المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تيارات معمارية معاصرة



bode
05-Feb-2008, 02:08
تيارات معمارية معاصرة :- سليك – تيك


يمور المشهد المعماري العالمي المعاصر المابعد حداثي ، بمقاربات مهنية عديدة ومتنوعة ؛ وهذه المقاربات ما ان تظهر على" سطح " ذلك المشهد بامثلتها التصميمية غير المسبوقة لغة وتكوينا ً، حتى تتخلى سريعاً عن دورها التجديدي لمقاربات آخرى تزيحها عن مكانها، وتتطلع هذه " الاخرى " لخلق تصوراتها المعمارية الخاصة بها ، ومعدة نفسها في الوقت ذاته لعمليات " ازاحة " منتظرة من قبل تيارات معمارية مغايرة آتية ، الامر الذي جعل المشهد المعماري المابعد حداثي متخما ً دائما بحضور كثيف لمقاربات معمارية مختلفة ، وبصيرورات متنوعة لها .

ثمة ، اذن ، حركة تعاقبية مستمرة وسريعة من عمليات احياء وموت تشهدها الممارسة المعمارية المعاصرة . ويسعى النقاد مع المتلقين متابعة هذه الظاهرة والتعرف على سماتها وتحديد تضاريسها ضمن " خارطة " النشاط المعماري المعاصر كي يمكن فهمها وتقبلها .

وتيار " سليك تيك " Slick- Tech ؛ تيار واجهات المباني ذات السطوح الزجاجية الشفافة واللماعة والبراقة ؛ تيار " الصقالة " ؛ هو احد المقاربات المهنية الطليعية التى شغلت وشغفت بها الممارسة المعمارية المعاصرة على مدى سنين عديدة ، وافضت الى نتائج معبرّة اتسمت حلولها التكوينية بتميز واضح ، مثرية بلغتها التصميمية المتفردة المشهد المعماري العالمي بذائقة جمالية جديدة . ويعد تيار " سليك- تيك " احد تشظيات تيار " الهاي – تيك " High- Tech : التيار المعني والمولع بجعل مفهوم احد اهم المرجعيات المؤسسة لمفهوم تصميمي معاصر؛ والرافع من شأنها ( اي التقنية ) عاليا ً بحيث تضحى تأثيراتها جزءا اساسيا في تشكيل منظومة جمالية جديدة ساهمت في بزوغ هذا التيار بصيغة مؤثرة في منتصف سبعينات القرن الماضي ، وجعلت من حالة التعاطي معه فعالية اثيرة عند المصممين مابعد الحداثيين .

وعلى غرار مقولة بان " لا شئ جديد تحت الشمس ! " ؛ فان متابعي تيار " السليك – تيك " يرون في بعض محاولات المصممين السابقين ارهاصا ً لولادة هذا التيار في الممارسة المعمارية العالمية ، فهم يرصدون مساره التجريبي والتجديدي من خلال مداخلات معمارية مؤثرة قام بها مصممون اكفاء ذو نَفَس طليعي عملوا في الفترة الزمنية الماضية ، وتحديدا منذ ارتقاء المواد الانشائية الجديدة ناصية الاستخدامات الواسعة في تراكيب المباني المشيدة حديثا ً .

واستنادا الى هذا الطرح ‘ فان متابعي " السليك – تيك " يجدون في " القصر البلوري " ( 1851 ) Crystal Palace لجوزيف باكستون ، نبعا ً ومصدرا ً ومرجعا ًً لتيارهم الاثير الذي تتطلب ظهوره التام وحضوره الفعال في المشهد المعماري العالمي نيف وقرن من الزمان من مسار عمارة الحداثة ، المسار المترع بالتغييرات المستمـرة والحافل بعمليـات الاحياء والتمويت لمقـاربات تصميمـية متنوعة ! . فعمارة " كريستال بالاص " تثير اهتمام انصار " السليك- تيك " لجهة استخداماتها الجريئة والواسعة للالواح الزجاجية التى جعلت فضاء " جناح لندن " في معرض لندن الدولي ، والذي سيدعى لاحقا ً " بالقصر البلوري " ، جعلت منه فضاءا شفافا غارقا ً بالنور والضياء ، وهي حالة لم يشهد ، في السابق ، مثيلا لها تاريخ العمارة اوالانشاء على حدّ سواء .

