها مشروعا استهلاكيا أو ( أنها الطريقة التي يحلم العالم فيها أن يصبح أمريكيا )3 بوصف " ستيوارت هال ".

وبوسعنا أن نرى كيف إن التزام الثقافة في البلدان الغربية اصبح وثيق الارتباط بنجاح مشروع التحديث في أتون الحياة الراهنة ، رغم الانتقادات التي يوجهها ( هابرماس ) لمشروع حداثة لم يكتمل ، اخترقته صراعات قوية ، ليصبح فيما بعد إحدى عقائد المحافظين . ورغم أن أمرا كهذا يحدث في مجتمعات تتسم بالنمو العقلاني والاستقرار النسبي والتوازن المؤسساتي على مختلف الصعد ، لكنه لن يكون سهلا بالنسبة لمجتمع يجهل مضار النمط الاستهلاكي لأنه لم يجرب بعد تذوق حسناته .

خلاصة القول ، أن جدارتنا في قراءة الحدث السياسي الراهن وهضم تداعياته وتفاعلاته الواقعة والمحتملة ، بطريقة كلية ، أوسع من التحزب والتحيز واقرب إلى الحوار والشفافية ، قد تؤهلنا في نتائجها المحصلة إلى استشراف مستقبل العراق الجديد في خطاب الثقافة والسوسيولوجيا والاقتصاد والسياسة . ذلك الخطاب الذي من أجل بلورة مواقفه الحقيقية غير المهادنة ، سيقتضي منا حسن قراءة العالم حولنا ، من زاوية عقلانية ، وثيقة الصلة بواقعية الحدث العراقي وراهنيته .

احمد ثامر جهاد

bode
20-Feb-2008, 04:27
http://www.middle-east-online.com/pictures/biga/_58460_meo.jpg

'الكوليرا' أول قصيدة عربية بالشعر الحر


'الاقلام' تنشر 'الكوليرا' وتنحني اجلالا لنازك الملائكة

نشرية ادبية عراقية تحتفي بذكرى رائدة الشعر العربي
الحر وتخصص لها ملفا خاصا باقلام حشد من النقاد والكتاب.


أصدرت مديرية الشؤون الثقافية العامة ببغداد العدد المزدوج الاول والثاني لسنة 2008 من مجلة "الأقلام" وهي نشرية أدبية تعنى بالأدب الحديث، يرأس تحريرها الشاعر سلمان الجبوري.

من بين ما يميز هذا العدد أنه تضمن ملفا خاصا عن الشاعرة الرائدة نازك الملائكة التي قال عنها الشاعر سلمان الجبوري رئيس التحرير لدى تقديمه العدد للقراء "أنحني إعتزازا لذكرى الشاعرة الرائدة نازك الملائكة على جهدها الخلاق، وستبقى جرسا يرن في ذاكرة الأجيال ماجَدَّ الجديدان".

وكانت قصيدة "الكوليرا" التي ربما هي أول قصيدة عربية صيغت بالشعر الحر فمنحت نازك صفة الريادة، وقد احتلت الغلاف الداخلي ملونة على خلفية هي عبارة عن صورة الشاعرة الراحلة.

وعكف على إعداد هذا الملف المتميز الذي جاء بعنوان "نازك الملائكة: الشاعرة والناقدة"، الشاعر علي الطائي، مدير التحرير، حاشدا له عددا من النقاد والكتاب الذين يُحتج بآرائهم، ومنهم فاضل ثامر وعبد الكريم راضي جعفر وعلياء السعدي وأحمد جواد العتابي ورزاق إبراهيم حسن.

وأفتتح الناقد فاضل ثامر رئيس الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق الملف بدراسة عنوانها "القرين: إنشطار الذات الشعرية في تجربة نازك الملائكة" والدراسة مكرسة لقصيدة "الشخص الثاني" التي نظمتها الراحلة عام 1950 ونُشِرَت ضمن ديوانها "قرارة الموجة".

وقال الناقد فاضل ثامر عن تلك القصيدة إنها "بكاملها مجرد فعل تخييلي محض قائم على افتراض شعري يتمثل لغويا في المقطع الأول بتوظيف - لو- التي تستخدم هنا مع الفعل الماضي بوصفها إمتناعية، إلا أن جواب الشرط هنا حُذف بلاغيا ونحويا كلون من ألوان الانزياح عن العرف والقاعدة لتشكيل شعرية الخطاب الشعري ويخيل لنا الزمن هنا لا يتحدد في إطار الماضي وإنما ينصرف إلى المستقبل أيضا".

