المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فنّ الإلقاء



bode
09-Feb-2008, 04:14
فنّ الإلقاء


كثير من الشعراء يكتب أجمل القصائد، لكنه يطيح بهذه الجمالية حين يلقي قصيدته، بل ويهضم حقّ النص الشعريّ بتدني المستوي الخطابي والإلقائي لديه.

الحقيقة أن الإلقاء أحد أهم فنون مهارة الخطابة، وأن من لديهم هذه المَلكة هم الأقدر علي التأثير بمن حولهم من خلال قدرتهم علي امتلاك زمام الحديث وبالمناسبة فإن مهارة الحديث ينبغي أن يتحلي بها كل في مجاله، لأن ذلك يعد مفتاحاً مهماً للنجاح.

وللإلقاء أصولٌ ثابتة لا يمكن تجاهلها أو تغييبها، وعلي الملقي أن يتحلي بها بل ويسعي حثيثاً للتقيد بها، سواء كان محاضراً جامعياً أو خطيباً في مسجد أو شاعراً أو قاصاً في أمسية.

ومن أصول الإلقاء أن يكون الملقي علي إطلاعٍ بالعلوم اللغوية فلا يجعل المرفوع منصوباً ولا المجرور مرفوعاً، وأن يفي التساؤل حقه ويمنح الفاعل مكانته ويتعجب عند موضع التعجب، ويحسن صياغة العبارات .. كما أن علي الشاعر أو الملقي أن يتعلم أصول إثارة الانتباه، وأن لا ينشغل بقراءة نصه الشعريّ دون أن يمتلك المقدرة علي معرفة وقع النص علي مستمعيه.

وقالوا في هذا السياق عن الملقي الناجح "ما أن يعتلي المنبر ويؤم الحديث إلا ويصير حديثه سائغاً عذباً لا لحن فيه ولا اعوجاج، فلا يمجه سمع ولا ينفر منه طبع، وتستلذه كل أذنٍ سامعة، وتصير النفس له طامعة وتميل إليه ولا تنفر منه".

وقال أحد الأدباء "لو قُدّر لي أن أفقد كل مواهبي وملكاتي، وكان لي حق الاختيار في أن أحتفظ بواحدة فقط، فلن أتردد في أن تكون هذه هي القدرة علي التحدث لأنني من خلالها أستطيع أن أستعيد البقية بسرعة".

لقد حضرت وحضرتم بالتأكيد أماسي شعرية، وكم أخفق شاعرها في إيصال المضمون لأنه كان فاقد المقدرة علي حسن الإلقاء.

نعتقد أن ليس هناك من يختلف معنا في ضرورة امتلاك الشاعر لمهارات الإلقاء وكم من الشعراء المبدعين أضاعوا إبداعهم في طريقة إلقائهم السيئة، حتي أنك حينما تسمعهم تتمني لو بقيت تقرأ لهم فقط، وحينما تحضر أمسيات شعرية فيها هذا النوع من الإلقاء تضطر للتسلل من المكان كي لا تسمع إلقاءً ضعيفاً لقصيدة رائعة مفضلاً قراءتها في وقت لاحق.

إن مَلكة الإلقاء والقدرة علي الحديث هي فطريةً، لكنها يمكن أن تكون مكتسبة بل وإن عملية اكتسابها سهلة وناجحة، فهناك الكثير ممن لم يجد الحديث وفن إلقائه تعلم هذه المهارة وتفوق بها.

إن تعلم فن الإلقاء ليس مثلبة بحق الشاعر، والآن أصبح ممكناً لمن لا يجيد الإلقاء أن يتدرب علي ذلك ويكتسب مهارات خاصة، وهو علم يدرس في الكثير من معاهد الفنون والإعلام.

إن الاهتمام بتنمية مقدرتنا علي فن الإلقاء يمنحنا ثقة أكبر بأنفسنا وبما نقدم، ويعزز من قدرتنا علي إقناع المتلقي، فالإلقاء والخطابة علم يمكن للإنسان أن يتعلمه إذا اتبع قواعده وسار علي نهجه واستمر في ممارسته، وفي التاريخ صور كثيرة فهذا (واصل بن عطاء) أحد أئمة المعتزلة كانت لديه لثغة في حرف الراء، وحاول التخلص منها لكنه لم يستطع، ورغم ذلك لم يترك الخطابة بسببها، وأصر أن يخطب من غير حرف الراء، فأصبح من أوائل الخطباء في عصره وأشهرهم.

د.فضل طلال العامري