في العشرينات من القرن الماضي عندما تبلور التيار الوظيفي / الفانكشوناليزم ، كتيار ابداعي جديد يسعى الى احداث قطيعة ابستمولوجية مع جميع الطرز والاساليب التصميمية التى عرفتها العمارة سابقا ( عدا بالطبع "مدرسة شيكاغو " التى اعتبر الوظيفيون انفسهم ورثتها الشرعيين ) ، لجأ انصار الفانكشوناليزم الى المواد الانشائية المصنعة الجديدة بضمنها الالواح الزجاجية ، كوسيلة ناجعة لاجتراح تلك القطيعة المعرفية ؛ والتى عدها انصار " السليك – تيك " اسهامة كبيرة في ترسيخ قيم ومبادئ عمارة الصقالة في الممارسة المعمارية العالمية .

ومع ان اكثرية تصاميم تلك الحقبة ظلت " حبرا على ورق " ، كما يقال ، لكن ثلاثينات القرن الماضي شهدت ظهور حدث واجهة زجاجية بالكامل لمبان ٍ صممها " لو كوربوزيه " مثل " مبنى مركز الاتحاد – "سنتر سيوز" في موسكو (1929-33) ، ومبنى " جيش الخلاص " بباريس ( 1933 ) اللذين عدا بمثابة كشف جديد في نوعية المعالجات المعمارية . وبقيت معظم طروحات " ميس فان در رو ّ " واكثرية اعمال معماريّ تيار " الكونستروكتيفزم " الروسي ، والخاصة بتصاميم مبان ٍ ذات واجهات زجاجية بالكامل ، بقيت عصية على التحقيق ، بيد انها الهبت في الوقت عينه مخيلة الكثيرين لما يمكن ان تمنحه الالواح الزجاجية من فورم معماري استثنائي ومتميز وحداثي .

يُعد ظهور " البيت الزجاجي " ( 1949 ) لفيليب جونسون كحدث فريد ليس فقط في منجز عمارة الصقالة ، وانما في منجز عموم عمارة الحداثة ؛ اذ صدمت هيئته الشفـافة والمكشوفة والعارية ، المشغولة من " جدران " زجاجية التصورات المألوفة عن مفهوم فضاء البيت السكني واحيازه المغلقة المتدرجة في خصوصيتها . وكانت جراءة المحاولة " الجونسونيه" ضرورية لجهة لفت الانظار لما يمكن ان تجترحه طروحات " ميس " المعمارية من فورمات استثنائية ، رغم ان تجسيداتها في " البيت الزجاجي " جاءت بصيغ راديكالية للغاية . على ان تحقيق عمارة " البيت الزجاجي" ´سيفضي ، لاحقا ، الى تسهيل مهمة حضور عمارة " سيغرام بيلدينك " ( 1958 )Seagram Building النيويوركية الشهيرة بجميع جدرانها " الستائرية " الزجاجية الاربعة ، حضورا بليغا في المشهد المعماري العالمي ، ذلك الحضور الذي بدا وكأنه نهاية منطقية لدراسات سابقة اجراها " ميس " وانصاره ، ونتيجة مثمرة ، ايضا ، لمسار طويل في تجـارب "عمارة الصقالة " .

تعرض مسار عمارة " السليك –تيك " الى نكسة حقيقية ، اثر انهيار مفاهيم عمارة الحداثة ، وخصوصا في مقارباتها ضمن ما يسمى " بالاسلوب الدولي " ، الذي جسدت " سيغرام " منتهى ما توصل اليه ذلك الاسلوب الابداعي من طروحات مفاهيمية ؛ كما ان بزوغ عمارة ما بعد الحداثة على مسرح الممارسة المعمارية ، وافتنان ما بعد الحداثيين بمفهوم الجدران الكتلوية الضخمة في تكويناتهم التصميمية ، بالاضافة الى مطالبة المختصين بضرورة مراعاة الاقتصاد في الطاقة والنأي عن استخدامات الالواح الزجاجية في البناء ؛ افضى الى انحسار عمارة " السليك- تيك " عن الممارسة المعمارية العالمية لعقد من الزمان .

