المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأفضل أن لا تقرأ



bode
06-Feb-2008, 02:16
الأفضل أن لا تقرأ



"إذا كنتَ تُصدّق كلَ ما تقرأ فالأفضل أن لا تقرأ" (مثل ياباني)

"إن العلاقة غير السهلة بين الكاتب والقارئ التي بدأت في بلاد ما بين النهرين في يوم محفوف بالأسرار ستبقى قائمة أبد الدهر" (البرتو مانغويل)

ان هذه العلاقة غير السهلة بين الكاتب والقارئ هي التي تشكل جوهر عملية القراءة، وإلا تحولت القراءة الى عملية آلية ساذجة لحد القرف وتحول الانسان القارئ الى عنصر يدخل هذه العملية ويخرج منها من دون اضافة تذكر وهذا على احسن تقدير.

وعدم الجدّية في ادراك هذه العلاقة والتغافل عنها ينتج قارئا نمطيا في معالجة النص المقروء يلوذ بالمتماثل منه، فتتحول النصوص عنده الى أرتال منسقة تذعن لاستيعاب بصري رتيب يعيش عافية التلقي السهل مستفيدا من التغذية الذهنية الراجعة التي لم يقلقها أي نص مشاكس. وهذا هو داء عضال يقع فيه القارئ من دون ان يشعر لأن الآلية المؤدية اليه مخاتلة حيث يرى نفسه في عداد القارئين بل من النهمين.

ولكن ما ان تصطف الفكرة عقب الفكرة يجد انه لا يمتلك إلا فكرة واحدة ونصاً لا يتجاوز حدّه لنصٍ آخر، فالعقم الفكري هو الإبن الشرعي لقراءة اللون الواحد والإتجاه الواحد، حيث لا فرصة للتخصيب المعرفي الذي لا يحصل الاّ من تمازج القراءات وتمحيصها، وهذه الظاهرة (القراءة العمياء وذات اللون الواحد) متفشية عند من يخضعون لمؤسسة معرفية مؤدلجة منغلقة على نفسها، حيث يتم تناول عقار معرفي واحد بأغلفة متنوعة وتحت مسميات مختلفة.

مفيد وجميل ان نقرأ الكتب التي لا نرغب بقراءتها.

(علينا ان نقرأ الكتب التي تخزنا وتعضّنا لأنها الفأس الذي يكسّر الجليد المتراكم في اعماقنا)
هذا ما يقوله الأديب التشيكي الكبير فرانز كافكا.

وإلاّ ما فائدة الكتب التي تجامل أنماطنا الفكرية والمعرفية وتنسجم معها ولا تحاول ان تمسها بشئ يزعجها، فنبقى كالأسماك الميتة نسير باتجاه التيار من دون أية ممانعة او نقد او اعادة نظر، فالقراءة هي النهر الذي نجد انفسنا احيانا سابحين فيه، فعلينا ان لا نسترخي ونترك باب عقولنا مشرعة لكل ما في هذا النهر، اننا نحتاج احياناً لمصادمة موجة او معاكسة تيار لا لمجرد المصادمة او المعاكسة وانما هو ضريبة الوعي والتمييز لما نقرأ.

وبما ان وسائل القراءة قد تغيرت كثيرا عما كانت عليه سابقا بوجود المواقع الالكترونية التي باتت تطرح علينا الكتاب الالكتروني والذي وضعنا أمام طوفان من المواد المعروضة للقراءة مما زاد في فرص اختيار ما نقرأ ولكن بنفس الوقت ازداد العرض لكتابات غير جادة بل احيانا مضللة لحد الكفر بكل مقاييس الكتابة واخلاقيات النشر، فصارت المهمة أصعب وادق، ومما يزيد الصعوبة هو التأثر النسبي وغير المقصود بوسيلة النشر، أي بالجانب ( التكنلوجي) فائق الدقة والذي يضفي بدوره بعداً آخر على المادة المقروءة (فالوسيلة هي الرسالة) كما اكده عالم الاعلاميات والتواصل (مارشال مكلوهان)، فهذا التأثير غير المنظور لوسائل الاتصال له فاعليته على مدى تقبل القارئ للمادة المنشورة ولا سيما قليل الخبرة والوعي، ونتيجة لذلك نجحت الكثير من المواقع الرخيصة باصطياد قراءٍ مغفلين يتم غسل ادمغتهم ودفعهم باتجهات خطيرة ومدمرة، مثل تجارة المخدرات والجنس والإرهاب.

حسين السكافي