المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصحافة.. الطموح والواقع



bode
03-Feb-2008, 05:01
الصحافة.. الطموح والواقع

يحتار القاريء أمام التفاوت الكبير بين مستويات الصحف المحلية في بعض دول الخليج، وهو تفاوت طبيعي من وجهة نظر موضوعية، فذلك يخضع للقناعات التي تتبناها القيادات الصحفية ونظرة هذه القيادات للرسالة الإعلامية والتثقيفية المناطة بالصحافة، لا باعتبارها مصدراً لزيادة ثروات أصحابها، ولكن باعتبارها رسالة مهمتها في الدرجة الأولي خدمة الوطن والمواطن، من خلال تبني المواقف الايجابية حيال كل ما يهم المواطن، ويحميه من الاستغلال والعبث بمصالحه، ويقرب إليه ما يستعصي فهمه مما يدور حوله من قضايا مختلفة، لإشاعة الوعي بما هو سلبي وما هو إيجابي في كل ما يتعلق بحقوقه وواجباته الخاصة والعامة، وكل ما يعلي شأن الوطن، ويحميه من كل محاولات النيل من أمنه واستقراره، وعواصف الإساءة لمكاسبه ومنجزاته، وزوابع التضليل التي يثيرها اعداؤه.

ان ذلك كله لا يلغي ما يمكن أن تحققه الصحافة من مكاسب مادية تساعدها علي مواصلة رسالتها وتحقيق أهدافها، وفي الوقت نفسه تحقق شيئا من الربح لأصحابها، وتوسع مجالات استثمارها فالصحافة الي جانب كونها رسالة هي صناعة متطورة باستمرار، والوقوف السلبي حيال هذا التطور يعني عدم قدرتها علي الاستمرار وعدم تمكنها من أداء رسالتها، لكن نجاحها المالي لا يعني بالضرورة نجاحها الصحفي.

وما يلاحظ من تفاوت في مستويات صحف تصدر في بلد واحد، يظهر أكثر ما يظهر ليس في مستواها الفني، فقد تحقق جميعها في هذا المجال تقدماً ملحوظاً من ناحية الاستفادة من التقنيات الطباعية الجديدة، لكنه يظهر في مادتها الصحفية، وما يملأ صفحاتها من أخبار وموضوعات مختلفة، فأنت تقرأ موضوعات ساخنة في صحيفة ما ولا تقرأها في صحيفة أخري، رغم خضوعها جميعاً لمرجعية نظامية واحدة، لكن هذه المرجعية تفسر من قبل القيادات الصحفية بأشكال مختلفة، وهذا ما يفرز هذا التفاوت الذي يلاحظه القراء. بل والكتاب أنفسهم - في الدولة ذاتها - عندما تحجب لهم بعض المواضيع في صحف معينة، ثم يفاجأون أن هذه المواضيع مطروحة في صحف أخري وبأسلوب أكثر حدة من أساليبهم، وهو أمر لا يمكن تفسيره بغير معني واحد هو أن اجتهادات بعض المسئولين في بعض هذه الصحف، لم تدرك بعد الوعي الذي وصل اليه القاريء، بل لم تدرك بعد ماهو متوفر من مناخ فكري سائد تمارس فيه حرية التعبير بكل ما تعنيه من وعي ومسئولية، والخاسر الوحيد في هذه الحالة هي الصحيفة عندما ينفض من حولها السمار، لأنها تغرد خارج السرب، مع أن كل صحيفة تدعي وصلاً بليلي، لكن المهم أن تختار الأسلوب المناسب لذلك حتي تقر لها ليلي بهذا الوصل.

الطموحات كبيرة، وهي طموحات تزداد آفاقها اتساعاً مع كل نجاح تحققه الصحيفة علي المستوي المالي، ولكي تتحقق المعادلة بين الطموح والواقع لابد من إعادة النظر في الكثير من المؤشرات التي يفرزها واقع صحافتنا الخليجية، من حيث توسيع دائرة مصادرها الاخبارية الخاصة، بدل اتكائها علي النقل من مصادر قد تحاول دس السم في العسل، وكذلك توفير الكوادر المؤهلة القادرة علي تسيير دفة العمل التحريري والفني والاداري وبشكل متوازن، وأي خلل في هذا التوازن سوف يربك العمل الصحفي ويعرقل مساره، وكل ذلك يستوجب أولاً وأخيراً توفر قيادات صحفية تعي تماما دور الصحافة وأهدافها كرسالة وصناعة واستثمار، فالصحافة من المهن التي تعطي بقدر ما يعطي لها أو أكثر، وهذا هو سر نجاح بعض الصحف، وفشل بعضها الآخر.

خليل إبراهيم الفزيع