تزامنت فترة التغاضي عن عمارة الواجهات الزجاجية مع الشروع باجراء دراسات معمقة وبحوث رائدة قام بها مختصون في صناعة الزجاج ، اثمرت على انتاج تشكيلة واسعة من المواد الشفافة ذات مواصفات متنوعة ان كان لجهة تحديد اللون او لتنوع المواصفات الفيزياوية الاخرى او لانتاج الواحها بابعاد قياسية . كما تم ابان تلك الفترة تحقيق اساليب جديدة لعمليات تثبيت الالواح الزجاجية وربطها الى اقسام الهيكل الانشائي للمبنى . وبفضل هذه الاجراءات باتت السطوح الواجهية متحررة من لزومية التقسيمات الصغيرة لشبكة الاطارات المعدنية الماسكة للالواح الزجاجية ، الامر الذي منح المعماريين فرصة الحصول على سطوح شفافة وفسيجة غير مجزأة بصريا .


لقد اثار " السليك – تيك " اهتمام المصمميين مرة اخرى للامكانات الواسعة التى يوفرها هذا التيار لجهة احراز واجهات زجاجية ذات هيئات منحنية واسطوانية وحتى.. كروية . كما ساهمت الكشوفات الرائدة في مجال تصنيع الزجاج وعمليات الربط والتثبيت المتنوعة " لموجة ثالثة " من عمارة الصقالة ؛ وابتداءا من السبعينات بدأ يظهر في المشهد المعماري العالمي المعاصر المثال تلو الاخر من مبانٍ ذات واجهات مزججة بالكامل ؛ وبدا من غزارة وشيوع تلك النماذج في الممارسة المعمارية ، وكأن " السليك – تيك " يحاول ان يعوض سنين النسيان والاقصاء التى مر ّ بها في العقد الستيني ! .

لقد اغوت مزايا هذا التيار كثيرا من المصممين الطليعين ، الذين عملوا في السبعينات وانبهروا في فورماته ذات السطوح الفسيحة اللماعة والبراقة ، ويعتبر كثير من النقاد هؤلاء المصممين الذين ارسوا " الموجة الثالثة " من عمارة الصقالة ، بانهم بعملهم هذا فتحوا الباب واسعا امام التطورات الدراماتيكية التى ستشهدها لاحقا الممارسة المعمارية العالمية في " انقلابها " المابعد حداثي ، وباتوا يدعون في ادبيات النقد المعماري بـ " اباء " عمارة ما بعد الحداثة ، امثال " نورمان فوستر" ، و" فيليب جونسون " و " سيزار بيللي " و " دومنيك بيروا " و " زهاء حديد " و " ريجارد مايير " , " جان نوفيا " و " اي ام بي " وغيرهم .

عادة ما يشير النقاد الى اوائل امثلة ظهور " السليك –تيك " في موجته الثالثة الى المبنى الاداري الخاص بالمقر العام لشركة Willis Faber & Dumas في ابسويج / انكلترة ( 1975 ) للمعمار البريطاني المعروف " نورمان فوستر " N.Foster . لقد كان ظهور هذا المبنى لافتا ومخالفا للسياق التصميمي الشائع ابان تلك الحقبة الزمنية ؛ ظهور ينم على محاولة لترسيخ قيم تصميمية جديدة ، او بالاحرى قيم معروفة ، لكنها مستحضرة الان من خلال قراءة تأويلية ابداعية ، انها ببساطة تنزع لان تكون نقيضة لمقولة " روبرت فنتوري " ، فالمبنى بالاساس " سقيفة زجاجية .. غير مزخرفة " ، بالضد من اطروحة المعمار الشهير ، صاحب " التعقيد والتناقض في العمارة " من ان معظم النتاج المعماري ما هو سوى " سقيفة عادية ، بيد انها .. مزخرفة ! " .