وجاءت دراسة الدكتور عبد الكريم راضي جعفر بعنوان "الحياة والموت في شعر نازك الملائكة – الثنائية الضدية والثنائية المتوافقة" رأى فيها أن إحساس نازك الملائكة بتفاهة الحياة وعبثيتها، غير متأت من فجيعة الحياة نفسها، بل من فجيعة الموت".

بينما عالجت الدكتورة علياء السعدي "البنى السردية: الواقعية الشخصية في القصيدة الملائكية" أرجعت خلالها وعي نازك الملائكة بأهمية الزمن الشعري وسط لجة الالتفات الغربي إلى البنية الزمنية بفضل إطلاعها على الآداب الغربية".

وعرض لنا رزاق إبراهيم حسن "ملتقى عام 1994 عن نازك الملائكة".. في حين شكلت قصيدة "الأغنية الثالثة" المادة الأساسية في دراسة الدكتور أحمد جواد العتابي "الأغنية الثالثة.. قراءة وإعادة تشكيل".

وخارج الملف، قدم الناقد ياسين النصير دراسة نقدية لمجموعة "أربعاء الصحو" وهي مجموعة قصصية للقاص عبد الإله عبد الرزاق والتي عدها النصير نموذجا لتنوع القوالب ويتصدر الأشكال الفنية. فيما تناول أحمد خالص الشعلان قصيدة تي أس إليوت "أغنية حب في جي الفرد بروفروك" معتمدا على تحليل استقرائي لنص القصيدة مبني أساسا على قراءة انطباعية شخصية للقصيدة متلمسا قدر الإنسان في جهده ذاك.

"بيت على نهر دجلة..صرخة الإنسانية المأزومة" كان ذلك عنوان دراسة كرنفال أيوب، والبيت الذي على نهر دجلة هو عنوان رواية مهدي عيسى الصقر.

وقال الشاعر الراحل صفاء الحيدري في آخر حوار له أجراه هاتف الثلج، ونشر في هذا العدد من "الاقلام"، أنه أول شاعر ملاحم في العالم العربي، والشاعر الذي هو شقيق بلند الحيدري كان ثائرا متحفزا وهو يتناول شخصيات حسين مردان وعبد الوهاب البياتي والسياب وغيرهم، ولم يكن شقيقه بلند في منأى عن ثورته تلك، ما جعل الحوار نصا تاريخيا أدبيا يسلط الأضواء على خفايا السيرة الذاتية لعدد من شعراء الجيل الذي فارقنا عن قريب.

ولقد كانت النصوص الشعرية مهداة من قبل ناظميها لزملاء راحلين أو أحياء، فقد أهدى الشاعر أحمد جليل الويس قصيدته "زهرة الراحلين" إلى الراحلين محمد مبارك وعزيز عبد الصاحب، بينما أهدى الشاعر ناجح علي قصيدته "نم على حجر بشدة" إلى الراحلين من شعرائنا ومنهم ﮜﺰار حنتوش ورعد مطشر والى سلمان داود محمد حيا.

أما الشاعر حسن الخياط فقد أهدى قصيدته "خيوط الدم" إلى الشاعر الراحل عقيل علي، في حين لم يهد الشاعر محمود نمر قصيدته "عروس النار" ومثله فعل الشاعر حافظ باقر الربيعي مع قصيدته "شموس آتية".

أما قصص العدد فهي "مرآة الوهم" لعبد عون الروضان، و"السبخ" لشوقي كريم حسن، و"شهرزاد" لعصام القدسي، و"الرهان" لمحمد علوان جبر.

أما الأستاذة فضيلة يزل، فقد اختارت "تحدي سلطة الذكر في مسرحية شكبير: حلم في منتصف الليل" لتترجمه لنا، وفكرة هذه الدراسة مستمدة من استحضار الموقف السياسي للملكة اليزابيث الأولى بوصفها زعيمة نسوية لمجتمع أبوي تسود فيه سلطة الرجل ما جعل النص ينطوي على اهتمام في كيفية تأثير السلوك الناتج عن علاقات الجنس والقوة في مسرح تلك الأيام.

حسن عبيد عيسى