المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإسلام والعرب في الخطاب الإعلامي الغربي



bode
06-Feb-2008, 02:41
الإسلام والعرب في الخطاب الإعلامي الغربي



تتميز الخطابات حول الآخر سواء كانت في وسائل الإعلام أو في الكتب أو في الأوساط العلمية والأكاديمية بالتبسيط والتسطيح وباختصاره واختزاله في مجموعة من الصور النمطية ومن الأفكار المسيقة المبنية عادة على الكراهية والحقد والكبرياء والازدراء والاحتقار.

فالآخر في الماضي كان يخض في البدوي، الراعي المتخلف المتغطرس، غير المتحضر، المتخلف، الأمي، الجاهل، مسكون بالحروب والملذات والنساء. الصورة في أيامنا هذه اتسعت لتشمل أشكالا ونماذج وصوراً أكثر خطورة.

حيث أصبحت تركز على الإرهاب والجريمة المنظمة والتعصب والتطرف والحرب المقدسة. فالكراهية والحقد وإقصاء الآخر منذ الحروب الصليبية وحتى يومنا هذا أصبح يُنّظر لها في الكتب وفي الدوريات والجامعات. وحتى الكتب الدراسية والمنتجات الثقافية بمختلف أنواعها وأشكالها لم تسلم من التنميط المنظم والمنسق.

فالآخر المسلم أو العربي يمثل في المخيال الغربي وفي الذاكرة الجماعية الغربية تلك الصور النمطية المتجردة في التاريخ وفي تصورات ولاوعي الأفراد وفق شبكة من القيم والمعايير تجعل الفكر الأوروبي والعقل الأوروبي هو الأفضل وهو الأحسن وهو الناجح والمتفوق والآخر هو المنهزم الفاشل، المتخلف، المتغطرس، الأمي، الجاهل...

وأبسط دليل على ذلك هو أفلام هوليوود وغيرها من الصناعات الثقافية الغربية والتي تجعل من الأبيض الأشقر الأكثر ذكاءً وإبداعاً ونجاحاً وتفوقاً. في القديم كان الآخر بدوي يرعى قطيع من الماشية، قليل الذكاء والتفكير وتتلخص حياته في المحسوسات والمتعة الجنسية ومهووس بالحروب وسفك الدماء. كما يشار للإسلام والمسلمين والعرب ببتر سواعد اللصوص وبتعدد الزوجات وباستعباد المرأة واستغلالها.

اتسع هذا الفضاء الملوث مع الأسف الشديد ليركز في السنوات الأخيرة على موضوعات جديدة و«توليفات متطورة» أهمها الإرهاب والتطرف والتعصب والجريمة المنظمة. فالخطاب الإعلامي الغربي أصبح يتلذذ في التركيز على التصرفات والسلوكيات التي تصدر من المسلمين والعرب والحكم عليها كأنها الإسلام وتعاليم الدين الحنيف.

وكأن المجموعات الإرهابية والأعمال الإجرامية التي تقوم بها بعض الجماعات هي الإسلام وهي الحضارة الإسلامية وهي السلوك العام الذي يؤمن به المجتمع ويتبناه. وإذا كان الإعلام بتوجهاته الربحية وبحثه عن الغرابة والإثارة في الأعمال الإرهابية وفي المذابح والمجازر التي ترتكب في حق الأبرياء فماذا نقول عن العلماء والمنظرين والمفكرين الذين يختزلون ويلخصون الإسلام والمسلمين والعرب في الإرهاب والتطرف؟

فإذا أخذنا المجتمع الفرنسي كمثال نلاحظ أن هذا الأخير يدعي المساواة والتسامح والتعايش مع مختلف الديانات والأجناس والأعراق، لكن الواقع غير ذلك تماما حيث نلاحظ إقصاء الآخر بطريقة منهجية ومنظمة ليس على الصعيد الإعلامي فقط بل حتى على الصعيد الأكاديمي والعلمي.

ونلاحظ كذلك أن كبار الكتاب والباحثين والفلاسفة الفرنسيين من جول فيري إلى لوي ماسينيون، إلى جاك برك وغيره من العلماء والمستشرقين يُنّظرون للإسلام والمسلمين من زاوية الاستعلاء والكبرياء والازدراء والاستهتار. ففلاسفة التنوير على سبيل المثال لم يوفقوا في التخلص من الذهنية اللاهوتية الإقصائية.