وتبعا ً للبساطة المتناهية لشكل المبنى ، البساطة المتأتية من استخدام الجدران الزجاجية الشفافة والبراقة ، فان هذا المبنى اعتبر من قبل بعض النقاد الوريث الشرعي لمأثرة " باكستون " الزجاجية ، تلك المأثرة " المنقاة " والمعززة بمداخلات " ميس فان دير رو ّ " الابداعية والطليعية والمؤثرة . على اننا يتعين علينا الاشارة هنا، بان من عمارة الاخير : عمارة " الجلد والعظم " لم يتبق َ منها في انتاج " السليك- تيك " سوى " الجلد " فقط ، المعبر عنها بسطوح زجاجية ممتدة على الواجهات باكملها ، ذلك لان الهيكل الانشائي : " عظم " المبنى ، قد تم اخفاءة بعيدا داخل حيز المنشأ ، خلف تلك السطوح اللماعة المتصلة غير المجزأة ! .

من ضمن المميزات الخاصة التى اتسمت بها نتاجات " السليك – تيك " في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات الشروع في استخدامات واسعة للزجاج العاكس المرآتي في المباني المشيدة وقتذاك ، الامر الذي جعل من العناصر التركيبية لتلك المباني ، تبدو وكأنها هشة ووهمية ، حافلة بتأثيرات عدم المادية ؛ ذلك لان الالواح الضخمة المرآتية المشكلة لواجهات المباني ، اضحى بمقدورها الان ان تعكس بوضوح مناظر البيئة الخارجية المحيطة من مبانٍ مجاورة وغيوم متحركة ؛ وهذا الانعكاس الصوري / المرآتي ، افضى الى اخفاء مقاسات عناصر المبنى الحقيقية ، نازعا ً عنها ، في الوقت ذاته ، الاحساس بطابعها المادي الملموس ، ومشوشا على المتلقي تصوراته عن ابعادها الواقعية ، مما حدا بالناقد المعماري " لويس ممفرد " باطلاق تسمية < الفيلة الخجولة > على مباني " السليك – تيك " في فترتها المرآتية ! .

ورغم النجاحات الباهرة التى انجزها تيار " السليك – تيك " في الممارسة المعمارية المعاصرة ، ولا سيما الامكانات الواسعة التى وفرها في تحقيق تراكيب شفافة ذات هيئات منحنية ، محققا احلام المعماريين القديمة في خلق ابنية زجاجية كروية ، تلك المباني التى ورد ت في تصاميم معماريين طليعيين ، ابتداءا من " ليدو " الفرنسي ، وحتي " ليانيدوف " الروسي ، والتى ظلت على امتداد عقود من السنين عصية على التحقيق؛ نقول ، رغم تلك النجاحات المهمة في تشكيل فورمات جديدة ، بدا و كأن السطوح الزجاجية اللماعة بحيادية تأثيراتها ونعومة ملمسها ، تخلق تحديدات تكوينية معينة ؛ مما بعث ببعض المصممين ، الى اللجوء لتآلفات عناصر شفافة مع آخرى صلدة ، مهمتها تلافي ظهور مثل تلك السلبيات والتحديدات ، والتوق الى ايجاد تنويعات تكوينية ضمن معطيات مفهوم " السليك – تيك " . ومثل هذه الممارسة يمكن رصدها في كثير من التصاميم التى ظهرت في الثمانيات وبداية التسعينات .

لقد اغنت موضوعة " المستنبت الزجاجي " ، موضوعة المباني ذات الواجهات المزججة بالكامل ، الممارسة المعمارية العالمية المعاصرة، وبات التعاطي مع " ثيمتها " ممارسة اثيرة لدى معمارين عديدين ، عملوا ويعملوا في مناطق مختلفة جغرافيا وثقافيا واثنيا من عالم اليوم ؛ كما اضحت شواهدها تزين المشهد الحضري لمدن كثيرة بدءا من نيويورك وصولا الى مدن جنوب شرق آسيا ، مرورا ... باربيل.

د . خالد السلطاني
مدرسة العمارة / الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون