المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الثقافات و الحضارات لكل منهما مجاله الخاص



bode
03-Feb-2008, 05:35
الثقافات مصطلح يختلف عن الحضارات ولكل منهما مجاله الخاص

كثيرا ما تستوقفني عناوين جديدة شائعة الانتشار في يومنا هذا وسيان كانت تلك العناوين ندوة عبر وسائل الاعلام المنظورة أو المسموعة أو مقالة في جريدة أو عنوان كتاب ألا وهي حوار الثقافات والحضارات وتنعكس العناوين تماماً لتصبح صراع الثقافات والحضارات وفي بعض الأحيان تظهر العناوين بهيئة سؤال مطروح صراع الثقافات أم صراع الحضارات؟ . والي غير ذلك من العناوين التي تخلط ما بين المصطلحين.

وقبل الولوج في تعريف كل مصطلح من هذين المصطلحين الذين أمسيا الشغل الشاغل لبعض من الكتاب والسياسيين وعلماء الاجتماع علي حد سواء لابد من القول أن الخوض في هذا المعترك المشرعة أبوابه علي مصراعيها يعني الاجتهاد ولا يعني بالضرورة فرض رأي علي آخر، بدليل أن هناك أكثر من مائة وخمسين تعريفا لمضمون المصطلحين جميعها أخذت بها اليونسكو بنظر الاعتبار للدلالة علي قبولها وليست تبنيها لأي مصطلح منها.

ومن بين تلك المصطلحات وعلي سبيل المثال لا الحصر ليس هناك تباين ملموس ما بين مفهوم ثقافة وحضارة إن المضامين الثقافية أشمل وأعم من المضمامين الحضارية، إن الحضارة لها علاقة مباشرة بمصطلح التحضر وهناك من يربط مصطلح الحضارة بمصطلح التمدن للدلالة علي انخراط الفرد بحياة المدنية.

ويبدو من خلال بعض ما هو مطروح هو اعادة طرح مفهوم الفرق ما بين مفهوم البداوة والحضارة والذي عرف عند العرب القدامي، وقد اختزل أهل الخليج العربي هذا المصطلح بالقول أهل الوبر وأهل المدر والمدر يعني اللبن .

كنت قد كتبت تحليلا مختصرا للفرق الجوهري ما بين مضمون مصطلح ثقافة ومصطلح حضارة ومن منظور علم الآثار وفي مقالتنا هذه ارتأينا التأكيد علي ذلك المختصر اضافة إلي توضيح مفاهيم المصطلحين بصورة أدق علنا نقترب أكثر من معرفة مضامينهما الحقيقية.

لاسيما وأنهما وكما ذكرنا آنفا قد أخذاً في الآوانة الأخيرة مساحات واسعة من صحفات الصحف اليومية، والمنتديات الثقافية ووسائل الاعلام الأخري إلي جانب نشوب حوارات جادة ما بين الكتاب والباحثين لدرجة أمسي اللبس ما بينهما في اعتقادي لا يفرق ما بين مفاهيم ومضامين هذا المصطلح أو ذاك.

نعود ونقول في هذا السياق أن مصطلح النتاج الثقافي يعني بالمفهوم العام والخاص الحصيلة الفكرية الملموسة وغير الملموسة لأي مجموعة بشرية .

أي أن هذا النتاج قد يمثل آلة حجرية استعملها الإنسان لسد رمقه، أو للدفاع عن نفسه، أو آنية فخارية استغلها الإنسان لنقل أو شرب مائة، أو قطعة من نسيج تمثل لابسه، أو قصيدة شعرية مدونة أو متداولة وإلي غير ذلك من النتاج الذي يدور في محور النتاج الجماعي لأي مجموعة بشرية اختارت لنفسها نمطاً للعيش تبعاً للمحيط الذي تعيش به.

وكلما زاد عدد افراد الجماعة تطورت ونمت وبالتالي ازدادت انجازاتهم الثقافية الخاصة بهم لحين تصبح تلك المجموعة، مجموعة لها حضورها وخصوصياتها العامة والخاصة وثقلها ما بين المجاميع البشرية الأخري، وعندما تتوسع هذه المجموعة أكثر فأكثر ولتصبح ذات أبعاد أكثر تعقيداً وأكثر نظماً وأوسع جغرافيا وسكانياً من ذي قبل يعني ذلك أنها دخلت في سياقات المدينة أو بالتعبير الحديث مفهوم الدولة التي تضم بين زواياها وثناياها المتمثلة بالمؤسسات، ونظام حكم ثابت، ومعاهد علمية وثقافية عالية ومتخصصة، وصناعات متنوعة في بعض الأحيان، ووسائل أعلام واتصالات، وعلاقات خارجية وطموحات مستقبلية وإلي غير ذلك من ما يعرف بمقومات الدولة الحديثة.

وخلال هذا التحول سوف لا تنسي أو تتناسي تلك المجموعة أو المجاميع وبأي حال من الأحوال مورثها الثقافي التي كابدت من أجل تبنيه عبر العصور لذلك فإنها ستقف أمام كل محاولة لتغير مجري ذلك الموروث أو المساس به عبر الغزو الحضاري الذي تبنته بالضرورة الحتمية للالتحاق بركب التطور، بل إنها ستعمل جاهدة علي اظهار ذلك الموروث بشتي الوسائل والعمل علي تطويره كي يتماشي مع كل فترة زمنية تمر بها، وإذا حل بها ما حل من مصاعب فإنها ستلجأ إليه ثانية كمصدر رزق لها بعد أن تعمد علي تكيفه مع المرحلة التي هي فيها.

من هذا المفهوم وذاك يبرز لنا مصطلح ثقافة Culture ومصطلح حضارة Civilizatior ، فالحضارة إذن هو ما مكتسب من خلال الحاجة إلي التطور المتمثل بجميع آليات ومستلزمات العملية التطورية التي تسعي الدولة للحصول عليها.

فالكل إذن بحاجة إلي وسائل نقل برية، بحرية، جوية، واتصالات متنوعة والكترونيات تعمل علي قدم وساق ومطارات، ووسائل راحة، وتشيد العمائر بأنواعها واستخداماتها وحتي إلي استخدام الإنسان الآلي في بعض الأحيان هذه وغيرها التي يسعي الكل وليس البعض إليها.

فالصراع أو الحوار الحضاري ما بين من ومن سيكون إذن، إذا كان الجميع يسعي لنيل آليات ومستلزمات العملية التطورية للبلاد. واختصارا لما جاء أعلاه لأن الاطناب في كثير من الأحيان يفسد ما يراد أن يقال: الثقافة ما يخرج من رحم الأمة مهما كانت صغيرة أو كبيرة والحضارة هي ما تتبناه الأمة من آليات لتطوير ذاتها.

بقلم الدكتور- منير طه