ففولتير الذي يعتبر من عمالقة فلاسفة التنوير، كتب كتاب «التعصب أو محمد الرسول» اعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم «خائنا» و«متمردا» و«مجرما» و«دجالا» وحسب فولتير الرسول محمد أسس أمة من أجل الصلاة والتكاثر والقتال. ما يقال عن كتابات وأفكار وآراء فولتير عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والإسلام ينسحب على كتابات وأفكار كل من مونتسكيو وكندورسي وديدورو وكوندياك وجاك كزوت وغيرهم من فلاسفة التنوير.

فالصورة التي قدمها هؤلاء الفلاسفة للإنسانية عن الإسلام والمسلمين كانت بعيدة كل البعد عن تنوير العقول وتقديم صورة علمية وموضوعية عن الإسلام. فدراسة هؤلاء الفلاسفة للإسلام كانت سطحية، ضحلة، غير علمية ولا تقوم على أسس موضوعية.

والدليل على هذا هو الخطاب الاستشراقي وما قدمه المستشرقون عن الإسلام والمسلمين للعالم. خطاب المستشرقين تعبير فوقي استعلائي تبسيطي وفارغ من كل محتوى يعكس قوة الإسلام وعبقريته وضخامته. فإدوارد سعيد على سبيل المثال في كتابه «الاستشراق» يرى أن الخطاب الاستشراقي والكتابات الاستشراقية في مجملها عنصرية في مقاربتها للإسلام ولا تتوفر على الأسس العلمية والمنهجية للغوص في أعماق ديانة بحجم الديانة الإسلامية.

فالمستشرقون درسوا الإسلام وقدموه لغيرهم في الغرب وفي العالم في إطار أيديولوجي إمبريالي يتسم بالتفوق العرقي والتعالي واحتقار الآخر. فالعوائق الأيديولوجية والسيكولوجية والنفسية الموروثة منذ الحروب الصليبية حالت دون دراسة الإسلام ومقاربته كواقع حضاري وثقافي يمكن دراسته بجرأة وشجاعة علمية وتحليله والغوص في أبعاده كواقع حضاري وثقافي بعيدا عن التعصب الديني والحضاري والأيديولوجي.

وبعيدا عن التفاعل الإيجابي الذي يهدف إلى التسامح والتقارب والتفاهم والحوار من أجل التعايش السلمي وقبول الآخر كما هو وعلى ما هو عليه، نجد الغرب بمفكريه وفلاسفته وصناعاته الإعلامية والثقافية يساهم في التنظير للكراهية والحقد وإقصاء الآخر ويعمل على تهيئة مناخ يسيطر عليه الصراع والنزاع والتصادم بدلا من التقارب والتفاهم.

تؤدي ثقافة الإقصاء والكراهية، والتي تقوم على الصور النمطية والتضليل والتبسيط والاختزال، إلى فرز حواجز نفسية ونشر الخوف والإسلاموفوبيا. فالإعلام الفرنسي مثلا من خلال ممارسته اللامسؤولة وغير الأخلاقية لنقل أخبار الآخر وأفكاره وعقيدته ودينه يركز على الإثارة والغرابة والتضخيم وكل ما يسيء للإسلام والمسلمين.

وهنا نلاحظ أن الصناعة الإعلامية الغربية والتي تقدر بمئات المليارات من الدولارات وتتوفر على إمكانيات تكنولوجية كبيرة جدا تعالج الإسلام وتتناوله من خلال مصفوفة من المفاهيم والمصطلحات تتمثل في التطرف، الحرب المقدسة، الأصولية، الجهاد، تعدد الزوجات، استغلال المرأة، الجريمة، الإرهاب والتعصب وقد تطول القائمة لتشمل كل النعوت والصفات السلبية التي تحتوي عليها المعاجم اللغوية في العالم.

وتنمي الصناعات الإعلامية الغربية هذه النزعة، نزعة التنميط والتضليل والتهميش والفبركة والتكييف من خلال أحداث ووقائع ككتاب «آيات شيطانية» وكتاب تسليمة نسرين عن المرأة في الإسلام و«قضية الحجاب» وأحداث مدريد 2004 و11 سبتمبر 2001 وأحداث لندن 2005 وأحداث ضواحي باريس وغيرها من الأعمال الإرهابية والإجرامية.

والأخطر من هذا أن هناك «خبراء الإسلام»-مجموعة من شبه المثقفين الذين يدعون التخصص والخبرة في الدراسات الإسلامية- الذين ينظرون ويحللون ويفسرون ويشرحون لجمهور المشاهدين والقراء والمستمعين والرأي العام بصفة عامة، معنى الإسلام ومغزاه وعلاقته بمثل هذه الأحداث وخطورة الإسلام على الغرب وعلى الحرية وحقوق الإنسان.

بقلم :د.محمد قيراط