المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شاعرة لها وجهة نظر



bode
04-Feb-2008, 12:19
http://www.middle-east-online.com/pictures/biga/_57776_KhansaaLL.jpg

فذلك يا هند الرزية فاعلمي

شاعرة لها وجهة نظر

الخنساء شاعرة مقاومة وصاحبة موقف ورؤية للأحداث من حولها،
وهو ما جعلها تبز العديدات من الشاعرات.

عرفت العربية شاعرات أجدن قرض الشعر، وحفظت أشعارهن في ديوان العرب،
منهن: زرقاء اليمامة، صفية الشيبانية، خولة الكندية، فضل الشاعرة، وغيرهن كثيرات.

أما من لقبت بـ "الخنساء" فهي، ربما، أكثرهن شهرة ورواجا بين العامة والخاصة. يقع ديوانها
(مجمل أعمالها) في حوالي 200 صفحة من الحجم المتوسط, ويضم أكثر من المائة قصيدة.

لعل سر شهرة "الخنساء" يعود أساسا إلى كونها من شعراء المقاومة، على الرغم من كونها كتبت
أشعارها (في أغلبها) حول موت أخيها وأبيها في المعارك. لم تكن قصائد رثاء تقليدية، ولا يمكن
وصفها بأنها عزاء في مصيبتها، بل كانت قصائدها تدعو إلى القيم المقاومة وإلى الثأر من المعتدي
الغدار، وتستهين من الموت، على الرغم من كون جوهر موضوع النص البكاء على فقيديها.

من هنا تعد "الخنساء" من شاعرات المقاومة، على الرغم من أن البعض يرى في أشعارها تكرارا
غير فني، وأحيانا صورا وصفية ساذجة، ويرى أنها غالت في حزنها، وأن تلك المغالاة قللت من
القيمة الفنية.

هي "تماضر بنت عمرو بن الحرث بن الشريد", لقبت بالخنساء تشبها لها بالبقرة الوحشية في
جمال عينيها. تزوجت "رواحة بن عبد العزيز السلمي", ثم تزوجت "مرداس بن أبي عامر السلمي"،
وأنجبت أربعة أولاد.

أسلمت مع ظهور الإسلام, وذهبت مع قومها لفتح فارس وبرفقة أولادها الأربعة,
فقتلوا الأربعة في واقعة القادسية عام 16هـ، فقالت:


الحمد لله الذي شرفني بقتلهم, وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر الرحمة."


لعل تلك المقولة الشهيرة عنها، تكشف البعد النفسي والفكري عند الخنساء،
إضافة إلى ما أنتجته من أشعار.

أما وقد مات شقيقيها معاوية وصخر, حزنت عليهما حزنا شديدا,
وإن قال البعض ما قال للإقلال من قيمة أشعارها. وبالديوان وجد القليل من الهجاء والفخر.

قالت في رثاء "صخر" أخيها:


ياعين مالك لا تبكين تسكابا؟ ** إذ راب دهر, وكان الدهر ريابا

فأبكي أخاك لأيتام وأرملة ** أبكي أخاكو إذا جاوزت أجنابا

أبكي أخاك لخيل كالقطا عصبا ** فقدن, لما ثوى وسيبا وأنهابـا


وهناك واقعة شهيرة في الشعر العربي, كانت الخنساء تعاظم عربا بمصيبتها بأبيها وأخويها, وتقول:


أنا أعظم العرب مصيبة


فكانت وقعة بدر وقتل عتبه وشيبة والوليد بن عتبة"
فأقبلت هند بنت عتبة ترثيهم قائلة: أنا أعظم العرب مصيبة.

وذهبت إلى سوق عكاظ لمقابلة الخنساء.

فقالت لها الخنساء: من أنت يا أُخية؟

فقالت: أنا هند بنت عتبة أعظم العرب مصيبة، فيم تعاظمينهم أنت؟

وقدم كل منهن ما عندها حتى قالت هند:


أبكي عميد الأبطحين كليهما ** ومانعها من كل باغ يريدها

أبي عتيبة الخيرات ويحك فاعلمي ** وشيبة والحامي الذمار وليدها

أولئك آل المجد من آل غالب ** وفي العز منها حين ينمى عديدها


فقالت الخنساء تجيبها:


أبكي أبي عمرا بعين غزيرة ** قليل إذا نام الخلي هجودها

وصنوى لا أنسى معاوية الذي ** له من سراه الحرتين وفودها

وصخرا ومن ذا مثل صخر إذا غدا ** بساحته الأبطال قزم يقودها

فذلك يا هند الرزية فاعلمي ** ونيران حرب حين شب وقودها


قليل هو ما قالته في الفخر, وقد جاء أيضا من خلال رثاء أخيها "صخر", فهذه الأبيات تقول فيها ما
لفضل قومها على الناس, فلما مات صخر استوى الأمر ولم يبق لقومها من فضل على الناس:


ذرى عنك أقوال الضلال, كفى بنا ** لكبش الوغى في اليوم والأمس ناطحا

فخالد أولى بالتعذر منكم ** غداة علا نهجا من الحق واضحا

عليكم بإذن الله يزجي مصمما ** سوانح لا تكبو لها وبوارحا

نعوا مالكا بالتاج لما هبطنه ** عوابس في هابي الغبار كوالحا

فإن تك قد أبكتك سلمى بمالك ** تركنا عليه نائحات ونائحا


وفي موضع آخر تحرض الخنساء بني سليم وعامر على غطفان بعد قتلهم معاوية:


لا شيء يبقى غير وجه مليكنا ** ولست أرى شيئا على الدهر خالدا

ألا أن يوم ابن الشريد ورهطه ** أباد جفانا والقدور الرواكدا

هم يملأون لليتيم إناءه ** وهم ينجزون للخليل المواعيدا

ألا أبلغنا عني سليما وعامرا ** ومن كان من عليا هوازن شاهدا

بأن بني ذبيان قد أرصدوا لكم ** إذا ما تلاقيتم بأن لا تعاودا


واضح من الأبيات الأخيرة، أن الخنساء صاحبة موقف ورؤية للأحداث من حولها، و
هو ما جعلها تبز العديدات من الشاعرات في جيلها والأجيال التالية.

إن لها "وجهة نظر".

السيد نجم